السيد القائد يرسم خارطة طريق إيمانية وجهادية لمواجهة “مشروع الاستباحة” الصهيوني في شهر رمضان
في كلمته بمناسبة التهيئة لشهر رمضان المبارك، وضع السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي الأمة الإسلامية أمام مسؤولياتها التاريخية والدينية، مؤكداً أن هذا شهر رمضان ليس مجرد طقوس عبادية، بل هو محطة تربوية كبرى لتغيير واقع الأمة المأزوم ومواجهة الأخطار العاصفة.
استهل السيد القائد خطابه بالتركيز على أهمية “التهيئة النفسية والذهنية” كمنطلق أساسي لاستثمار هذه المنحة الربانية، مشيراً إلى أن الشعب اليمني يجسد “هويته الإيمانية وأصالته” من خلال كونه من أكثر الشعوب اهتماماً بإحياء هذا الشهر الكريم.
وأكد السيد القائد أن الاهتمام المسبق هو مؤشر حقيقي على إدراك الإنسان لفضل الزمان، حيث قال حرفياً: “من مؤشرات أنَّ لشهر رمضان المبارك أهميَّة لدى الإنسان، وأنَّه يشعر بعظيم فضل شهر رمضان، بعظيم أهميته ومنزلته، بأهمية هذه الفرصة، وهذه المنحة الربَّانية، من المؤشرات التي تدل على أن الإنسان يشعر بذلك، هو: اهتمامه المسبق”. وحذر السيد من الدخول في الشهر بشكل روتيني أو الاتجاه نحو الاهتمامات السلبية التي تضيع الوقت، مشدداً على أن النظرة الصحيحة لرمضان يجب أن تكون كونه شهراً يمكنه “أن يصنع فارقاً مهماً في واقع النفوس؛ وبالتالي في أعمال الناس، ثم بما يترتب على ذلك من نتائج في واقع الحياة”. إن هذه التهيئة، وفقاً للسيد، هي “منبع المتغيرات” التي تتيح للأمة الانتقال من حالة المعاناة والضغط إلى واقع العزة والاستقامة والتحرر، مما يمنح المسلمين فرصة ذهبية لا ينبغي التفريط فيها تحت وطأة الانشغالات الهامشية.
وفي المحور الثاني من كلمته، أفاض السيد القائد في شرح الأثر التربوي والعملي لفريضة الصيام، معتبراً إياها مدرسة متكاملة لبناء الإرادة الحديدية والتقوى العملية التي تحتاجها الأمة في مواجهة أعدائها.
وأوضح أن الصيام يهدف في جوهره إلى “تزكية نفس الإنسان” والارتقاء بروحيته الإيمانية وتعزيز قيم الخير فيه، ليكون قادراً على النهوض بالمسؤوليات الكبرى. وقد شدد السيد القائد على أن هذه الفريضة تمنح الإنسان قدرات معنوية هائلة، حيث قال : “الإنسان يكتسب قوَّةً في نفسه: قوَّة إرادة، قوَّة صبر، قوَّة تحمُّل، تساعده على الاستقامة والالتزام بتعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والتحرك في الاتجاه الإيجابي، والنهوض بمسؤوليات كبيرة، بمسؤوليات مقدَّسة، بمسؤوليات عظيمة”. وأشار إلى أن الثمرة الكبرى هي “التقوى” التي تشكل وقاية للأمة من عواقب المخالفة لأوامر الله والتفريط في التوجيهات الإلهية، معتبراً أن الخلل في هذا الجانب هو السبب الرئيسي لما تعانيه الأمة من شقاء في الدنيا وعذاب في الآخرة.
وأكد السيد أن الأمة بحاجة ماسة إلى “معالجة واقعنا التربوي”، خاصة في ظل حالة الوهن والشتات والنقص الرهيب في الوعي الذي وصل ببعض المسلمين إلى درجة انعدام الوعي بالكامل والخنوع للأعداء، معتبراً أن الصيام هو الوسيلة العملية لترويض النفس على التحمل واكتساب الطاقة اللازمة لمواجهة ضغوط الحياة وتحديات الواقع المرير .
أما القضية المركزية التي تناولها السيد القائد في خطابه، فكانت التشخيص الدقيق لما سماه “الاختلال الرهيب” في علاقة الأمة بدينها، والذي نتج عنه شطب المسؤوليات المقدسة من قائمة الاهتمامات العامة.
وانتقد السيد بشدة السياسات التي أدت إلى تغييب الفرائض الكبرى التي تحمي عزة الأمة، مشيراً إلى أن الكثير من الحكومات والأنظمة عملت على حذف عناوين الجهاد والأمر بالمعروف من مناهجها وخطابها الإعلامي وقد صرح السيد القائد بمرارة حول هذا الواقع قائلاً: “وصل بهم الحال إلى أن شطبوا المسؤوليات الكبرى الإسلامية والدينية، التي لها أهميتها الكبرى في حياة الناس، شطبوها من قائمة اهتماماتهم بالكامل: موضوع الجهاد في سبيل الله: فريضة عظيمة مقدَّسة، ذات أهمية كبيرة جدًّا لحماية الأُمَّة، لعزة الأُمَّة، لمنعة الأُمَّة، لدفع الشر عن الأُمَّة” وأوضح أن هذا الشطب لم يتوقف عند الجهاد، بل امتد ليشمل “مسؤولية العمل على إقامة القسط” التي تم حذفها وتغييبها بشكل نهائي، مما جعل الصلاة والصيام طقوساً مفصولة عن دورها الحقيقي في تغيير الواقع أو النهي عن الفحشاء والمنكر.
وأكد السيد أن الأمة تعيش اليوم تحت ضغوط هائلة تهدف للوصول بها إلى “حالة اليأس والانهيار النفسي، والهزيمة النفسية، التي تصل بهم إلى درجة الاستسلام التام لأعدائهم”، وهو ما يستدعي عودة جادة لهدى الله لاستعادة المنعة والحماية من “الحرب الناعمة” والمفاسد الشيطانية التي تستهدف إنسانية الإنسان وكرامته.
وانتقالاً إلى الركيزة الثانية لرمضان، وهي القرآن الكريم، شدد السيد القائد على ضرورة العودة إلى هذا المنبع الصافي لاستقاء “الوعي والبصيرة” اللازمين لفرز الواقع والتمييز بين العدو والصديق، ووصف القرآن بأنه “أعظم النعم وأقدس المقدسات” الذي حفظه الله للأجيال ليكون هدى للناس في كل زمان ومكان، لا سيما في مواجهة التضليل الفكري والثقافي الذي يقوده “أولياء الشيطان”: “القرآن الكريم يقدِّم تقييماً وتشخيصاً دقيقاً، وفرزاً عميقاً جدًّا وواقعياً، ليس فيه أي تجنٍ على أحد، ولا ظلم لأحد. نحن بحاجة إلى القرآن الكريم ككتاب هداية، أن نسعى لإعادة هذه الصلة، صلة الاهتداء بالقرآن في رؤانا، في أفكارنا، في ثقافتنا، في توجهاتنا”. وأوضح السيد أن القرآن مرتبط بـ “قيومية الله” الذي لم يهمل عباده، بل قدم لهم التعليمات التي تضمن نجاحهم، محذراً من أن الإعراض عن هذا الهدى يؤدي للتيه والفشل. كما حث السيد القائد بشكل عملي على الإقبال على “البرنامج الثقافي القرآني” في رمضان، محذراً من “حالة الاستهتار” وتضييع الوقت في الأشياء التافهة مثل أجهزة التلفاز والهواتف والانشغالات الهامشية، مؤكداً أن النفوس في رمضان تكون أكثر تهيئة للتأثر بالقرآن الكريم، وهي فرصة يجب اغتنامها لرفع المظلمة المعرفية التي تعيشها الأمة وتحقيق الرشد والحكمة في القرارات والمواقف.
وفي الجانب السياسي والميداني، أطلق السيد القائد تحذيراً شديد اللهجة من مساعي الأعداء لفرض ما أسماه “معادلة الاستباحة” الشاملة للأمة الإسلامية، مستعرضاً الجرائم الصهيونية المروعة في غزة ولبنان وسوريا كشواهد حية على هذا المخطط. وأكد السيد أن العدو الإسرائيلي، وبشراكة أمريكية وبريطانية مباشرة، يسعى لجعل مشاهد القتل والدمار والانتهاكات حالة يومية مقبولة لدى الشعوب. وفي تشخيص دقيق لهذه المعادلة، قال السيد حرفياً: “تطــــورات الأحـــــداث: نجد أنها تدور حول محور، أو تتمركز حول نقطة خطيرة جدًّا على هذه الأُمَّة، وحذَّرنا منها كثيراً، وهي: العمل على فرض معادلة الاستباحة لهذه الأُمَّة، وأن تتحوَّل إلى حالة قائمة، مشاهدها يومية، ومقبولة لدى الأُمَّة”. واستعرض السيد جرائم العدو في غزة من قتل وحصار ونسف للمباني، وصولاً إلى تحريك “عصابات إجرامية من الخونة والعملاء” للتنكيل بالشعب الفلسطيني .
كما أشار إلى الوقاحة الصهيونية في لبنان التي وصلت إلى حد “الرش للمزارع بالمبيدات السامة” لإهلاك الحرث والنسل، مؤكداً أن الصمت تجاه هذه الجرائم يمكّن الأعداء من الاستمرار في مشروع “الشرق الأوسط” الذي يهدف لإخضاع المنطقة بالمطلق للسيطرة الإسرائيلية، وتجريد الشعوب من حريتها واستقلالها ومقدساتها ومالها. وحذر السيد من أن تجاهل هذه المخاطر لا يجدي نفعاً، بل هو خطر يهدد الجميع، بما في ذلك دول “البترودولار” التي يخطط الأمريكي للاستغناء عنها عبر السيطرة على مصادر طاقة بديلة.
ولم يغفل السيد القائد الجانب الأخلاقي في معركته مع الغرب، حيث دعا إلى فضح النخب السياسية الغربية وكشف فسادهم الأخلاقي المنظم الذي كشفته مؤخراً “وثائق جيفري ابستين”، معتبراً إياها برهاناً جلياً على السقوط القيمي لتلك الأنظمة. وأشار السيد إلى أن هذه الوثائق كشفت عن محضن صهيوني يدار من خلاله قادة وزعماء عبر وسائل ابتزاز دنيئة، مبيناً أن ما يمارس في تلك الأماكن يفوق الوصف من بشاعة. وقد تحدث السيد القائد بصراحة عن تلك الفضائح قائلاً: “طقوس شيطانية في ما يسمَّى بـ [جزيرة الشيطان]، ويشارك فيها النخبة السياسية في الغرب… ترتكب أبشع وأفظع الجرائم، ويستهدف بها الأطفال والقاصرات… فضائح رهيبة جدًّا ومخزية للغاية”. وأوضح أن هذه الجرائم تشمل التعذيب وتقديم قرابين بشرية وشفط دماء الأطفال، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـ “توجيه مسار السياسيين الغربيين” وإفسادهم وابتزازهم لخدمة الأجندة الصهيونية. ودعا السيد الجهات الإعلامية للتركيز على هذه الفضائح لأنها تمثل “الشواهد التي تشهد على الحقائق القرآنية عنهم، أنهم يسعون في الأرض فساداً”، مشدداً على أن وعي الأمة بهذا السقوط الأخلاقي للعدو هو جزء أساسي من التحصين الثقافي والتربوي الذي يوفره شهر رمضان المبارك.
واختتم السيد القائد خطابه بالتركيز على الواقع اليمني ودور الشعب في الاستمرار في الأنشطة العظيمة للتعبئة والوقفات والمظاهرات، مؤكداً أن رمضان هو “شهر الجهاد والمواساة” بامتياز.
وأشاد السيد بالزخم الشعبي والوعي الذي يظهره اليمنيون، داعياً إلى أن يكون هذا الشهر محطة للازداد ارتباطاً بالمسؤوليات العامة، بما في ذلك المرابطة في الجبهات والعناية بالمرتكزات الجهادية: “شهر رمضان المبارك هو لا يخرجنا عن الاهتمام بمسؤولياتنا الأخرى، نزداد ارتباطاً بها، اهتماماً بها، اهتماماً بالمرابطة في الجبهات، والإكثار من ذكر الله فيها، عنايةً باهتماماتنا الجهادية ومسؤوليتنا العامة”. كما شدد على أهمية الإحسان والتعاون على البر والتقوى والاهتمام بالفقراء والمساكين كجزء لا يتجزأ من العطاء التربوي للشهر. كما أكيد السيد على أن المواجهة مع أعداء الله تتطلب توكلاً مطلقاً ويقظة مستمرة، سائلاً الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يرحم الشهداء ويشفي الجرحى ويفرج عن الأسرى، وأن يمن على الأمة بنصر مؤزر ينهي حالة الاستباحة والضياع، ويعيد للإسلام كرامته ومنعته في هذا الشهر المبارك.