المشروع القرآني من التأسيس إلى التمكين: قراءة في فكر شهيد القرآن الذي أعاد للأمة عزتها

ـ شهيد القرآن: شروق المشروع القرآني في زمن الانكسار.. رؤية عالمية وصمود أسطوري

ـ اليمن وفلسطين في فكر الشهيد القائد: بصيرة سبقت الأحداث وصنعت مواقف المجد في غزة

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

مع إشراقة شمس المشروع القرآني العظيم، مضت المسيرة القرآنية المباركة بخطى واثقة، متجاوزةً عواصف التحديات وعراقيل الصعاب، مسلحةً بثقافة إيمانية متوهجة ومنهجية فريدة. لم يكن هذا الانطلاق مجرد حدث عابر، بل كان ثمرة تضحية كبرى قدمها مؤسس هذا المشروع العالمي، السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه” الذي بذل دمه وروحه على مذبح الفداء، ليتحول الشعب اليمني من بعده إلى كتلة صلبة من “الشهداء والشاهدين والمنتظرين”، مجسدين أرقى معاني الثبات والوفاء والتضحية.

 ملامح النشأة وبيت العلم

ولد السيد حسين بن بدر الدين الحوثي في شهر شعبان 1379هـ (فبراير 1960م) في منطقة الرويس بمديرية ساقين بمحافظة صعدة.

 نشأ في كنف أسرة علمية عريقة، حيث تلقى تربيته الإيمانية الأولى على يد والده العلامة الفقيه بدر الدين أمير الدين الحوثي ” رضوان الله عليه”.

كان لهذه النشأة أثر حاسم في تكوين شخصيته، حيث كان يقول دائماً إن كل ما وصل إليه هو من بركات والده الذي رباه تربية قرآنية خالصة، نهل فيها من معين الهدى النبوي ومسار أجداده العظماء كالإمام علي والإمام الحسين والإمام الهادي “رضوان الله عليهم”، الذين ضحوا لإنقاذ الأمة من ضلالها.

رجل المرحلة: صفات القائد الاستثنائي

لم يكن شهيد القرآن رجلاً عادياً، بل أثبتت الأحداث أنه “رجل المرحلة” بامتياز.. استنار بالقرآن الكريم، فامتلك رؤية عالمية تجاوزت الحدود الجغرافية والمذهبية والعشائرية، ويمكن تلخيص أبرز ملامح شخصيته في النقاط التالية:

ـ عالمية الرؤية: انطلق من رحابة القرآن، فلم ينحصر في أطر ضيقة، بل حمل هم الأمة الإسلامية جمعاء، متأطراً بروحية الإسلام الواسعة.

ـ الحمية والغيرة الإيمانية: كان غيوراً على كرامة الأمة، يأبى أن تُستباح أرضها أو يُهدر دمها، رافضاً لكل أشكال الاستعباد والذل.

ـ وعي المسؤولية: أدرك بعمق خطورة المرحلة التي تمر بها الأمة وتداعيات الهجمة الاستكبارية، فتحرك بروحية المسؤولية القائمة على الصدق والجد والعزيمة.

ـ الارتباط بالواقع: تفرد شهيد القرآن بقدرته على قراءة الواقع من خلال عدسة القرآن، حيث قدم تشخيصاً دقيقاً للمشكلات وطرح الحلول الناجعة التي غابت عن الآخرين.

 مرتكزات المشروع القرآني وأهدافه

قدم شهيد القرآن رؤية شاملة تهدف إلى انتشال الأمة من واقعها المرير، مرتكزه في ذلك على عدة أسس جوهرية:

ـ العودة للقرآن الكريم: ككتاب شامل لكل مجالات الحياة، وتصحيح النظرة إليه من “نص جامد” إلى “منهج عملي” يزهق الباطل.

ـ تعزيز الثقة بالله: وهي الركيزة التي تحطم قيود الخوف من المستكبرين، فمن وثق بالله لا يخشى أحداً سواه.

ـ الشعار والصرخة: رفع شعار “البراءة” كحرب نفسية وموقف معلن في وجه قوى الاستكبار (أمريكا وإسرائيل)، وكوسيلة لكسر حالة الصمت والخنوع.

ـ المقاطعة الاقتصادية: تفعيل سلاح مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية كجزء من المواجهة الشاملة.

ـ الروحية الجهادية: غرس الروح القتالية للدفاع عن المقدسات والعرض والأرض، وضمان الوجود الحضاري للأمة.

 عبقرية المنهج: حاكمية القرآن وتصحيح الثقافة

يتميز المشروع القرآني بمبدأ “حاكمية القرآن”، حيث جعل النص القرآني فوق كل الثقافات والمذاهب والأطروحات السياسية.

رأى شهيد القرآن أن خلل الأمة يكمن في “الثقافات المغلوطة” التي تراكمت عبر العصور، فعمل على تفنيدها وتقديم البدائل القرآنية الصافية.

لقد اعتمد المشروع مسارين متوازيين:

ـ مسار المواكبة: لمتابعة المستجدات والأحداث الطارئة وتقديم الموقف المناسب لها تدرجاً.

ـ مسار البناء: وهو مسار مستدام يهدف لتأسيس مقومات النهوض الحضاري واستعادة دور “الخلافة” في الأرض كما أرادها الله.

 نبوءات القائد واستباقية الرؤية

حين نتأمل محاضرات شهيد القرآن قبل أكثر منعقدين من الزمن، نجد دقة مذهلة في تشخيص ما نعيشه اليوم.

حذر في ملزمته الشهيرة “خطر دخول أمريكا اليمن” من الذرائع الاستعمارية، وتحدث عن تراجع الدور العربي في قضية فلسطين وخذلان الشعب الفلسطيني، وهو ما نلمسه اليوم واقعاً ملموساً.

 لقد كان يرى بوعيه القرآني أن الصراع مع اللوبي اليهودي هو صراع وجودي، وأن العدو لن يتوقف حتى يطمس هوية الأمة ويستعبد شعوبها.

 غزة واليمن: ثمار المشروع القرآني في الميدان

إن الموقف المشرف الذي اتخذة الشعب اليمني تجاه غزة والقدس هو “الشهادة العملية” على نجاح مشروع شهيد القرآن، فبينما تمتلك دول كبرى جيوشاً ضخمة لكنها تظل حبيسة “الخوف” من أمريكا، تحرك اليمن رغم الحصار والعدوان بإمكانيات عسكرية متطورة (باليستية ومسيرة) لضرب مصالح العدو في البحر الأحمر، وفرض حصار بحري على العدو الإسرائيلي.

هذا التحرك لم يكن ليحدث لولا “الثقافة الإيمانية” التي غرسها شهيد القرآن وعززها من بعده السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ.

لقد تحول الشعب اليمني من حالة “الوصاية” التي كان يمارسها السفراء الأمريكيون في صنعاء إلى حالة الحرية والسيادة المطلقة، حيث لم تعد أمريكا في نظر اليمني سوى “قشة” أمام قوة الإيمان.

 حتمية التحرك والمواجهة الشاملة

انطلق شهيد القرآن من رؤية مفادها أن الصراع مع قوى الاستكبار ليس خياراً ثانوياً يمكن تأجيله، بل هو ضرورة وجودية تفرضها طبيعة الهجمة الشاملة التي تتعرض لها الأمة، لقد أدرك أن الأعداء لا يستهدفون الجغرافيا أو الثروات فحسب، بل يستهدفون “الإنسان” في دينه، وفكره، وقيمه.

 ومن هنا، كانت دعوته لإحياء الشعور بالمسؤولية في واقع الأمة، وتذكيرها بأن التفريط في هذه المسؤولية سيؤدي حتماً إلى تبعات كارثية من الذل والهوان والقهر في الدنيا، وعقاب الله في الآخرة.

لقد قدم شهيد القرآن فلسفة عملية للمواجهة، لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل الجانب الثقافي والاقتصادي والسياسي، فالمقاطعة الاقتصادية وتصحيح المفاهيم الثقافية المغلوطة هما سلاحان لا يقلان أهمية عن البندقية والمدفع.

 كان يؤكد أن “الأمة التي لا تملك قرارها الاقتصادي، لا يمكن أن تملك قرارها السياسي”، وهو ما نلمسه اليوم في قدرة الشعب اليمني على الصمود رغم الحصار الخانق.

 إن هذا التحرك الشامل هو الذي كسر حالة الركود والقعود، ونقل المجتمع من حالة “اللاموقف” و”الاستسلام” إلى حالة الفعل والتأثير والمبادرة، ليصبح الشعب اليمني فاعلاً أساسياً في معادلات المنطقة، بل والعالم، مدافعاً عن المستضعفين في كل مكان.

 من الاستضعاف إلى الريادة.. ثمار الصمود

عندما نتأمل المسافة بين انطلاقة الصرخة الأولى في جبال مران وبين وصول الصواريخ اليمنية إلى عمق الأراضي المحتلة واعتراض السفن الصهيونية في البحار، ندرك حجم المعجزة التي صنعها المشروع القرآني.

 لقد بدأ هذا المشروع بمجموعة قليلة من المستضعفين الذين واجهوا ترسانة عسكرية هائلة وحملات إعلامية وتضليلية شرسة، لكن “الثقة بالله” كانت الوقود الذي لا ينضب.

 شهيد القرآن لم يبنِ مجرد تنظيم سياسي، بل بنى “أمة قرآنية” تمتلك مقومات البقاء والنهوض، وتؤمن بأن النصر وعد إلهي لمن ينصر دينه.

هذا التحول من حالة “الاستضعاف” إلى حالة “القوة والريادة” هو أصدق تجسيد لنجاح الرؤية الاستراتيجية لشهيد القرآن.

 لقد استطاع المشروع أن يحرر العقول والنفوس قبل أن يحرر الأرض، مما جعل الإنسان اليمني يشعر بعزة الانتماء لهويته الإيمانية، ويتحرر من عقدة النقص أمام التطور التكنولوجي والعسكري للغرب.

اليوم، أصبحت اليمن مدرسة في الصمود والابتكار العسكري والسياسي، وبات الكثير من أبناء الأمة الإسلامية ينظرون إلى هذا المشروع بوصفه الأمل والمخرج الوحيد من واقع الارتهان. إن الاستقلال الحقيقي الذي نعيشه اليوم، والتحرر من الوصاية الأمريكية التي استمرت لعقود، هو الثمرة المباشرة لذلك الدم الطاهر الذي سُفك في سبيل الله، ولتلك المحاضرات التي رسمت لنا طريق العزة والكرامة والسيادة، ليبقى اليمن حراً أبياً، ومنارة تهتدي بها الشعوب التواقة للحرية.

 ذكرى تتجدد ومسيرة لا تنطفئ

إن استشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي ” رضوان الله عليه” لم يكن نهاية لمشروعه، بل كان “الشهادة والميلاد” الذي عمّد بنيان المسيرة بدم طاهر، لقد تحولت “الصرخة” التي كانت تقمع في السجون إلى زلزال يهز عروش المستكبرين في كل الميادين.

يبقى شهيد القرآن مدرسة قرآنية خالدة، علمتنا أن نخشى الله فوق كل شيء، وألا نأنس بالباطل مهما كثر أتباعه، إن مشروعه اليوم يمثل المنارة التي تهتدي بها الأمة نحو التحرر والكرامة، مؤكداً أن العودة الصادقة للقرآن هي المخرج الوحيد للأمة من تيهها وضياعها.

قد يعجبك ايضا