الصهيونية وهندسة الذرائع لإسقاط القوى المناهضة والهيمنة على العالم
صادق البهكلي
هيمنة الصهيونية العالمية على المنطقة العربية والإسلامية ليست مجرد رغبة توسعية، بل هي حجر الزاوية لمشروع السيطرة الشاملة على العالم، وكما استشرف شهيد القرآن، السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، بوعيه الإيماني الثاقب حين قال: “عندهم طموح أن يهيمنوا على المنطقة هذه، لأنهم يعتقدون أن الهيمنة على المنطقة هذه يعني هيمنة على العالم بكله، وهذه حقيقة باعتبار موقعه، باعتبار ثرواته الهائلة”. فإن الحروب التي قضت على ملايين البشر منذ بداية القرن الماضي كانت الأصابع اليهودية ورائها في مسعى تحقيق حلمهم بالهيمنة على العالم كله وهذا ما عملوا عليه عبر الهيمنة على الاقتصاد العالمي ونشر الربا وتمويل الحروب ونصب الفخاخ لابتزاز الدول والحكام، والتخلص من المؤثرين والمصلحين وتقديم القيم الشيطانية كالتفسخ والانحلال على أنها قيم حضارية نشر المخدرات وكل ما يسهم في تدمير الشعوب والوصول بها إلى الاستسلام التام لهم…إلخ.
هذا التقرير محاولة لتفكيك آلة ‘صناعة الذرائع’ التي يتقنها التحالف الصهيوني-الأمريكي؛ تلك الآلة التي بدأت برسم خرائط الدم منذ مسرحية الحادي عشر من سبتمبر، وصولاً إلى العدوان الإجرامي المباشر على الجمهورية الإسلامية في إيران. سنكشف كيف تتحول مفاهيم ‘الديمقراطية’ و’مكافحة الإرهاب’ إلى مجرد طلقات دخانية تهدف لتغطية الهدف الحقيقي وهو إحكام القبضة على شريان الاقتصاد العالمي وطرق التجارة الدولية، ففي عقيدة ‘كيسنجر’ ومن خلفه اللوبي الصهيوني، تظل الحقيقة ثابتة، مَن يهيمن على الشرق الأوسط، يملك مفاتيح العالم، ومَن يسيطر ثروات هذه المنطقة، يسيطر على مصير البشرية.
مؤامرة 11 سبتمبر وتدشين عصر “صناعة الذرائع“
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي وصعود أمريكا كقوة عالمية لا منافس لها تمكن اللوبي الصهيوني من السيطرة على مفاصل القرار الأمريكي عبر اللوبيات اليهودية وأتجه المكر اليهودي لتوظيف هذه القوة لخدمة حلمه في الهيمنة على العالم فكانت مؤامرة 11سبتمبر 2001 وقدموها للعالم كـ”هجوم إرهابي” لكن مع مرور الزمن وسقوط الأقنعة تبين أنها مؤامرة مدبرة بعناية، فوثائق جيفري إبستين المفرج عنها مؤخراً في 2025-2026، تضمنت مذكرات FBI ومراسلات غير منشورة، تثبت تورط الموساد الإسرائيلي في التخطيط والتنفيذ لتدمير برجي التجارة العالميين، الوثائق تكشف روابط إبستين مع عملاء الموساد، بما في ذلك إيهود باراك وروبرت ماكسويل (والد غيسلين ماكسويل)، وتفاصيل “عمليات الاستدراج” التي كانت جزءاً من شبكة تجسس أوسع، كما أشارت مصادر FBI إلى أن إبستين كان “عميلاً متعاوناً مع الموساد”، مدرباً تحت إشراف الصهيوني أيهود باراك، وأن بعض المراسلات بعد الحدث مباشرة تشير إلى معرفة مسبقة بتفاصيل الهجوم، هذه الذريعة أو المؤامرة التي حبك خيوطها جهاز المخابرات الصهيوني أتاحت لهم إطلاق ذريعة “الحرب على الإرهاب”، بقيادة الشيطان الأكبر (أمريكا) هذه الذريعة شكلت غطاءً مثالياً لاحتلال أوسع رقعة جغرافية في التاريخ الحديث، الشرق الأوسط بأكمله، بتصفيق من “الهمج” الذين صدقوا الرواية الإعلامية.
متوالية الذرائع من كابول إلى طهران
بعد أن تم خداع العالم وتوظيف مؤامرة أحداث الـ 11 من سبتمبر بدأت الماكينة الإعلامية اليهودية ترويج مبرر “الحرب على الإرهاب”، وبدأت أمريكا بحشد أساطيلها العسكرية باتجاه المنطقة وإعلان (من ليس معنا فهو ضدنا) لتدشن عصر جديد من الهيمنة المطلقة ومن لم ينصاع للرغبة الأمريكية يتم تصنيفه على لوائح الإرهاب ليتم مواجهته عسكريا واقتصاديا وكانت البداية باحتلال أفغانستان بذريعة جاهزة (وجود أسامة بن لادن) الذي اتهموه بتدبير احداث 11 سبتمبر.. لكن الهدف الحقيقي كان السيطرة على موقع أفغانستان الاستراتيجي قرب الصين وروسيا، وثرواتها المعدنية، وإقامة قواعد عسكرية دائمة، استمر الاحتلال 20 عاماً، دمر البلاد، وقتل مئات الآلاف، ثم انسحب تاركاً بلاد ممزقة الأوصال وشعب يعاني من أبسط الاحتياجات المعيشية، ليثبت أن الهدف لم يكن “أسامة بن ولا طالبان” بل الإبقاء على المنطقة تحت الوصاية.
ثم جاء غزو العراق عام 2003 وكان المبرر الأشهر: “أسلحة الدمار الشامل” حيث قدمت أمركيا أمام مجلس الأمن “أدلة” مزيفة، ثبت كذبها لاحقاً، كما أكد تقرير تشيلكوت البريطاني 2016، أن توني بلير وجورج بوش كانا يعرفان عدم وجود أسلحة، لكنهما مضيا قدماً لأسباب “إقليمية واستراتيجية” تتعلق بالنفط والسيطرة على الخليج، والنتيجة كانت تدمير دولة عربية قوية، وتقسيمها طائفياً، وسرقة نفطها، ولم يخرج المحتل الأمريكي من العراق ظاهريا إلا بعد مقاومة طويلة وبعد أن تحول جزء عزيز من العراق إلى قاعدة للموساد الصهيوني.
وفي 2011، جاء الدور على ليبيا و المبرر كان “حماية المدنيين” تحت شعار “المسؤولية عن الحماية” وقرار مجلس الأمن 1973 حُوّر من منطقة حظر جوي إلى حملة إسقاط نظام معمر القذافي. والنتيجة اغتيال القذافي، وتفكك الدولة، وانتشار الجماعات الإرهابية، وبيع نفطها للغرب بأسعار بخسة وقد اعترافت هيلاري كلينتون في مقابلاتها، وتقارير الأمم المتحدة التي وثقت الجرائم التي ارتكبتها الناتو.
ثم جاء العدوان على اليمن 2015 وكان المبرر “إعادة الشرعية” للرئيس المخلوع عبد ربه منصور هادي، و”مواجهة النفوذ الإيراني”، ولكن هذه المرة كانت حرب صهيونية بالوكالة لمحاولة القضاء على ثورة 21 سبتمبر المناهضة للوجود الصهيوأمريكي في المنطقة وقد تسبب العدوان على اليمن بـ “أسوأ كارثة إنسانية”، حسب تقارير الأمم المتحدة وما يزال الحصار الصهيوأمريكي على اليمن قائما حتى لحظة كتابة هذا التقرير..
وفي سوريا، بدأت التخطيط الصهيوأمريكي عام 2011 لتفتيت الدولة السورية التي كانت تمثل نموذجا اقتصاديا وثقافيا وعلميا رائعا بين الدول العربية تحت مبرر “الثورة الشعبية ضد الاستبداد”، ثم تحولت الذرائع إلى “استخدام الأسلحة الكيميائية” ضد بشار الأسد على الرغم أن تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية شككت في بعض الحوادث، واعترافات مسؤولين غربيين بأن الهدف كان إسقاط نظام يدعم المقاومة وقد دمرت البلاد وجاءت واحتل الكيان الصهيوني أجزاء واسعة من سوريا ودعم الطوائف وتحول ملايين من السوريين إلى لاجئين.. ومحاربين من قبل نظام داعش الصهيوني..
لم تقتصر الاستراتيجية الصهيونية على الشرق الأوسط ففي فنزويلا، الدولة المناهضة للإمبريالية الصهيونية، شنت القوات الأمريكية عملية إجرامية انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وكانت قد أسقطت البلاد الغنية بالنفط في أزمة معيشية خانقة عبر عقوبات ونفذت العديد من الانقلابات الفاشلة وكان المبرر”ديكتاتورية” و”انتخابات مزورة”..
أما في غزة ولبنان، فالمجازر الإبادية مستمرة تحت مبرر “الدفاع عن النفس” ضد “حماس وحزب الله”، مع أكثر من 50 ألف شهيد، وتدمير ممنهج للبنية التحتية، بينما يدعم الغرب الكيان بالسلاح والفيتو.
أخيراً، العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران، التي بلغت ذروتها باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير 2026 بضربات إسرائيلية-أمريكية مشتركة وكان المبرر المعلن: “منع إيران من امتلاك قنبلة نووية” و”تأمين المنطقة”. لكن الهدف الحقيقي هو إسقاط النظام الإسلامي الذي يشكل حجر عثرة أمام الهيمنة الصهيونية، وتحقيق الحلم اليهودي بـ “إسرائيل الكبرى”.
العدوان على إيران وتحطيم أوهام الهيمنة
تمثل الجمهورية الإسلامية في إيران حجر الزاوية والعقبة الكبرى أمام مشروع الهيمنة الصهيو-أمريكية في المنطقة، ولذا، عكفت مصانع القرار في واشنطن وتل أبيب على مدى عقود لاختلاق مبررات لاستهدافها، بدءاً من “الخطر النووي الإيراني” وصولاً إلى تهمة “رعاية الإرهاب”.
أهداف الاستهداف واغتيال الرموز:
يعتقد العقل الاستعماري (المادي) أن إسقاط الأنظمة يبدأ بقطع رؤوسها وتصفية رموزها، ظناً منهم أن النظام الإيراني مجرد هيكل سياسي تقليدي ينهار بغياب قائده.
لماذا لن تسقط إيران؟ (تحليل بنية النظام الإسلامي):
هنا يخطئ المحور الصهيوني في حساباته الاستراتيجية لعدة أسباب جوهرية:
- دولة مؤسسات وعقيدة، لا دولة شخوص: النظام الإسلامي في إيران لا يقوم على عبادة الفرد، بل يعتمد على مؤسسات دستورية راسخة (مثل مجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، والجيش ، والحرس الثوري) قادرة على استيعاب أي صدمة وضمان انتقال سلس ومستقر للقيادة، وهذا ما حدث بالفعل فبعد اغتيال الإمام الخامنئي تم تشكيل مجلس قيادة حسب الدستور الإيراني والذي يتكون من رؤساء السلطات التشريعية والقضائية إضافة لرئيس الجمهورية..
- الشعب الثائر والالتحام بالقيادة: يستمد النظام شرعيته وقوته من حاضنة شعبية واسعة تشاركه الرؤية وتؤمن بمشروع المواجهة، هذا الشعب الذي تحمل عقوداً من الحصار الاقتصادي القاسي، أثبت أن ولاءه ليس مرتبطاً بالرخاء المادي بقدر ارتباطه بالكرامة والسيادة الوطنية.
- العقيدة الحسينية الجهادية: وهذا هو السر الأعظم. الثقافة التي تُحرك الشعب الإيراني وقيادته هي ثقافة تستلهم تاريخ العظماء من أهل البيت (عليهم السلام). إنها مدرسة “عاشوراء” التي تعتبر أن “الشهادة فوز عظيم” وأن “الخضوع لأعداء الله هو الجريمة الكبرى”.
- الشهادة كرافعة للحياة: في الفكر الجهادي الحسيني، اغتيال القادة لا يطفئ الثورة بل يُشعلها، دماء الشهداء تُروي شجرة المقاومة، وتخلق أجيالاً أكثر شراسة وتمسكاً بالحق، ولذلك، وجدنا النظام الإيراني لم يتأثر باستشهاد القادة كسليماني وقادة وزارة الدفاع وغيرة من القادة في الصفوف الأولى وحتى اغتيال العلماء الإيرانيين لم يؤدي إلى توقف البرنامج النووي وبالتالي فالعدوان الصهيوني الأمريكي لن يؤدي إلى انهيار النظام، بل سيعمل على توحيد الجبهة الداخلية، وتحفيز طاقة غضب إقليمية قد تطيح بما تبقى من نفوذ أمريكي وتُعجل بزوال الكيان الصهيوني.
إن فهم القارئ العربي والإسلامي لآلية “صناعة المبررات” هو خط الدفاع الأول في معركة الوعي، وما نريد نقوله أن المبررات التي تسوقها القوى الصهيونية ليست سوى عناوين تسويقها تغطي الهدف الحقيقي الذي هو الهيمنة المطلقة على المنطقة والعالم وتجيير البشرية لخدمتهم فما تقوم به أمريكا والصهيونية ليس نشر الديمقراطية أو محاربة الإرهاب، بل هو مسار دموي لإخضاع الشعوب الحرة، وإذا كانت الجيوش الغربية تمتلك التكنولوجيا وأدوات الدمار، فإن القوى المناهضة للإمبريالية، والمتمثلة في الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة والجهاد، تمتلك ما هو أقوى: عقيدة راسخة، وشعب لا يُقهر، وإيمان مطلق بأن النصر حليف المستضعفين المظلومين.
في الختام، بعد استنفاد كل الذرائع، وصل اللوبي الصهيوني-الأمريكي إلى طريق مسدود أمام إيران، هذا ليس نهاية، بل بداية عصر جديد عصر عنوانه الزوال المحتوم للكيان الصهيوني المجرم..