العدوان الصهيوأمريكي على إيران مقامرة يائسة لإنقاذ حلم ‘إسرائيل الكبرى”

صادق البهكلي

في فجر السبت 28 فبراير 2026، تفاجأ العالم بشن عدوان أمريكي-صهيوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في وقتٍ كانت فيه قنوات التفاوض مفتوحة، والتصريحات الأمريكية تتحدّث عن “جدّية المسار الدبلوماسي” وتغليب الحوار على العدوان، غير أنّ الضربات جاءت لتنسف تلك الرواية، وتكشف أنّ الحديث عن التهدئة لم يكن سوى غطاءٍ سياسي لقرارٍ مُبيّت بالعدوان. وهو ما يؤكد أن خيار العدوان لم يكن ردَّ فعلٍ طارئ، بل مساراً مُعدّاً سلفاً، تُدار تفاصيله خلف ستار الدبلوماسية، هذا العدوان ليس مجرد صراع عابر، بل يمثل محاولة يائسة لإنقاذ مشروع استعماري قديم: “إسرائيل الكبرى”، ذلك الحلم التوسعي الذي يراد منه أن يتسلم المجرم نتانياهو مفاتيح الشرق الأوسط، غير مدرك أن كيانهم الطارئ يواجه اليوم تحديات وجودية غير مسبوقة.

هذا الحلم الصهيوني، بـ ” إسرائيل الكبرى” الذي حذر منه الكثير من المفكرون والقادة والمصلحون العرب والمسلمين منذ عقود في طليعتهم الإمام الخميني وشهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) الذين أكدا أن العدو الإسرائيلي “غدة سرطانية” و طامع في الهيمنة على المنطقة كلها بما فيها الأماكن المقدسة (مكة والمدينة) ، لم يعد مجرد نظرية مؤامرة أو خطاب سياسي، بل أصبح تعكسه السياسات العدوانية و التوسعية الصهيونية سوى في فلسطين أو في غيرها من منطقتنا العربية والإسلامية وفي ظل هذا السياق، يأتي العدوان على إيران كحلقة جديدة في سلسلة محاولات تصفية محور المقاومة الذي يقف حجر عثرة أمام هذا المشروع الاستعماري.

طبيعة العدوان الصهيوأمريكي ضد إيران

مثلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها عام 1979 تحولاً استراتيجياً جذرياً في موازين القوى الإقليمية والدولية، فبمجرد انتصار الثورة، تحولت إيران إلى قلعة للمقاومة ومواجهة الهيمنة الصهيوأمريكية، ليعلن ذلك بزوغ فجر جديد يضع تحرير القدس ومنع الهيمنة الصهيونية-الأمريكية على رأس أولويات الدولة الإسلامية.

تبنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دعما غير مشروط لقضايا الأمة في مقدمتها القضية الفلسطينية ولم يكن تبني إيران الإسلامية لهذه القضايا مجرد شعارات سياسية، بل تُرجم إلى إسناد عسكري ولوجستي غير محدود وكان لها دور رئيسي في قيام حركات المقاومة ودعمها بالمال والسلاح التي استطاعت هذه الحركات من خلال الإسناد الإيراني على تحرير أراضي عربية من سيطرة العدو الصهيوني في مقدمة ذلك جنوب لبنان وقد كان لتزويد الجمهورية الإسلامية فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين بالتقنيات الصاروخية والخبرات الميدانية، الأثر الكبير في نقل هذه الحركات من مرحلة الدفاع إلى مرحلة “الردع والتوازن”، مما كسر أسطورة “الجيش الذي لا يقهر” وأفشل مشاريع “الشرق الأوسط الجديد” التي كانت تهدف لتصفية القضية الفلسطينية.

وفي المقابل دفعت إيران ضريبة موقفها المنحاز للشعوب العربية المستضعفة وكلفها أثماناً باهظة، حيث واجهت:

  • حصاراً اقتصادياً شاملاً: استهدف سبل عيش مواطنيها لثنيهم عن دعم حركات المقاومة ومواجهة العدو الصهيوني المحتل.
  • حرباً أمنية وعسكرية: شملت الاغتيالات التي طالت علماءها وقادتها، وعلى رأسهم الفريق قاسم سليماني، الذي كان مهندس وحدة الساحات.
  • ضغوطاً سياسية ودبلوماسية: لعزلها دولياً وتشويه صورتها كداعم “للإرهاب” في نظر الغرب، بينما هي في الواقع تناصر حركات التحرر الوطني.
  • العدوان العسكري المتكرر من خلال الصهيونية العالمية للقوى الغربية وابتزازهم لإرغامهم على المشاركة في العدوان العسكري على إيران وفرض العقوبات عليها..

ورغم هذا التضييق، أثبتت التجربة الإيرانية أن المقاومة هي السبيل الوحيد لانتزاع السيادة، فلم تكتفِ إيران بالصمود، بل حققت قفزات علمية وعسكرية جعلتها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص المنطقة. لقد قدمت نموذجاً فريداً يربط بين الهوية العقائدية والواقعية السياسية، مؤكدة أن كرامة الشعوب تبدأ برفض التبعية وتنتهي بتحرير الأرض والإنسان.

إيران العقبة الكبرى أمام تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”

تمثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بموقفها الداعم للقضية الفلسطينية ومحور المقاومة، العقبة الأكبر أمام تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”، فإيران ليست مجرد دولة معادية للعدو الإسرائيلي، بل هي قوة إقليمية تقف بكل ثقلها في مواجهة المخططات الصهيونية وتدعم بسخاء حركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وكل المستضعفين في المنطقة، وتوفر لها المال والسلاح والتدريب والدعم اللوجستي والسياسي والإعلامي.

لذلك، فإن العدوان على إيران يعني، من منظور العدو الإسرائيلي، قطع شريان الحياة عن محور المقاومة، وإضعاف حزب الله في لبنان، وفصائل المقاومة في فلسطين المحتلة

ما يجري ليس صراعات منفصلة، بل معركة واحدة متعددة الجبهات، ففي غزة، يواصل العدو الإسرائيلي حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير كامل للبنية التحتية، وفي لبنان، تستمر الضربات الجوية والقصف اليومي في الجنوب، وفي سوريا، تتوسع إسرائيل في احتلال المزيد من الأراضي، بما في ذلك رش المبيدات الكيماوية على الأراضي الزراعية لتفريغ المناطق الحدودية من سكانها، أما اليمن فقد شنت الكثير من عمليات القصف التي طالت البنية التحتية ردا على عمليات الجيش اليمني المساند لأبناء فلسطين…

التورط الأمريكي واحتمالية الانزلاق نحو صراع أوسع

العدوان العسكري الصهيوأمريكي ضد إيران لم يبقَ محصوراً بين طهران وتل أبيب، فقد ردّت الجمهورية الإسلامية بإطلاق مئات الصواريخ على أهداف حيوية للعدو الإسرائيلي وعلى القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، بما فيها قاعدة الأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة العديد في قطر، وقاعدة الظفرة في الإمارات، هذا التصعيد المتبادل يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية.

لقد استطاع الصهاينة التأثير على القرار الأمريكي وبات من الأمريكيون يعتقدون أن الساسة الأمريكيون يخدمون العدو الإسرائيلي ولا يخدمون أمريكا وأن شعار المجرم ترامب ” أمريكا أولا” تحول إلى “إسرائيل أولا” وأمريكا اليوم لا تلعب طرف أساسي في العدوان على المنطقة كلها بمافي ذلك العدوان الإجرامي على إيران وهي من توفر الغطاء العسكري والسياسي الكامل للكان المحتل، إنها بالفعل كما وصفها مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام الخميني (رحمة الله) بـ”الشيطان الأكبر” الذي يقف وراء العدو الإسرائيلي.

هذا الدور الأمريكي يجعل من الصراع ليس إقليمياً فحسب، بل دولياً بامتياز، وحين تنخرط أكبر قوة عسكرية في العالم في حرب مباشرة ضد قوة إقليمية كإيران، فإن المخاطر تتضاعف ونجد ذلك في ردة فعل الصين و روسيا حيث اتهمت روسيا الولايات المتحدة باستخدام المحادثات النووية كغطاء للعمليات العسكرية، ودعت إلى وقف فوري للضربات. الصين دعت إلى احترام سيادة إيران وسلامة أراضيها.

وقد يدفع التهور الأمريكي الصهيوني إلى احتمالية تشكّل اصطفافات دولية، كما حدث في الحربين العالميتين السابقتين، يظهر ذلك في موقف ما يسمى حلف الناتو الداعم للعدوان الصهيوأمريكي ضد إيران وهذا ما يشكل بالفعل تهديدا لروسيا والصين ومن المتوقع أن اليهود الصهاينة سيجرون العالم إلى حرب عالمية ثالثة فخطرهم ليس على المنطقة وحدها بل على البشرية جمعاء..

فمن الخطأ الفادح اعتبار المشروع الصهيوني مجرد تهديد للعرب والمسلمين، فالتجربة التاريخية تُظهر أن الأيديولوجيات التوسعية العنصرية تشكّل خطراً على البشرية بأسرها، الصهيونية، بطبيعتها العنصرية والتوسعية والإجرامية، تستند إلى مبدأ عنصري يعتبرون أنفسهم “الشعب المختار” وبقة البشر “حيوانات” وهو مبدأ يُبرّر احتلال أراضي الآخرين وتهجيرهم وإبادتهم، فالإيدلوجية الصهيونية هي أيديولوجيا شاملة تقوم على:

  1. العنصرية الدينية: الاعتقاد بأن اليهود هم “شعب الله المختار”، وأن لهم حقوقاً إلهية تفوق حقوق الآخرين.
  2. التوسع الجغرافي: السعي لإقامة دولة تمتد من النيل إلى الفرات، وهو ما يعني احتلال أجزاء من ثماني دول عربية (فلسطين، مصر، الأردن، سوريا، لبنان، العراق، السعودية، والكويت).
  3. التفتيت والهيمنة: كما تكشف “خطة عوديد ينون” (1982)، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على تفتيت الدول العربية المحيطة على أسس عرقية ودينية، لضمان ضعفها الدائم وعجزها عن مواجهة إسرائيل.
  4. الإبادة الممنهجة: ما يجري في غزة من قتل ممنهج وتدمير شامل وتجويع متعمد يُصنّف دولياً كـ”إبادة جماعية” في غزة، وما يجري في سوريا ولبنان من رش المبيدات لتدمير الأراضي الزراعية (إهلاك الحرث والنسل) يُصنّف كـ”إبادة بيئية” (Ecocide).
النووي الصهيوني .. تهديد وجودي لشعوب المنطقة

أمريكا معها القوى الغربية المتصهينة يرون أن لهم الحق في العدوان على إيران بحجة منعها من امتلاك سلاح نووي بينما الكيان المحتل يمتلك ما بين 80 إلى 400 رأس نووي، رافضا التوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي، هذا الاحتكار النووي، مع العقلية التوسعية والعنصرية، يشكّل تهديداً وجودياً للمنطقة والعالم.

المشروع الصهيوني يهدّد النظام الدولي القائم على القانون الدولي وحقوق الإنسان. العدو الإسرائيلي ينتهك القانون الدولي يومياً، ويحتل أراضي الآخرين بالقوة، ويمارس الفصل العنصري (الأبرتهايد)، ويرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كل ذلك دون محاسبة وبدون رادع.

هذا الإفلات من العقاب هو الذي شجع المجرم نتانياهو على الضغط على مغتصب الأطفال المجرم ترامب بشن عدوان على إيران بدون حتى الرجوع إلى المشرعين الأمريكيين (الكونجرس) هذا السلوك الشيطاني يُسهم في تآكل النظام الدولي وانتشار الفوضى.

خاتمة

العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الشعب إيران، هو عدوانٌ على بلدٍ مسلم، بدون أيِّ حق، عدوانٌ ظالمٌ، سافرٌ، إجراميٌ، وحشي، يستهدف الشعب الإيراني المسلم، ومؤسساته الرسمية، ونظامه الإسلامي ويتطلب من الأمة الإسلامية جمعاً موقفاً مبدئياً وحازماً يرتقى إلى مستوى التحديات الراهنة والمسؤولية الدينية والأخلاقية، ومن ذلك:

  • فضح الازدواجية الأمريكية: كشف التناقض بين خطاب “الدبلوماسية” والعدوان العسكري واعتبار ذلك سقوطاً أخلاقياً وسياسياً.
  • تحميل واشنطن وتل أبيب المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد إقليمي أو فوضى تنتج عن هذا العدوان.
  • اعتبار العدوان تهديداً شاملاً للمنطقة لا يقتصر على إيران، بل يمسّ أمن واستقرار جميع الدول الإسلامية.
  • المطالبة بموقف إسلامي موحّد وصارم يرفض التطبيع السياسي أو الأمني مع أي جهة مشاركة في العدوان.
  • التضامن والوحدة: كسر حالة الصمت والجمود، وإدراك أن استهداف إيران هو استهداف لمشروع الاستقلال والتحرر في الأمة بأسرها، مما يوجب رص الصفوف في مواجهة “محور الاستكبار”.
  • الدعم السياسي والإعلامي: تعرية الأكاذيب والمبررات الواهية التي يسوقها العدوان، وتبيان أن الحصار والعدوان هما ضريبة التمسك بالقضية الفلسطينية ورفض التطبيع.
  • المقاطعة الشاملة: تفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية والسياسية لكل القوى المشاركة في هذا العدوان، والضغط على الأنظمة التي تفتح أجواءها وأراضيها لتكون منطلقاً للشرور الصهيونية والأمريكية.
  • إحياء روح الجهاد والمقاومة: غرس ثقافة العزة في أجيال الأمة، والتأكيد على أن الحقوق لا تُسترد بالارتهان للمنظمات الدولية المنحازة، بل بالاعتماد على الله وامتلاك القوة المادية والمعنوية.

إن حلم “إسرائيل الكبرى” يتبدد على صخرة الجهاد والمقاومة، العدوان الحالي ضد إيران هو محاولة يائسة لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه، المستقبل، رغم كل الدماء والدمار، يحمل بشائر النصر للمظلومين والمقاومين.

وصدق الله القائل: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ).

قد يعجبك ايضا