السجل الدموي لبريطانيا في عدن

بين عامي 1963 و1967 كانت عدن تعيش على حافة النار, مدينةٌ تبدو في ظاهرها ميناءً هادئًا، لكنها في جوفها كانت تغلي بصراعٍ مفتوح بين شعبٍ يطلب حريته، وسلطة احتلالية تمسك بزمام الحكم بالقوة. لم يكن الصراع سياسيًا فقط، بل كان يوميًا، في الأزقة والبيوت والسجون والجبال، حيث تحوّل الإنسان اليمني إلى هدف مباشر لسياسة الردع البريطانية. منذ انطلاق الثورة المسلحة، اختار الاحتلال أن يُخضع المدينة ومحيطها بلغة واحدة: القصف، والاعتقال، والتعذيب، والقتل العلني.

في عام 1964، كانت جبال ردفان أول من تلقّى رسالة النار من السماء. الطائرات البريطانية قصفت القرى بلا إنذار، فتهدّمت البيوت فوق ساكنيها، واحترقت الحقول، وتشردت أسر كاملة في ليلة واحدة. لم يكن في القرى ثكنات ولا بطاريات مدفعية، بل مدنيون عزّل، لكن العقاب كان جماعيًا، قاسيًا، ومقصودًا به كسر ظهر الحاضنة الشعبية للثورة. من تحت الركام خرج جرحى وأيتام وقرى بلا أسماء، وبقي القصف شاهدًا على أن الحرب لم تكن ضد مقاتلين فقط، بل ضد مجتمع بأكمله.

وفي قلب المدينة، كانت السجون الوجه الآخر للقصف. خلف الجدران السميكة في المنصورة والتواهي والمعلا، جرت فصول من التعذيب المنهجي الذي لم يكن مجرد تجاوزات فردية، بل سياسة ثابتة. المعتقلون عُلِّقوا من أذرعهم، صُعقوا بالكهرباء، جُوِّعوا أيامًا، وحُبسوا في زنازين ضيقة بلا ضوء. كانت الاعترافات تُنتزع بالقوة، وكان الهدف أبعد من التحقيق: كسر الإرادة، وبث الرعب في المجتمع كله. كثيرون خرجوا بآثار التعذيب على أجسادهم، وكثيرون خرجوا محمولين على الأكتاف، دون أن يُسمح لأهاليهم حتى بمعرفة كيف استشهدوا.

وفي صيف عام 1965، بلغت سياسة القتل العلني ذروتها في أحد شوارع كريتر. في ذلك اليوم، كان الفدائي الشاب عبدالله محمد مقبل في مهمة رصد بسيطة، غير مسلح، حين باغتته دورية بريطانية، فأصابته رصاصة في ساقه وسقط أرضًا أمام المارة. كان جريحًا، رافع اليد، يطلب الإسعاف. لكن ما حدث بعد ثوانٍ حوّل المكان إلى شاهد على جريمة مكتملة الأركان: الجندي وضع سلاحه على رأسه، وأطلق رصاصة أنهت حياته أمام الناس. لم تكن اشتباكًا، بل إعدامًا ميدانيًا في وضح النهار. سُحبت الجثة سريعًا، وأُغلقت المنطقة بالقوة، وكأن شيئًا لم يحدث. غير أن الدم لم يُمحَ. في اليوم نفسه خرج الطلاب في مظاهرة احتجاج، فقوبلوا بالرصاص، وسقط علي سالم عبده وقاسم عبد الله صالح شهيدين في الشارع. ثلاثة قتلى في ساعات قليلة، ليُقال للمدينة كلها إن الرصاص هو القانون الوحيد.

هكذا كانت تُدار عدن في سنواتها الأخيرة تحت الاحتلال: قرى تُقصف، معتقلون يُعذَّبون، وشباب يُعدمون في الشوارع بلا محاكمة. وعندما جاء يوم الرحيل في الثلاثين من نوفمبر 1967، خرجت بريطانيا دون مساءلة، ودون أن تفتح ملفًا واحدًا من ملفات الضحايا. أُغلقت السجون، لكن آثارها بقيت في الأجساد. سكتت المدافع، لكن صدى القنابل ظل في الذاكرة. وغادرت القوات، وبقيت العدالة غائبة، وبقيت القبور شاهدًا على مرحلة حكم فيها الاحتلال منطقة كاملة بالحديد والنار.

قد يعجبك ايضا