الصماد.. رئيسٌ صاغ بدمائه دستور بناء الدولة وأعاد تعريف المسؤولية الإيمانية
ـ من القصر إلى المتراس: قصة الرئيس الذي طارد الشهادة حتى وجدته في رمال الحديدة
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في تاريخ الشعوب، تمرُّ شخصيات عابرة كظلال السياسة، وتستقرُّ أخرى كجبال الصمود، وفي اليمن، لم يكن الشهيد الرئيس صالح علي الصماد مجرد رقم في قائمة الرؤساء، بل كان “الاستثناء” الذي أعاد تعريف السلطة من “مغنم دنيوي” إلى “أمانة إيمانية” ثقيلة.
تحت شعار “يد تحمي.. ويد تبني”، خاض الصماد معركتين في آن واحد: معركة الدفاع عن السيادة ضد عدوان أمريكي سعودي إماراتي، ومعركة التحرر من الوصاية الخارجية لبناء دولة يمنية حديثة.
لم يكن صالح الصماد مجرد رئيسٍ عابرٍ في تاريخ اليمن، بل كان الزلزال الذي ضربَ طاولاتِ الوصايةِ الخارجية، بشعاره الخالد ‘يدٌ تحمي ويدٌ تبني’، لم يكتفِ بإدارةِ المعاركِ العسكرية من فوهاتِ البنادق، بل خاض معركةً أشرسَ لإرساء مداميكِ دولةٍ لا تنحني إلا لله.
وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على القائد الذي استشعر المسؤولية كأمانةٍ إلهية، ورحل تاركاً خلفه شعباً لا يعرفُ الانكسار.
لقد جسّد الرئيس الصماد معنى رجل المسؤولية الذي باع نفسه وماله لله وفي سبيل نصرة قضايا الأمة الحق.
لم يكن يوماً من طالبي الدنيا بأطماعها ورغباتها، بل كان يفر من السلطة فرار الزاهدين، طالباً من القيادة الثورية البحث عمن هو “أجدر منه”.
لكن إخلاصه ووفاءه جعلاه خيار الضرورة والمرحلة؛ فتقلد المسؤولية بقوة المؤمن المجاهد، ناظراً إليها كمسؤولية عميقة تفرض عليه زيادة في الإيمان والتمسك بالحق.
المسؤولية في قاموس الصماد لم تكن مجرد عبارات منمقة أو مكانة اجتماعية، بل “أمانة إيمانية” لخدمة الشعب ونصرة قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي وضعها ضمن أولوياته القصوى، مستمدا ذلك من المشروع القرآني الذي أرتوا منه وطبقة في حياتة الجهادية.
لقد كان نموذجاً فريداً في النزاهة، حيث قاد التحولات السياسية والاقتصادية في ظل استهداف عسكري وحصار اقتصادي خانق من قبل تحالف تقوده أكثر من 17 دولة.
في الجانب العسكري، لم يكن الصماد رئيساً يكتفي بإصدار الأوامر من المكاتب المؤثثه بأفضل الطاولات والجلسات المريحة، بل كان القائد الميداني الذي تسابق روحه خطاه نحو جبهات العزة.
أدار معركة الدفاع بكل حنكة، وكان حضوره دائماً في المناورات العسكرية واحتفالات تخرج الدفع الأمنية، متواجداً بين المقاتلين لرفع معنوياتهم.
كان يتحرك بعدد قليل من الحماية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وعندما كان رفاقه ينصحونه بتشديد الحراسة، كان رده الصادم والنبيل: “إني أستحي أن أدخل مؤسسة أو اجتماعاً برفقة حماية والجبهات في أمسّ الحاجة إلينا”.
هذا الإدراك العميق للمخاطر لم يثنهِ يوماً، بل كان يردد: “أرواحنا ليست أغلى من أرواح من استشهدوا”.
لقد شكل استشهاده في مدينة الحديدة “متراساً معنوياً” للساحل الغربي، فبالرغم من اغتيال جسده، إلا أن دماءه الزكية بددت كيد العدوان وجعلت الحديدة وصنعاء وصعدة عصية على الانكسار.
أطلق الرئيس الصماد شعار “يد تحمي.. ويد تبني”، وهو مشروع يمثل حلماً شعبياً لم يتحقق منذ عقود بسبب الوصاية السعودية التي كانت تدار عبر أدوات داخلية.
سعى الرئيس الصماد لبناء دولة مدنية تقوم على النظام والقانون والعدالة والمساواة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، خاصة في الجانب الزراعي.
كان حريصاً على تفعيل مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، وكان قريباً من المواطنين، يسمع معاناتهم ويحل مشاكلهم، مؤمناً بأن “الدولة يجب أن تكون للشعب لا أن يكون الشعب للدولة”.
ولعل أبلغ رد على الفاسدين والمفرطين هو زهد الصماد الشخصي؛ فلم يُعرف عنه امتلاك أرض أو عقار منذ بدء العدوان.
نقل عنه رفاقه قوله الشهير: “كل من يشتري أرضاً أو يبني عقاراً في هذه الأيام، اكتبوا على جبينه كلمة فاسد”.
غادر الصماد منصبه مثلما دخله، دون أن يؤمن مسكناً لأسرته سوى منزل والده المدمر بغارات العدوان السعودي الأمريكي في محافظة صعدة.
يعتبر المراقبون أن الرئيس الصماد نجح في تحويل التحديات إلى نجاحات في زمن قياسي، ففي عهده، شهدت المؤسسة العسكرية نقلة نوعية في التصنيع الحربي، من الطائرات المسيرة إلى المنظومات الباليستية، مما غير معادلة المواجهة من الدفاع إلى الهجوم والردع.
لقد مثل الصماد حالة فزع للأعداء، ليس فقط لقوته العسكرية، بل لتمكنه من توحيد الجبهة الداخلية وجمع الفرقاء حول مشروع وطني جامع.
فصاحة بيانه وسعة صدره جذبت الجميع، مما دفع تحالف العدوان لوضعه على رأس قائمة المستهدفين لوأد مشروعه النهضوي.
تأتي الذكرى السنوية لاستشهاد الرئيس الصماد (1447هـ) كفرصة لاستعادة قيم النزاهة والتواضع، واستلهام الدروس من مآثر قائد وهب نفسه للدفاع عن السيادة.
إن إحياء هذه الذكرى هو استحضار لمواقف البذل والعطاء وتعزيز لتماسك الجبهة الداخلية في مواجهة محاولات الاختراق الخارجي.
اغتيال الصماد، وإن كان خسارة فادحة لليمن والأمة، إلا أنه فشل في كسر “المشروع الصمادي” الذي أرسى قواعده، والذي يواصل اليوم تجسيده المشير الركن مهدي المشاط.
لقد تحول دم الصماد إلى دافع لأبناء الشعب اليمني للمضي قدماً في طريق البناء والتطوير، رغم كل محاولات التدمير.
سيظل الرئيس الشهيد صالح الصماد ملهماً للأحرار، ليس فقط في اليمن بل في كل العالم الرافض للهيمنة.. لقد حفر اسمه في سجل الخالدين بأحرف من نور، ليس بصفته رئيساً حكم اليمن في أصعب ظروفه فحسب، بل بصفته الرئيس الذي أعاد صياغة الزعامة لتكون “قُربةً” إلى الله وخدمةً للمستضعفين.
إن مسيرة حياته الحافلة بالإنجاز والتضحية، ستبقى خارطة طريق وطنية لكل من يطمح لبناء دولة قوية ومستقلة، بعيدة عن مشاريع الوصاية والتبعية.
وكما قال بفعله قبل قوله: “المسؤولية مغرم لا مغنم”، فقد رحل جسداً وبقي مشروعاً حياً يتجدد مع كل “يد تبني” وكل “يد تحمي” تراب هذا الوطن.
