الرؤية الإيمانية في مشروع الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي: قراءة في أسس الهوية القرآنية وبناء الوعي
الهوية الإيمانية في المشروع القرآني: رؤية الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي لإحياء الوعي ومواجهة الحرب الناعمة
الحقيقة ـ جميل الحاج
في مطلع الألفية الجديدة، قدّم الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي “رضوان الله عليه” منظومة فكرية دينية تُعرف اليوم داخل الأوساط البحثية والسياسية باسم “المشروع القرآني”، وهي رؤية تستند إلى إعادة إحياء الوعي الإيماني في الأمة، وبناء هوية تستمد عناصرها من القرآن الكريم كمرجع شامل للحياة، مع التركيز على مواجهة التحديات الفكرية والسياسية والثقافية إلى جانب العسكرية التي اعتبر أنها تستهدف الأمة في جوهر وجودها.
وقد شكّلت هذه الرؤية محورًا أساسيًا لمحاضراته ودروسه التي باتت مرجعًا في اليمن وخارجة، خصوصًا تلك التي تتبنى منهج المقاومة في مواجهة المشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
وتتمحور الرؤية الإيمانية في المشروع القرآني لمواجهة الحرب الناعمة حول تعزيز الهوية الإيمانية كخط دفاع أول، وتتمثل في التمسك بالمنهج القرآني كأساس للهوية، وتوجيه الوعي لبناء الصمود الروحي والفكري ضد المخططات التي تستهدف تفكيك الأمة.
ويشمل ذلك مقاومة الحرب الفكرية والإعلامية، وتقوية الشعور بالكرامة والفخر، وتوحيد الموقف العملي، والدعم الحقيقي للمقاومة، وتربية الأجيال على العزة والتمسك بالقيم الأصيلة.
تنطلق رؤية الشهيد القائد من مبدأ مركزي مفاده أن القرآن الكريم ليس مجرد كتاب للتلاوة، بل منهج حياة، ومنظومة قيمية وتشريعية قادرة على توجيه الواقع وصناعة الموقف.
ويرى في الشهيد القائد أن أزمة الأمة تكمن في ابتعادها عن القرآن كمرجعية عملية، وفي الاكتفاء بقراءته دون الارتباط العملي بمضامينه، مؤكدًا أن “الهداية لا تتحقق إلا حين يصبح القرآن معيارًا للحكم على الأحداث والواقع، ومصدرًا للموقف السياسي والأخلاقي والاجتماعي”.
ويؤكد الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي ” رضوان الله عليه” على أن الارتباط الإيماني والهوية القرآنية هما أساس النهضة والأمة، ويعنيان إيمانًا عمليًا وشاملاً يتجاوز الشكليات، حيث يكون القرآن منهج حياة ودستورًا للواقع، ويُعرّف الهوية بأنها انتماء واعتقاد وعمل، والارتباط بها يمنح الأمة القوة للصمود في مواجهة الأعداء والمخططات، ويُحيي البعد العملي للقرآن لربط الدنيا والآخرة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وإعادة الأمة إلى هدى الله عبر مشروع قرآني شامل.
وأسس الارتباط الإيماني والهوية القرآنية بالآتي:
الإيمان الفعال لا التجريدي: يرفض الإيمان المشلول ويؤسس لمفهوم متوازن يجمع بين الرجاء والخوف والمحبة والرهبة، كما في أسماء الله وصفاته، وهذا يدفع للعمل.
القرآن منهج حياة: يجعل القرآن كتاب هداية عملي وليس مجرد كتاب للقراءة، يربط بين الدنيا والآخرة، والغيب والواقع، والإيمان والعمل، ويشخص الواقع ليقود إلى الحل.
الهوية كمنهج ودستور: الهوية الإيمانية ليست مجرد اسم أو شكل، بل هي منهج ودستور عملي، انتماء واعتقاد وعمل له ثمار في الدنيا والآخرة، ودرع منيع ضد المخططات، كما تقول وكالة سبأ.
التصحيح الثقافي والمعرفي: يقوم مشروعه على تصحيح المفاهيم المغلوطة التي أدت إلى تفرق الأمة وذلّها، وإعادة الوعي بعلاقة الدين بالحياة، وتوجيه الأمة
الاستشعار بالمسؤولية: يرى أن ابتعاد الأمة عن القرآن هو سبب فسادها وذلّها، وأن الارتباط به هو مسؤولية تقتضي التحرك لتغيير الواقع المظلم، كما تذكر الصحيفة السياسية.
القرآن نموذج للثقة بالنفس: يستخدم قصص القرآن كنموذج حي (مثل أصحاب الكهف) لإعادة بناء الثقة المهزوزة في قلوب المؤمنين أمام التهديدات الخارجية، ليؤكد أن الله يسخّر لمن ينطلق في سبيله ما لا يخطر على بال، حسب أنصار الله.
يركّز المشروع القرآني على الهوية الإيمانية، وأنها العمود الفقري لنهضة الأمة.
ويحذّر من محاولات تفريغ الأمة من هويتها عبر التدفق الثقافي والإعلامي والسياسي القادم من الغرب، الذي يصفه بأنه جزء من مشروع أوسع يستهدف الوعي، ويقوم بناء الهوية، وفق رؤيته، على ثلاثة أسس رئيسية:
ـ الارتباط العملي بالقرآن ـ الفهم الواعي للسيرة النبوية كقدوة ومثال ـ الإحساس بالمسؤولية تجاه قضايا الأمة ومظلوميها.
هذه الهوية، ليست مجرد معتقدات روحية، بل منظومة تربوية وسلوكية وسياسية تؤثر في الفرد والمجتمع على حد سواء.
في محاضراته قدّم الشهيد القائد مفهومًا موسّعًا للجهاد يتجاوز الصورة التقليدية المرتبطة بالسلاح.
فهو يتحدث عن جهاد الكلمة، جهاد النفس، الجهاد التربوي، الجهاد الإعلامي، الجهاد الاقتصادي والسياسي، معتبراً أن هذه الأشكال هي مراحل تؤسس للقدرة على المواجهة العسكرية في نهاية المطاف.
ويذكر في محارته إن الجهاد هو مجمل الجهود التي تهدف إلى حماية الأمة من الاستضعاف والهيمنة، وبناء الإنسان المؤمن القوي.
تُعد مسألة مواجهة الطواغيت والظلم محورًا ثابتًا في المشروع القرآني الذي أسسه الشهيد القائد، رابطا بين الانحراف الثقافي وبين الاستبداد السياسي والعسكري.
ويشير إلى أن القوى الظالمة تعتمد على تعميم ثقافات مبرّرة للهيمنة، وأن الأمة التي لا تقاوم هذه الثقافات ستجد نفسها عاجزة عن مواجهة الأعداء.
كما قدّم رؤية أخلاقية تُلزم المؤمن بعدم القبول بالظلم أو الصمت عنه، معتبرًا أن مقاومة الطغيان ليست خيارًا سياسيًا بل واجبًا دينيًا، وفقا لما ورد في القرآن الكريم.
من أبرز ما يركز عليه الشهيد القائد هو أن مواجهة الباطل تبدأ بالكلمة، وأن الصمت عن الظلم هو الخطوة الأولى نحو الارتهان للهيمنة الخارجية.
ويحذّر من خطورة اللاموقف، ويرى أن غياب الوعي والكلمة يؤدّي إلى أن يتحول الناس دون قصد إلى أدوات في خدمة مشاريع الإعداء أمريكا و”إسرائيل”.
ويقول إن الموقف الصادق هو أول أشكال الجهاد، وبه تتشكل البدايات الأولى للوعي الجمعي.
يمتد المشروع القرآني في رؤيته ليشمل الجانب الاجتماعي والسياسي، حيث يؤكد الشهيد القائد على ضرورة العدل وإنصاف المظلوم وتربية المجتمع على المبادئ الأخلاقية الإسلامية.
ويدعو إلى أن يتحمل الحاكم مسؤوليته في تربية الأمة، وفي صيانة حقوق الناس وتحقيق العدالة، معتبرًا أن غياب هذه الأسس يؤدي إلى تفكك المجتمع وفساد الدولة.
ويرى أن أي مشروع النهضة يبدأ من إعادة بناء الإنسان وفق منهج القرآن، ومن ثم بناء المجتمع والدولة على أساس أخلاقي عادل.
ختاما: لقد قدّم الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي “رضوان الله عليه” رؤية متكاملة تعتبر أن التغيير يبدأ من الإنسان ومن الوعي، وأن القرآن هو مفتاح النهضة والحصن الواقي أمام محاولات الهيمنة والاستلاب.