الهوية الإيمانية.. منهج حياة وصمّام أمان للأمة في معركة الوعي والمصير

اليمن والهوية الإيمانية: صمود تاريخي ومعركة وعي تصنع المستقبل

من الإيمان إلى السلوك: الوعي والمسؤولية أساس العزة والكرامة

الهوية الإيمانية: جوهر الانتماء ومنهج الحياة في مواجهة التحديات

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

في زمن تتلاطم فيه أمواج الصراعات الفكرية والثقافية، وتتعرض فيه القيم والمبادئ لحربٍ ناعمة تستهدف الوعي والهوية قبل الأرض والثروة، تبرز الهوية الإيمانية بوصفها جوهر الانتماء الحقيقي، وركيزة البناء النفسي والأخلاقي والوطني للإنسان.

فالهوية الإيمانية ليست مجرد شعار يُرفع أو انتماءٍ لفظي يُتغنّى به، بل هي سلوكٌ عملي، ومنهج حياة، وعلاقة واعية بالله سبحانه وتعالى، تنعكس في المواقف والاختيارات، وفي الثبات والصمود، وفي رفض الخضوع والهيمنة.

ومن هذا المنطلق، شكّلت الهوية الإيمانية محورًا أساسيًا في المشروع القرآني الذي حمله شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه”، وواصل قيادته السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ باعتبارها الأساس في نهضة الأمة، واستعادة عزتها وكرامتها، وبناء إنسانٍ حرٍّ لا يخضع إلا لله.

الهوية الإيمانية: تعريف ومعنى

ليست الهوية الإيمانية مجرد انتماء لفظي أو مذهبي ضيق، بل هي الانتماء المطلق للإيمان والالتزام الواعي بطاعة الله والعمل بمقتضى القرآن الكريم والاقتداء بالسيرة النبوية العطرة. إنها “البوصلة” التي توجه السلوك الإنساني نحو التحرر من التبعية، وتحويل الإيمان من مجرد قناعة قلبية إلى سلوك واعٍ ومسؤولية عملية في واقع الحياة.

ويؤكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ أن الهوية الإيمانية ليست حالة شعورية عابرة، ولا طقوسًا شكلية، بل هي وعي بالله في واقع الحياة، ومنهج يترجم الإيمان إلى سلوك، ومسؤولية، وجهاد، يمنح الإنسان عزته وكرامته واستقلال قراره، ويحصّنه من التبعية والاستغلال، ويشكّل أساس التماسك والصمود في مواجهة التحديات.

الإيمان بين القول والعمل

يشدد شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه” على أن الخطر الأكبر الذي يهدد الأمة هو الفصل بين الإيمان والعمل، وتحويل الدين إلى مجرد أقوال أو مظاهر، بينما الإيمان الحقيقي ـ كما يقرر القرآن ـ هو حركة ومسؤولية وموقف.

فالمؤمن الصادق هو من يعيش القرآن منهجًا وسلوكًا، ويتحرك في الواقع لنصرة الحق، ومواجهة الظلم، وتحمل مسؤوليته تجاه دينه وأمته، لا من يكتفي بالانتماء اللفظي أو المذهبي الضيق.

وفي هذا السياق، يرى شهيد القرآن أن المسؤولية الإيمانية هي التحرك الواعي بالقرآن لإخراج الأمة من الظلمات، والتحرر من التبعية للطاغوت، وتحويل الإيمان إلى مصدر قوة وعزة وكرامة، لا إلى حالة سكون أو خضوع.

ولاية الله.. جوهر الهوية الإيمانية

تُعد ولاية الله سبحانه وتعالى الركيزة الأساسية للهوية الإيمانية، فهي ولاية هداية ورحمة ورعاية وتربية، كما يقدّمها القرآن الكريم في آياته المتعددة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.

ويشرح شهيد القرآن أن ولاية الله ليست مفهومًا نظريًا، بل علاقة عملية يعيشها الإنسان في وعيه وسلوكه وشعوره بالاحتياج المطلق لله، والثقة بنصره وتأييده.

وتتجسد ولاية الله في امتدادها عبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ثم في أوليائه الصادقين، حيث تكون طاعة الرسول طاعة لله، باعتبارها ولاية واحدة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.

ومن هنا، فإن أي ولاية أو قيادة لا تجسد قيم الرحمة والعدل والهداية، ولا تمثل امتدادًا حقيقيًا لولاية الله، تترك آثارًا سلبية في نفوس الناس وواقع الحياة.

التزكية والعزة في المشروع القرآني

يركز السيد القائد على أن التزكية والطهارة الأخلاقية تمثل جوهر الإسلام وأساس صلاح الإنسان واستقامته.. فتنقية النفس من الرذائل، وتنمية مكارم الأخلاق، تشكّل حصانة داخلية في مواجهة الفساد والانحراف الذي يروّج له الأعداء.

كما أن العزة والكرامة ـ بحسب الرؤية القرآنية ـ لا تُنال بالخضوع ولا تُستورد من قوى الطغيان، بل تُكتسب بالتمسك بالدين، والجهاد في سبيل الله، ورفض الاستعباد، انطلاقًا من عقيدة “لا إله إلا الله”.

وقد جسّد الشعب اليمني هذا المفهوم عمليًا، حيث تحوّلت الهوية الإيمانية إلى مصدر صمود وثبات في مواجهة أعتى قوى العدوان، وأثبتت أن سرّ القوة ليس في السلاح وحده، بل في العقيدة والوعي والبصيرة.

اليمن والهوية الإيمانية المتجذرة

تاريخ اليمن شاهد حي على أصالة الهوية الإيمانية، فهي ليست طارئة ولا مستوردة، بل ضاربة في عمق الإسلام منذ فجره الأول، حين دخل اليمنيون في دين الله أفواجًا على يد الإمام علي عليه السلام، ونالوا شهادة نبوية خالدة: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”.

وقد تحولت هذه الهوية عبر التاريخ إلى سلوك حضاري وأخلاقي، تجلّى في نصرة الحق ورفض الطغيان.

وخلال سنوات العدوان، أثبت اليمنيون أن الهوية الإيمانية كانت الدرع الواقي والحصن الحصين، ورافعة الروح المعنوية، وأساس توحيد الجبهة الداخلية، وإفشال مخططات الإخضاع والهيمنة.

ومثّلت ثورة 21 سبتمبر المباركة محطة فاصلة في تاريخ اليمن الحديث، إذ أعادت الاعتبار للهوية الإيمانية بعد عقود من التهميش والتغريب، وحررت القرار الوطني من الوصاية الخارجية، وفتحت المجال لإحياء المناسبات الإيمانية بوصفها معركة وعي وبناء، لا مجرد طقوس شكلية.

وأصبح الاحتفاء بالمناسبات الإيمانية، كجمعة رجب، تعبيرًا عن الانتماء الواعي، وربط الأجيال بتاريخها الرسالي، وتحصين المجتمع في مواجهة الحرب الفكرية والثقافية.

ابتعاد الأمة عن هدى الله

عندما تنفصل الأمة عن هدى الله، تفقد قدرتها على التمييز بين الحق والباطل، وتتيه في دروبٍ متشابكة بلا اتجاه واضح، فتُحرم من العون الإلهي الذي يشكّل سرّ قوتها وحصنها الحقيقي.

ويؤكد شهيد القرآن في دروسه القرآنية أن الخذلان ليس حادثة مفاجئة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإعراض والجرأة على مخالفة أوامر الله، حيث يتحول الإيمان إلى ألفاظ تُردد، وتُفصل العبادة عن واقع الحياة، ويُهمَل القرآن ليبقى نصًا محفوظًا لا منهجًا مُتَّبعًا.

إن هذا الإعراض يمثّل الجذر العميق لانهيار الأمة حضاريًا وأخلاقيًا، لأنه يقطع صلتها بمصدر عزتها وقوتها، ويجعلها فريسة سهلة للأهواء، وضحية للضغوط الخارجية ومشاريع الهيمنة. وفي هذا السياق، يلفت شهيد القرآن إلى المفارقة الخطيرة بين الادّعاء والممارسة، حين يقول: إن كثيرين يرفعون شعار الإيمان، بينما تنطق أعمالهم بعكسه، لأن قلوبهم لم تثق بالله حقًا، ولم تطمئن إلى وعده ونصره.

ومن يفقد ثقته بالله، يفقد معها أسباب النصر والعزة، ومن يعرض عن نوره، تحيط به ظلمات الذل والضياع.

كما يحذّر شهيد القرآن من المفاهيم الخاطئة التي تصوّر أوامر الله وكأنها أعباء ثقيلة، في حين أن القرآن يؤكد أن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، وأن تشريعاته قائمة على الرحمة والحكمة، وتهدف إلى مصلحة الإنسان وسعادته. فالأوامر الإلهية بالجهاد، أو الإنفاق، أو الوحدة، ليست أبواب مشقة، بل مفاتيح كرامة وعزة ونجاة.

غير أن الضعف والشك، حين يستوليان على النفوس، يدفعان البعض إلى الظن بأن السير في طريق الله أمرٌ مستحيل، فيقعدون ويتراجعون، فيكون الخذلان نتيجة طبيعية لتخاذلهم.

ويخلص شهيد القرآن إلى حقيقة جامعة مفادها أن كل ما يأمر به الله هو من رحمته بعباده، وأن من شأن الرحيم أن يهيّئ لعباده السبل المعينة على الطاعة، متى صدقت النيات، وتحررت القلوب من الوهن، وثبتت الثقة بوعد الله.

معركة الأمة: هوية ومصير

إن معركة الأمة اليوم ليست عسكرية فقط، بل هي معركة هوية ووعي ومصير.. وقد أدرك أعداء الأمة أن اختراق الهوية الإيمانية هو المدخل الأخطر لإضعاف الشعوب، فشنّوا حربًا فكرية وثقافية تستهدف القيم، وتسعى لإفساد عقول الشباب وضمان تبعيتهم.

غير أن الشعوب المتمسكة بهويتها الإيمانية أثبتت صعوبة إخضاعها، وقدرتها على تحويل الإيمان إلى قوة تحرر وصمود.

ويؤكد السيد القائد أن العزة والكرامة تكمنان في رفض الاستسلام للهيمنة الأمريكية والصهيونية التي تهدف لنهب الثروات واستعباد الشعوب.

إن مبدأ “لا إله إلا الله” يقتضي رفض كل أشكال الطغيان، وشعار “الصرخة” الذي أطلقه شهيد القرآن هو تجسيد لهذا الموقف الإيماني الذي يكسر حاجز الخوف ويعيد للأمة هيبتها.

ختاماً: الهوية الإيمانية ليست ماضيًا يُستحضر للبكاء عليه، بل مستقبلٌ يُصنع، وأساس النهوض، وضمانة الاستخلاف في الأرض.. ومن دونها، ستظل الأمة تدور في حلقة الخذلان والضياع، فالعزة حتمية، والنصر وعدٌ إلهي لا يتخلف: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

إن العودة الصادقة إلى الله، وتفعيل الإيمان في واقع الحياة، وبناء المسؤولية الإيمانية، هي الطريق الوحيد لاستعادة كرامة الأمة، وبناء إنسانٍ حرٍّ، يأبى الخضوع إلا لله، ويصنع مستقبله بثقةٍ وبصيرةٍ وجهاد.

قد يعجبك ايضا