الشرع رئيس يتفرّج من المقصورة ويعلن التفاوض بعد ألف غارة للعدو الإسرائيلي على سوريا

أحمد الشرع في الدوحة: اعترافات صادمة تكشف استعداد سوريا للتطبيع تحت النار

رئيسٌ بلا ردّ: ألف غارة و400 توغّل إسرائيلي مقابل صمت رسمي مخزٍ

الحقيقة ـ جميل الحاج

شهدت قاعة منتدى الدوحة 2025 واحدة من أكثر اللحظات السياسية غرابةً خلال الجلسات الحوارية، عندما ظهر رئيس سوريا أحمد الشرع في مشهد أقرب إلى الاعتراف المفتوح بالعجز منه إلى خطاب لرأس دولة، مقدِّماً سلسلة تصريحات بدت وكأنها تبرّر القبول بالأمر الواقع وتسوّغ الانخراط في مفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، رغم استمرار الغارات والاختراقات العسكرية داخل الأراضي السورية.

المشهد، الذي أثار موجة تعليقات واسعة، بدا وكأنه إعلان رسمي لسياسة “الجلوس على المدرجات” بينما يواصل العدو تنفيذ أكثر من ألف غارة و400 توغل خلال عام واحد، في وقت اكتفى فيه الشرع بوصف الوضع، لا بمواجهته، متحدثاً بنبرة أشبه بمن يشرح أزمة في دولة بعيدة لا علاقة له بقرارها السيادي.

اعترافات غير مسبوقة في منصة دولية

في مداخلته، قدّم الشرع رواية توحي بأن سوريا كانت محاصرة ومعزولة على مدى ستة عقود، محملاً النظام السابق المسؤولية عن الانكفاء الدولي، ومشيراً إلى أن بلاده كانت “على وشك دخول دمشق بعد التحرير” عبارة أثارت التساؤل حول طبيعة ما يقصده بـ «التحرير» ومن حرّر من.

ورغم محاولاته تقديم خطاب متفائل حول استعادة العلاقات الدولية، فإن التناقض الأكبر ظهر حين تحدّث عن “تحوّل سوريا إلى نموذج للاستقرار الإقليمي”، قبل أن يعود ليؤكد أنها تعرّضت لألف غارة إسرائيلية، و400 توغل، ومجزرة في بيت جن.. وكل ذلك بينما بقي موقف دمشق “بلا ردّ”.

الرسالة التي وصلت للجمهور كانت أوضح مما حاول الشرع التلميح إليه: والاعتداءات متواصلة.. والقيادة تكتفي بالتعبير عن الانزعاج الدبلوماسي.

سخرية الجغرافيا: غارات متواصلة ومفاوضات مفتوحة

الأكثر إثارة للجدل كان اعتراف الشرع بوجود مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل”، وبمشاركة الولايات المتحدة في هذه المحادثات، مشيراً إلى “تأييد دولي لمطلب سوريا بعودة الاحتلال إلى حدود ما قبل 8 ديسمبر 2024”.

الاعتراف العلني بالمفاوضات لم يكن بحد ذاته صادماً بقدر التناقض بين الحديث عن العدوان المستمر ومسار التطبيع الجاري.

فبينما تستمر “إسرائيل” ـ بحسب كلامه ـ في شن غارات وتوغلات داخل المدن السورية، يؤكد الشرع أن سوريا ترسل “رسائل إيجابية لإرساء دعائم الاستقرار”.

المفارقة الساخرة التي التقطها كثيرون كانت على النحو الآتي: دولة تُقصف ألف مرة.. وترد بالمفاوضات.

المنطقة منزوعة السلاح.. والسؤال الذي أربك الشرع

من بين النقاط الأكثر ثغراً في حديثه كانت إشارته إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وإلى الإصرار على “منطقة منزوعة السلاح”، قبل أن يتساءل باستغراب: «من سيحمي هذه المنطقة إذا لم يكن الجيش السوري موجوداً؟».

سؤال طرحه الشرع وكأنه آخر من يطرح الأسئلة، لا رئيساً يفترض أن يقدم الإجابة.

ولعلّ السخرية غير المباشرة جاءت من الجمهور الذي وجد نفسه أمام خطاب يكشف مشكلة بلا تقديم أي مقاربة للحل، متجاهلاً أن الغارات الإسرائيلية تتم أصلاً في ظل وجود الجيش السوري.

رؤية سياسية مرتبكة: بين “التحرير” و”الانفتاح” و”التفاوض”

أعاد الشرع مراراً الحديث عن “تحرير” أعاد لسوريا حضورها الإقليمي، ثم تحدث في الجملة التالية عن عزلة استمرت 60 عاماً، ثم عن عدوان إسرائيلي غير مسبوق، ثم عن مفاوضات تعكس رغبة دولية بالسلام.

هذا الخليط المتناقض بدا وكأنه محاولة لرسم صورة وردية فوق أرضية من الوقائع السوداء.

وبين الانفتاح الدولي المفترض، والغارات اليومية، والمفاوضات السرية التي أصبحت علنية، لم ينجح الشرع في تقديم سردية منطقية بقدر ما قدم مشهدًا يُقرأ كسخرية سياسية مكتملة من واقع عربي مزمن: الاعتداء مستمر.. والتبرير حاضر.. والمفاوضات قائمة.

دبلوماسية “التفرّج الحذر”: نهج جديد؟

يبدو من تصريحات الشرع أن القيادة السورية في هذا التصوّر السياسي قد تبنّت ما يمكن تسميته بـ دبلوماسية التفرّج الحذر:

ـ الاعتراف بالعدوان.. دون رد.

ـ إعلان وجود مفاوضات.. دون شروط واضحة.

ـ التأكيد على الانفتاح الدولي.. رغم استمرار الحصار.

ـ المطالبة بانسحاب الاحتلال.. بعد إقرار التقدم الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.

هذه السياسة من منظور المتابعين ليست سوى مزيج بين واقعية بلا مبادرة، وتطبيع بلا اتفاق، واستسلام بلا إعلان رسمي.

مشاركة مثيرة.. وصورة محبطة

ينتهي المشهد بتساؤلات صادمة لدى الرأي العام:

هل جاء الشرع إلى الدوحة لتقديم موقف سياسي؟ أم لتقديم تبرير سياسي لمعادلة فشل في تغييرها؟

والأهم: هل ما قاله يمثل توجهاً رسمياً أم مجرد محاولة لتمرير مرحلة صعبة بالتعويل على تفاهمات مع واشنطن و “تل أبيب”؟

وبين هذا وذاك، يبقى العنوان الساخر للحدث هو الحقيقة الأكثر دقّة: خطاب بلا أدوات.. وسيادة تُناقَش بينما يُقصف الوطن.

قد يعجبك ايضا