المنافقون.. العدو الخفي للأمة بين تحذيرات القرآن وبصيرة الشهيد القائد

ـ من المدينة إلى عصرنا: كيف واجه القرآن والشهيد القائد خطر النفاق على الإسلام

ـ التثبيط والتضليل باسم الدين: أدوات المنافقين في ضرب معنويات الأمة

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

في زمن تتكالب فيه قوى الاستكبار العالمي على الأمة الإسلامية، وتتعرض فيه قضاياها المركزية، وفي مقدمتها فلسطين، لأبشع صور العدوان والتزييف، يبرز خطر أشد فتكًا من السلاح والبارود، خطرٌ لا يأتي من خلف الأسوار ولا من على جبهات القتال، بل ينبثق من داخل الصف، متخفيًا خلف لافتات زائفة وشعارات براقة.

إنه خطر النفاق، الذي حذّر منه القرآن الكريم تحذيرًا بالغًا، وكشف حقيقته بوصفه تهديدًا دائمًا لا ينقطع، وأعاد الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه” إحياء الوعي بخطورته، مبينًا آثاره المدمرة على الدين والأمة ومعنويات المؤمنين.

هذا التقرير يسلط الضوء على ظاهرة النفاق كما عرضها القرآن الكريم، وكما فسرها وشرحها الشهيد القائد في محاضراته، باعتبارها معركة وعي ومصير، لا تقل خطورة عن أي معركة عسكرية.

المنافقون في ميزان القرآن

حين نقرأ القرآن بوعي وتدبر، ندرك أن أخطر تهديد يواجه الأمة لا يأتي دائمًا من الخارج، بل من داخلها، من أولئك الذين يحملون وجوهًا متعددة، ويتقنون فنّ التلون بحسب المصالح، إنهم المنافقون، الذين قال الله فيهم: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلا إِلَى هَؤُلَاءِ} (النساء:143). لا ينتمون انتماءً حقيقيًا للمؤمنين، ولا يجهرون بكفرهم، لكنهم يعيشون على هامش الإيمان، ويتغذون على ضعف الأمة، ويشتغلون لصالح أعدائها.

المنافق ليس شخصية بسيطة أو ساذجة، بل هو لاعب سياسي ومخطط نفسي.. يدّعي الإيمان وهو يسخر من آيات الله، ويختبئ خلف الأقنعة.. حين يعلو صوت الحق، ينطلق بوقا للباطل، يشكك، يتهكم، يثبط، يبث الشائعات والأراجيف ﴿يُريدونَ لِيُطفِئوا نورَ اللَّهِ بِأَفواهِهِم وَاللَّهُ مُتِمُّ نورِهِ وَلَو كَرِهَ الكافِرونَ﴾ [الصف: ٨]

لم يتعامل القرآن الكريم مع النفاق كحالة فردية عابرة، بل كظاهرة خطيرة متجذرة في تاريخ الصراع بين الحق والباطل.

فقد خصّ المنافقين بسور كاملة، ووصفهم بأوصاف لم يطلقها على غيرهم، حتى قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}.

وهذا الوعيد الشديد يعكس حجم الضرر الذي يلحقونه بالأمة، فهم لا يواجهون الحق صراحة، بل يلبسون الباطل لباس الحق، ويخلطون الإيمان بالكفر، ويعملون على إرباك الصف الداخلي، وتفريغ الدين من محتواه الحقيقي.

ويوضح القرآن أن المنافقين ليسوا على هامش المجتمع، بل في قلبه، يؤثرون على الناس، ويثبطون عزائمهم، ويزرعون الشك واليأس. قال الله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}.

وهذه الآية تختصر معادلة الصراع: فالمنافق أخطر من الكافر المعلن والعدو في ميادين المواجهة، لأنه يعمل من داخل الصف، ويستغل ثقة الناس، ويستثمر الخطاب الديني والإعلامي لتضليلهم.

قراءة الشهيد القائد لخطورة المنافقين

في محاضراته القرآنية، ولا سيما في دروس سورة آل عمران، توقف الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه” عند الدور التخريبي للمنافقين في المجتمع النبوي نفسه، رغم وجود رسول الله صلى الله عليه وآلة والقرآن يتنزل.

وأشار إلى حادثة رجوع عبد الله بن أُبي بثلاثمائة رجل في غزوة أُحد، ليؤكد أن منافقًا واحدًا قادر على إحداث شرخ كبير في الصف المؤمن.

وبيّن أن طاعة المنافقين والمتأثرين بأهل الكتاب قد تجر الأمة إلى الكفر، كما حذرت الآيات الكريمة، ما لم تمتلك الأمة وعيًا وبصيرة وقيادة هادية.

ومن أبرز سمات المنافقين، كما يوضح الشهيد القائد، اعتمادهم على الحرب النفسية:

التثبيط: إشاعة العجز، والتقليل من جدوى الجهاد والمقاومة.

التهويل: تضخيم قوة العدو، وبث الخوف في النفوس.

التضليل: تحريف النصوص القرآنية، واقتطاعها من سياقها لتبرير الاستسلام.

هذه الأدوات لم تتغير عبر التاريخ، لكنها اليوم اتخذت أشكالًا أكثر حداثة عبر الإعلام والمنصات الرقمية.

النفاق المعاصر وخدمة المشروع الصهيوني

في واقعنا المعاصر، يظهر المنافقون في ثياب إعلاميين ومثقفين ودعاة “اعتدال”، يهاجمون حركات المقاومة، ويبررون جرائم العدو الصهيوني، ويصوّرون الجهاد على أنه تهور أو إرهاب، ويعملون على تثبيط الهمم، وتحريف وجهة المعركة، وخلخلة الثقة بين أبناء الأمة. إنهم لا يقاتلون مع العدو مباشرة، لكنهم يقاتلون معه بعناوين دينية أو وطنية.

وقد أشار الشهيد القائد إلى أن هؤلاء باتوا يعملون “عن بُعد” لصالح اليهود والنصارى، يرددون خطابهم، ويدافعون عن مشاريعهم، ويعادون كل من يرفع راية المواجهة والكرامة.

كما يتجلى هذا النموذج في بعض الأصوات الإعلامية والدينية التي تهاجم حركات المقاومة وتصف المجاهدين في فلسطين ولبنان واليمن بأنهم متهورون أو متطرفون.

وتجدهم على الشاشات يبررون العدوان على غزة بحجة تجنيب المدنيين الضرر، بينما يبرّئون العدو الصهيوني المحتل. يحذرون من رفع شعار الموت لأمريكا، ويعتبرونه خطاب كراهية، بينما هم يروّجون للتطبيع مع من يقتل أبناء الأمة ليل نهار.

غياب البصيرة وصعود أعلام الضلال

يربط الشهيد القائد بين انتشار النفاق وغياب “أعلام الهدى” الذين يجسدون القرآن في الواقع. فالقرآن وحده، دون قيادة واعية تجسده وتفسره وتتحرك به، قد يُهجر أو يُحرّف في التطبيق. وعندما تفرغ الساحة من أعلام الحق، يبرز أعلام السوء، ويتحول الضلال إلى ما يُتعبد به، في أخطر صور الانحراف الديني.

وأكد الشهيد القائد أن السبيل لمواجهة النفاق يبدأ ببناء الوعي الإيماني والبصيرة، مستشهدًا بنداء الإمام زيد عليه السلام: “البصيرة، البصيرة”. فالمجتمع ضعيف الوعي هو أول ضحايا المنافقين، حتى قبل أن يكون ضحية لأعدائه الخارجيين.

إن تحصين الأمة يتطلب فهم القرآن فهمًا حركيًا، وربط الإيمان بالموقف والعمل، وعدم الانخداع بالشعارات المزيفة.

معركة الوعي قبل معركة السلاح

النفاق، كما يخلص القرآن وكما يشرح الشهيد القائد، هو معركة على الوعي أولًا.. فالأمة التي تُهزم نفسيًا، وتفقد ثقتها بالله وبوعده، لن تصمد مهما امتلكت من إمكانيات.

ولذلك كانت مواجهة المنافقين واجبًا شرعيًا، لا يقل أهمية عن مواجهة أعداء الإسلام في ميادين الجهاد.

إن النفاق ليس صفحة من الماضي، بل خطر متجدد، يتلون مع كل عصر، ويزداد خبثًا كلما تطورت أدواته.

وقد جاء القرآن ليكشفه، وجاءت مدرسة الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه” لتعيد للأمة وعيها وبصيرتها في مواجهته.

وفي زمن التلبيس، يصبح التبيين فريضة، وفي زمن النفاق، يصبح الصدع بالحق جهادًا، لأن حماية الصف الداخلي للأمة هي الأساس لكل نصر قادم، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ}.

قد يعجبك ايضا