اليمنيون أنصار الرسول والرسالة

عبدالرحمن الحمران

إنّ العلاقة بين القحطانيين والعدنانيين (اليمنيين والهاشميين) ذات جذور تاريخية ضاربة في القدم، بدأت منذ نزول قبيلة جرهم اليمنية بمكة، وإقامتها على بئر زمزم إلى جوار نبيّ الله إسماعيل وأمه هاجر عليهما السلام, وقد تزوّج نبيّ الله إسماعيل من هذه القبيلة، وأنجب منها أولادًا كثيرين، فكان ذلك أول لقاء حميمي بين الجرهميين اليمنيين وذرية نبيّ الله إسماعيل عليه السلام.

ولما انفرط عقد الدولة السبئية، هاجرت قبيلتا الأوس والخزرج اليمانيتان إلى يثرب (المدينة المنورة)، ونشأت علاقة طيبة ومتينة بين العدنانيين من أبناء إسماعيل واليمانيين من أهل يثرب, وكان بنو النجار من قبيلة الخزرج أخوال عبد الله والد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما كان أغلب وفد يثرب في بيعة العقبة من الخزرج.

ومع بزوغ فجر الإسلام، كان اليمن حاضرًا بقوة، بل كان أبناؤه من السابقين إلى الإسلام. فكان ياسر العنسي اليمني وولده عمار، ووالدته سمية الكندية اليمنية، من أوائل من دخلوا الإسلام، وكانت سمية من أوائل الشهداء في العهد المكي, وفي ذلك العهد أيضًا، بايع نفر من الأنصار اليمنيين (الأوس والخزرج) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيعتي العقبة الأولى والثانية.

وحين وقف المجتمع المكي في وجه الدعوة الإسلامية، ووضع العراقيل في طريقها، واستخدم كل الوسائل لمحاربتها، ولم يكن جديرًا بحملها واحتضانها، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مهاجرًا إلى المدينة، حيث يسكن الأنصار اليمنيون (الأوس والخزرج), فاستقبلوه بحفاوة عظيمة، واعتبروا يوم قدومه من خير أيام الدنيا.

وقد سطّر الأنصار بين يدي رسول الله أعظم المواقف، وكانوا خير نواة للدولة الإسلامية الأولى. ومن مدينتهم انتشرت الدعوة المحمدية واتسعت دائرتها, وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسله إلى الأمصار، اختار لأهل اليمن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, وما إن وصل الإمام علي إلى اليمن وقرأ عليهم خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أسلمت قبيلة همدان – التي كانت تمثل أغلب اليمن آنذاك – على يديه في يومها الأول. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخبر، سجد شكرًا لله، وقال: “السلام على همدان، السلام على همدان، السلام على همدان”.

وقد نال أهل اليمن أعظم الأوسمة في الإسلام، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “الإيمان يمان، والحكمة يمانية”.

كما تجلّت مكانتهم في موقف يوم حنين، حين قُسِّمت الغنائم على الطلقاء ومن أسلم حديثًا، ممن انهزموا أول المعركة وولَّوا هاربين، وحُرِم منها الأنصار، وهم الذين نُودوا وقت الشدة فهبّوا يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تحوّل الفرار نصرًا.

ويروي أبو سعيد الخدري تفاصيل ذلك الموقف المؤثر، حين وجد بعض الأنصار في أنفسهم مما وقع من قسمة الغنائم، فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخطب فيهم خطبته الخالدة، مذكّرًا بفضلهم وتضحياتهم، حتى قال:

“يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلّالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟” قالوا: بلى! قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟!”.

قالوا: وما نقول يا رسول الله، وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ورسوله.

قال: “والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فآمناك، ومخذولاً فنصرناك …”.

فقالوا: المنّ لله ورسوله.

فقال: “أوجدتم في نفوسكم- يا معشر الأنصار- في لعاعة من الدنيا تألّفت بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟.

فو الذي نفسي بيده، لو أنّ الناس سلكوا شعباً وسلكت الأنصار شعباً، لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار.

اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار”.

فبكى القوم حتى ابتلّت لحاهم. وقالوا: رضينا بالله رباً، وبرسوله قسْماً، ثم انصرفوا راضين.

وفي هذا اللقاء أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكنون حبه للأنصار اليمنيين، ودعا لهم ولأبنائهم ما تناسلوا, فقد كانوا – مع المهاجرين – عماد الدولة الإسلامية، غير أنهم تعرّضوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإقصاءٍ متعمد.

وعندما تولّى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الخلافة، كان اليمنيون موضع ثقته، فكان أكثر عمّاله وقضاته من أهل اليمن، وقد استعمل عددًا منهم ولاةً وقضاةً على الأمصار، لما عرفه فيهم من إيمانٍ وصدقٍ وبصيرة.

ومنهم:

1 ـ قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على مصر

2- مالك بن الحارث الأشتر النخعي على مصر

3- عثمان بن حنيف الأنصاري على البصرة

4- مالك بن كعب الأرحبي الهمداني على البهقباذات

5- قرظة بن كعب الأنصاري على الكوفة

6- سليمان بن صرد الخزاعي على إقليم الجبل

7- الأشعث بن قيس الكندي على أذربيجان

8- الأسود بن قطنة الأنصاري على حلوان

9- عبدالرحمن بن أبزي الخزاعي على خراسان

10- قدامة بن عجلان الأزدي على كسكر

11- أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري على الكوفة

12 ـ هانئ بن هوذة بن عبد يغوث النخعي على الكوفة

13- حذيفة بن اليمان العبسي على المدائن

14- يزيد بن قيس الأرحبي على المدائن

15- أبو أيوب الأنصاري على المدينة

16- أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري على مكة

17- سعيد بن نمران الهمداني على اليمن

18- عبدالله بن عبد المدان الحارثي على اليمن

19- عبدالله بن شُبيل الأحمسي على آذربيجان

20- مخنف بن سليم الأزدي على أصفهان

21- المنذر بن الجارود العبدي على اصطخر

22- النعمان بن عجلان الزرقي الأنصاري على البحرين

لقد أثبت اليمنيون، عبر مواقفهم وإيمانهم وصدق ولائهم، أنهم أهل عهدٍ ووفاء، وأن انتماءهم للإسلام ولأهل بيت النبوة لم يكن انتماء شعارات، بل انتماء دمٍ وجهادٍ وموقف, ومن أجل هذا الدور البارز في مناصرة أمير المؤمنين عليه السلام، وإخلاصهم له، وجهادهم بين يديه في صِفِّين والجمل والنهروان، خلّد ثناءه عليهم في قصيدته المشهورة، حين قال:

فلو كنتُ بوّابًا على بابِ جنّةٍ        لقلتُ لِهمدانَ ادخلوا بسلام

وهي شهادة خالدة من إمام العدل والحق، تختصر مكانة اليمن وأهله في تاريخ الإسلام، وتؤكد أن هذا الشعب كان – وسيبقى – في طليعة من حملوا راية الإيمان، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه.

قد يعجبك ايضا