الخليج في مرمى “النيران المتقاطعة”: بين المظلة الأمريكية والتصعيد الإقليمي

ـ من “المظلة الأمنية” إلى “مصدر الخطر”: الخليج أمام اختبار السيادة والارتهان لواشنطن
ـ فاتورة التحالف وأثمان المواجهة: لماذا وضعت طهران دول الخليج في “مرمى النيران”؟

الحقيقة ـ جميل الحاج

في خضمّ التصعيد الإقليمي المتسارع والعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على طاولة التحليل السياسي والعسكري: لماذا تستهدف طهران دول الخليج؟ هذا التساؤل ليس مجرد بحث في التكتيكات العسكرية، بل هو غوص في استراتيجية “توزيع الأعباء” التي تتبناها الجمهورية الإسلامية.

فبينما يرى البعض في هذا الاستهداف تصعيداً غير مبرر، تطرح طهران سرديتها بوضوح ومباشرة: الخليج ليس خارج معادلة الحرب، بل هو جزء أصيل من بنيتها اللوجستية والسياسية والمادية.

ومن هنا، يتحول استهداف العمق الخليجي من فعل اعتباطي إلى امتداد مباشر لمعادلة الرد والردع، حيث لم تعد القواعد العسكرية مجرد “مظلات حماية”، بل منصات انطلاق لتهديد الوجود الإيراني.

القواعد الخليجية كمنصات عدوان

ترى طهران أن دول الخليج ساهمت، بدرجات متفاوتة، في تمكين البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة.

هذه القواعد التي أُنشئت ومُولت بأموال خليجية كلفت عشرات المليارات من الدولارات، لا تُقرأ في مراكز القرار الإيراني كبنية دفاعية ساكنة، بل كتهيئة مسبقة للعدوان الأمريكي الإسرائيلي.

تؤكد طهران أن بعض الدول الخليجية لم تكتفِ بمنح التسهيلات، بل سمحت باستخدام أراضيها وأجوائها للعمليات العسكرية، وذهبت أبعد من ذلك عبر مواقف سياسية تحريضية تضغط لإسقاط النظام.

وتبرز منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية، وعلى رأسها منظومة “ثاد” (THAAD)، كعامل استفزاز رئيسي؛ إذ تعتبرها إيران مشاركة فعلية في الحرب وعائقاً مباشراً يمنع صواريخها من الوصول إلى أهدافها في القوات الأمريكية أو الكيان الإسرائيلي.

التمويل والدعم العسكري المباشر الخليجي للإعداء ويشمل:

ـ الدعم اللوجستي: تزويد الطائرات الأمريكية بالوقود وتقديم المعلومات الاستخباراتية.

ـ الإنذار المبكر: المشاركة في منظومات الرصد التي تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

ـ المنشآت الحيوية: تصنيف قطاعات النفط والغاز كأهداف مشروعة، كون إدارتها تتم عبر شركات أميركية وبريطانية منخرطة في العدوان.

معادلة “الألم المشترك” ونهاية الصبر الاستراتيجي

المعادلة الإيرانية اليوم واضحة.. وهي إذا كان الوصول إلى العمق الجغرافي الأمريكي متعذراً، فإن إيلام واشنطن يمر حتماً عبر إيلام شركائها الإقليميين ومصالحهم الحيوية، ويبرز هنا شعار طهران الضمني: “النفط والطاقة والأمن.. إما للجميع أو لا لأحد”.

ورغم أن الخطاب الإيراني المعلن يقر بأن الحرب ليست خياراً مفضلاً، إلا أن القيادة هناك ترى أن واشنطن وتل أبيب قد أشعلتا المنطقة بالفعل.. وبناءً عليه، ترفض طهران تحمل كلفة الصراع منفردة، وتعمل على توزيع هذه الكلفة على الأطراف التي تعتبر جزءاً من منظومة العدوان عليها.

لقد بعثت طهران برسائل واضحة للقادة الخليجيين: “التطمينات الشفوية الإيرانية لدول الخليج في حال منعت استخدام الأراضي والأجواء في أي عمل عسكري من قبل العدو الأمريكي والإسرائيلي.

ومن هنا، يرى المسؤولون في طهران أن مرحلة “الصبر الاستراتيجي” قد انتهت، وأن اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم اليوم هي لغة القوة والصواريخ، معتبرين أن أي أرض تُستخدم للاعتداء على إيران هي جزء لا يتجزأ من ساحة المعركة.

التمويل الخليجي للقواعد الأمريكية.. عبء سيادي أم ضمانة أمنية؟

يشكل التمويل الخليجي للوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا ملفاً معقداً يتقاطع فيه الأمن مع السيادة والاقتصاد، فالدول المضيفة تتحمل تكاليف ضخمة تتجاوز النفقات المباشرة لتشمل تقديم الأراضي، وإعفاءات الطاقة، والتسهيلات القانونية، فيما يمكن تسميته بـ “التمويل السيادي للأمن الخارجي”.

نماذج التمويل والارتباط:

قطر: استثمرت مليارات الدولارات في قاعدة “العديد”، وهي محاولة لجذب الحضور الأمريكي لتعزيز الضمانات الأمنية الوطنية.

الكويت: تقدم دعماً لوجستياً وعينياً واسع النطاق وتسهيلات تشغيلية مرتبطة بذكراة تاريخية من الارتباط الأمني مع واشنطن.

السعودية: تأخذ العلاقة طابعاً أكثر تعقيداً عبر صفقات تسليح ضخمة (ثاد وباتريوت) واستثمارات اقتصادية، مما يحول العلاقة إلى شراكة استراتيجية مكلفة جداً.

الإمارات: تحاول موازنة الكلفة عبر برامج “الأوفست” لتحقيق عوائد اقتصادية، لكن عبء التسلح التكنولوجي يظل ثقيلاً.

الإشكالية الكبرى هنا تكمن في أن التجارب الميدانية أظهرت أن الأولوية العملياتية لهذه القواعد مرتبطة بحماية المصالح الأمريكية وأمن “إسرائيل” أكثر من الدفاع عن الدول المضيفة، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تمول دول الخليج منظومة أمنية تخدم أطرافاً أخرى على حساب أمنها القومي؟

لحظة الحقيقة.. ارتباك استراتيجي ومسارات المستقبل

تحولت الضربات الإيرانية الأخيرة إلى لحظة كاشفة وضعت دول الخليج أمام سؤال وجودي: هل الاحتماء بالمظلة الأمريكية خيار آمن، أم أنها أصبحت هي ذاتها مصدر الخطر؟

تعيش العواصم الخليجية حالة من الارتباك الاستراتيجي؛ فمن جهة، يصعب التخلي عن الحماية الأمريكية التقليدية، ومن جهة أخرى، أثبتت الحرب أن هذا الارتباط يحوّل أراضي الخليج إلى ساحات رد متبادل.

وفي ظل تجاهل واشنطن للاعتراضات الخليجية أحياناً، تبرز ثلاثة مسارات مستقبلية:

ـ المسار الأول: تعميق التحالف مع واشنطن، وهو خيار يضمن حماية متقدمة نظرياً لكنه يزيد من احتمالات الاستهداف المباشر ويكرس التبعية.

ـ المسار الثاني: التوجه شرقاً نحو الصين وروسيا، وهو خيار مغرٍ لتنويع الشركاء لكنه يصطدم بضغوط أميركية هائلة.

ـ المسار الثالث: بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة، تعتمد على التعاون الداخلي والانفتاح على قوى محايدة (الهند أو قوى آسيوية)، مما يقلل من حدة الاستقطاب.

صياغة معادلة جديدة

إن الخليج اليوم لم يعد قادراً على البقاء في المنطقة الرمادية بين واشنطن وطهران. فكلما تعمق الارتباط بالمشروع الأمريكي، ارتفعت الفاتورة الأمنية والاقتصادية التي تفرضها إيران عبر استراتيجية الضغط غير المتماثل.

إن ما بعد هذه المواجهات لن يشبه ما قبلها؛ فدول الخليج التي بنت ازدهارها على الاستقرار، تجد نفسها اليوم أمام اختبار غير مسبوق.

فهل تجرؤ هذه الدول على صياغة معادلة جديدة أقل ارتهاناً للقرار الخارجي الأمريكي والتطبيع مع العدو الإسرائيلي وأكثر توازناً مع الجار الإيراني؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ملامح الخريطة السياسية للشرق الأوسط في العقود القادمة.

قد يعجبك ايضا