اليمن.. سيرة صمود تكسر أغلال الوصاية وتُعيد رسم خرائط النفوذ

صادق البهكلي

لم يكن صمود الشعب اليمني أمام العدوان الأمريكي السعودي مجرد ردّة فعل دفاعية، بل كان خياراً استراتيجياً محسوباً، ترجم المعاناة إلى إرادة، والحصار إلى قدرة، والدمار إلى بناء، ومنذ أن بدأت طائرات المعتدين تُمطر السماء اليمنية بالقنابل العنقودية في مساء 26 مارس 2015، كان رهان الأعداء على انهيار سريع للشعب اليمني، على كسر إرادته في أسابيع، على تحويله من شعب عريقٍ إلى شعب خانع، لكن ما جرى على أرض الواقع كان معجزةً بالمعايير الجيوسياسية: شعبٌ حوّل العدوان إلى نقطة تحوّل، لا محطة انهيار.

في خطاباته المتلاحقة، أعلن قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي الذي قاد دفة مواجهة العدوان الأمريكي السعودي الإجرامي بكلمات كلها عزم وصلابة وإيمان لا يتزعزع: “لن نقبل كشعب يمني أن نُقتل وأن يعمل الآخرون على إماتتنا جوعاً وحصاراً وأن نجلس في بيوتنا مكتوفي الأيدي – خانعين وأذلاء – هذا غير وارد”. هذه الكلمات لم تكن شعاراً للاستهلاك، بل كانت بيان ثوري تاريخي، وخارطة طريقٍ لمعادلة دفاع استراتيجية تبدأ من الوعي بأهداف العدو ومخاطر الاستسلام وتنتهي بمعادلة توازن الردع.

 من الولّاعة إلى الصاروخ الباليستي

حين تحكي الأرقام قصة التطور العسكري اليمني، تبدو كأنها من نسج الخيال، من سلاح الولّاعة إلى صواريخ باليستية وفرط صوتية، من بنادق قديمة إلى طائرات مسيّرة تُعيد رسم خرائط الردع في المنطقة، هذا التحوّل لم يكن مصادفة، بل كان ثمرة إرادةٍ صمود واستبسال تاريخي طوال 8 سنوات من المواجهة الميدانية والصمود الأسطوري والإرادة الفولاذية والعزيمة التي لم تنكسر، وعقولٍ هندسية حوّلت الحصار إلى حاضنة للابتكار، وقد أكد السيد القائد أن اليمن الذي راهن على سقوطه الأعداء خلال أيام معدودة بات “ينتج جميع أنواع الأسلحة من الكلاشينكوف إلى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة”، واصفاً هذا التطور بأنه “معجزة” تحققت بفضل العزيمة رغم الحصار الخانق.

هذه القدرات لم تبقَ حبيسة المخازن، بل تحوّلت إلى أداة ضغطٍ فعّالة، وصل تأثيرها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستُهدفت بها عواصم المعتدين، واخترقت أنظمة دفاعهم المزعومة، وفرضت “توازن الردع” حوّلت معادلة الصراع من عدوان شيطاني ظالم إلى مواجهةٍ دفع فيها المعتدون ثمن عدوانهم على أرضهم، الصواريخ التي كانت تُطلق من جبال ووديان اليمن لم تكن مجرد رسائل عسكرية، بل كانت إعلاناً لميلاد يمن جديد أكثر حضورا في محافل العز، وأشدَّ مضاءً في غمرات النزال، يكتبُ باللظى سطور سيادته، ويُسمعُ الأصمَّ صدى إرادته شعبٌ محاصرٌ أصبح يمتلك القدرة على ضرب قلب المعتدي، وبرهنَ للعالم أنَّ القنابل الأمريكية لا تقتل الأرواحَ الأبيَّة، وأنَّ نصلَ الحقِّ يمرقُ من جراحِ المظلومِ ليصيبَ كبدَ الظالمِ في عقرِ داره.

 قوافل المال والرجال النسق الثاني من معركة الصمود

لم يكن الصمود حكراً على المقاتلين في الجبهات، بل كان مشروعاً شعبياً جماعيا تحرّكت فيه كل فئات المجتمع اليمني الحر، القوافل التي تدفّقت من كل مدينةٍ وقرية، من أفقر الأسر إلى أغناها، لم تكن مجرد دعمٍ لوجستي، بل كانت تجسيداً حياً لوحدة الشعب مع قضيته، لرفضه أن يُقادَ بزمامِ الخنوع، أو يُسامَ خَسفَ الارتهان؛ فاليمنُ الذي تأبى تربتُهُ القيد، استعصى على الكسرِ في ملاحمِ الصمود، ونبذَ عودةَ الوصايةِ كما ينبذُ الجسدُ الطاهرُ السمَّ الزعاف، معلناً أنَّ الجباهَ التي سجدت لله، لا تنحني لغيره ولو جُمعت لها أقطارُ الأرضِ نكالاً، النساء اليمنيات قدّمن أبناءهنّ وحُليّهن، القبائل أرسلت مقاتليها، التجّار فتحوا خزائنهم، والموظفون صمدوا في أعمالهم دون رواتب لسنوات، هذا الدعم لم يتوقف طوال سنوات العدوان، كما أكد السيد الحوثي: “القوافل استمرت حتى من الأسر الفقيرة لدعم الجبهات، وكانت شاهدة على عطاء الشعب اليمني”.

هذه القوافل لم تكن عشوائية، بل كانت منظّمة بوعيٍ إيماني استراتيجي، كل قافلة كانت رسالة سياسية: نحن شعبٌ لا ينكسر، نحن أمّةٌ تُموّل مجاهديها بنفسها، نحن مجتمعٌ يرفض الاستسلام مهما بلغ الثمن، وحين حاول العدوّ شراء الولاءات وإفساد الذمم، اصطدم بجدار الوعي الشعبي، والإباء اليمني، وشهامة ونخوة الدماء العربية التي تجري في عروق أصل العرب ومنبت الأحرار، فسقطت محاولاته في اختراق الجبهة الداخلية، وفشلت فتنه المدبّرة بفضل يقظة الشعب المجاهد برجاله العقلاء وشبابه الحر..

 في ميزان الحق: قضية لا تقبل المساومة

إرادة الصمود اليمني في مواجهة التدمير الشامل

حين يُوصف العدوان بأنه “ظالم، باطل، إجرامي”، و”لا يمتلك مثقال ذرة من الحق”، فإن هذا الوصف تشخيصٌ دقيق لحقيقة النفسية الإجرامية للمعتدين، ولأهدافهم الإجرامية الشيطانية التي لم تكتفِ بمحاولة كسر الإرادة السياسية، بل سعت بصلفٍ إلى اجتثاث مقومات الحياة الإنسانية وتصفير العداد الحضاري لليمن، إنها استراتيجية “الأرض المحروقة” ـ كما أعلنها الأعداءـ التي جعلت من رغيف الخبز، وحبة الدواء، وحقيبة الطالب، أهدافاً عسكرية مشروعة في بنك أهدافٍ يخلو من الأخلاق، ويطفح بالحقد التاريخي والتوحش الذي لم يوفر حتى الحجر والشجر والمدر.

وبينما يحاول المعتدي تزييف الواقع بوعود “إعادة الأمل” ، تأتي لغة الأرقام الصادمة لتدحض كل ادعاء، وتكشف حجم المحرقة التي تعرض لها الشعب اليمني، وهي كالتالي:

أولاً: الكلفة البشرية (الاستهداف المباشر وغير المباشر)

  • 24,000 شهيد مدني.
  • 35,000 جريح مدني.
  • 1,400,000 وفاة نتيجة الحصار والأوبئة وسوء التغذية.

ثانياً: تدمير البنية التحتية وشرايين الحياة

  • 8,000 طريق وجسر.
  • 5,600 شبكة ومحطة كهربائية.
  • 12,400 منشأة مائية (سدود، آبار، شبكات ري).
  • 2,200 موقع ومنشأة اتصالات.
  • 2,900 منشأة تعليمية (مدارس وجامعات).
  • 670 مرفقاً صحياً وسيارة إسعاف.
  • 2,200 مبنى حكومي وخدمي.

ثالثاً: استهداف الأمن الغذائي والقطاع الإنتاجي

  • 15,000 منشأة غذائية (مصانع ومخازن وأسواق).
  • 19,400 منشأة زراعية وحيوانية.
  • 450,000 رأس من المواشي.
  • 43,000 خلية نحل.
  • 4,700 قارب صيد ومركز إنزال سمكي.

رابعاً: قطاع النقل والمنافذ والوقود

  • 14 ميناءً بمرافقها.
  • 9 مطارات ومنظومات ملاحية.
  • 4 طائرات مدنية.
  • 8,500 وسيلة نقل وسيارة.
  • 930 محطة وناقلة بنزين وغاز.

خامساً: الرموز الثقافية والمقدسات والسلاح المحرم

  • 1,840 مسجداً.
  • 420 موقعاً أثرياً وتاريخياً.
  • 136 منشأة رياضية.
  • 86 مؤسسة إعلامية ومركز إرسال.
  • 90 مقبرة تم استهدافها بشكل مباشر.
  • 2,960 غارة بقنابل عنقودية محرمة دولياً.

في هذا السياق، يصبح الصمود واجباً دينياً ووطنياً، لا خياراً سياسياً، وهو ما أكده قائد الثورة السيد عبد الملك بأن “منطلقات صمود الشعب اليمني إيمانية وأخلاقية، ترفض الخضوع لغير الله”، وأن “خيار الصمود هو الخيار اللائق بالكرامة الإنسانية والعزة الإيمانية”، لقد نقلت هذه التحدياتُ المعركةَ من حيزِ التدافعِ العسكري إلى طورِ الصراع الوجودي، فلم تتركْ بين يدي اليمنيِّ خياراً ثالثاً؛ فإما استسلامٌ يُورثُ المذلة، أو مواجهةٌ تَصنعُ العزة، وإما خنوعٌ للأغلال أو كرامةٌ تُعانقُ السماء، وإما عبوديةٌ للطاغوت أو تحررٌ بعبادةِ ربِّ العباد. وهي مفارقةٌ استوعبها الشعبُ اليمني ببصيرتهِ النافذة، فانحازَ إلى خيارِ الصمود الأبدي؛ فالحقُّ الأبلجُ يقول إنَّ شعباً بأصالةِ اليمن وعراقتِه، لا يمكنُ أن يُقادَ بغيرِ إرادته، ولا يرضى بغيرِ الحريةِ بدلاً، مهما غلتِ الأثمانُ أو عظُمتِ التضحيات.

 الوعي والثبات: حين يصبح الشعب قلعةً منيعة

لم يكن ممكناً لهذا الصمود أن يستمرّ لو لم يكن مبنياً على أساسٍ متين من الوعي الإيماني والثقافة القرآنية التي تشبعت بها مشاعر اليمنيين، فرغم العدوان الذي كان يُراهن على انقسامه وتفككه، فقد أثبت أنه بلغ مستوىً من النضج يجعله يُدرك ما يُحاك له من مؤامرات، فتماسك الصف الداخلي، رغم محاولات إثارة الفتن، وضرب الشعب اليمني ببعضه البعض، كان نتيجة مباشرة لهذا الوعي، العلماء والمشايخ والمثقفون تحرّكوا بمسؤولية، الشباب تحوّلوا من حالة الإحباط إلى حالة التعبئة، والمواطن العادي أصبح جندياً في جبهة الوعي.

خطابات السيد القائد لعبت دوراً محورياً في بناء هذا الوعي، لم تكن خطاباته استهلاكية أو إنشائية، بل كانت دروساً قرآنية تربط بين الصمود والإيمان، بين المعاناة والمسؤولية، بين الألم والأمل، هذه القيادة القرآنية الحكيمة حوّلت الذاكرة الجماعية إلى وقودٍ للصمود والنفير والجهاد، واستثمرت الطاقات في بناء مشروع وطني يرفض التبعية ويصرّ على السيادة والحرية والاستقلال وحين حاول العدو نشر الشائعات والتشكيك في القيادة، صمدت “جبهة الوعي” كما صمدت الجبهات العسكرية.

 الفاعلية في الميدان من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي

الصمود اليمني لم يكن سلبياً، بل كان فاعلاً ومؤثراً في تغيير مجريات الصراع. فشل تحالف العدوان في تحقيق أهدافه المعلنة: فلا هو نجح في “استعادة الشرعية”، ـ كما يزعم ـ ولا دمير الصواريخ الباليستية، ولا قضى على ما أسماها “الحركة الحوثية” بل على العكس، تحوّل اليمن من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم الاستراتيجي، الصواريخ والطائرات المسيّرة وصلت إلى الرياض وأبوظبي، العمليات البحرية في باب المندب والبحر الأحمر أعادت رسم خرائط الجغرافيا السياسية، والمعارك البرية حقّقت انتصاراتٍ متتالية.

هذه الفاعلية أنتجت معادلاتٍ جديدة، لم يعد اليمن “الساحة” التي تُدار فيها الحروب بالوكالة، بل أصبح “اللاعب” الذي يفرض قواعد اللعبة، النظام السعودي، الذي بدأ الحرب بغطرسة، وجد نفسه يواجه أزمةً سياسية داخلية، وخسائر عسكرية واقتصادية كبيرة، وسمعةً إقليمية متهاوية، الإمارات انسحبت تحت وطأة الخسائر، والتحالف بأكمله اعترف إعلامياً بهزائمه، هذا التحوّل لم يكن مصادفة، بل كان نتيجة استراتيجية تجمع بين الصمود الشعبي، والقيادة الحكيمة، والقدرات العسكرية المتطورة.

 الثمرة الواقعية: من الخراب إلى معادلات القوة الجديدة

على الصعيد الميداني، حوّل اليمنيون الدمار إلى فرصة للبناء، الصناعة العسكرية المحلية أصبحت واقعاً، الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الزراعية كالقمح والبن تحقّقت منه نسبة نجاح كبيرة، والإنتاج المحلي ارتفع رغم الحصار، والأهم في كل ذلك الحفاظ على الاستقرار التمويني وسعر العملة اليمنية التي ارتفعت بشكل جنوني في المحافظات المحتلة وتدهورت الحالة المعيشية تحت سلطات العدوان ومرتزقته هذه الإنجازات الاقتصادية، مضافةً إلى الانتصارات الميدانية، رسّخت قناعةً لدى الشعب: الاعتماد على الذات ممكن، والحصار يُكسر بالإرادة.

على الصعيد السياسي، أصبح اليمن أقوى وأكثر استقلالاً، وأكثر حضورا على ملعب التوازنات الإقليمية والدولية و لم يعد يقبل الإملاءات الخارجية، أو يعد يُساوم على سيادته أو قراره، تماسك الدولة والمجتمع كان أولى نتائج الصمود، وفشل الفتن الداخلية أكّد صلابة الجبهة الداخلية، وعلى الصعيد الاجتماعي، أنتج الصمود مجتمعاً أكثر تماسكاً ووعياً، الموظفون صمدوا دون رواتب لسنوات، أسر الشهداء والجرحى حافظت على ثباتها، والتكاتف الاجتماعي بلغ مستويات غير مسبوقة. المرأة اليمنية كانت صانعة للنصر بصبرها ودعمها، والقبيلة اليمنية بتاريخها العريق وقفت كداعمٍ أساسي للمجاهدين، حتى التعليم استمرّ رغم الدمار، ليتعلّم الطلاب أن المعرفة سلاح، وأن الفكر المستقل هو جدار الصدّ الأول ضد الغزو الثقافي.

 اليمن يُعيد رسم خريطة المنطقة

لم تنحصر نتائج الصمود اليمني داخل حدود الجغرافيا اليمنية، بل امتدّت لتُعيد تشكيل التوازنات الإقليمية، معركة (الفتح الموعود والجهاد المقدس)، التي بدأها اليمن دعماً لفلسطين، حوّلت باب المندب والبحر الأحمر إلى ساحات ردع استراتيجي، العالم أدرك أن اليمن لم يعد “ساحة” تُستباح، بل أصبح “لاعباً” يُعيد رسم خرائط الجغرافيا السياسية ويفرض توازن القوى.

النظامان السعودي والإماراتي، اللذان بدآ الحرب كحلفاءَ استراتيجيين لأمريكا وإسرائيل، أصبحا في نظر الشارع العربي “أسوأ من إسرائيل”، هذا التحوّل في السمعة كان نتيجة مباشرة لسياساتهما العدوانية تجاه اليمن، ولارتباطهما بالأجندة الأمريكية الإسرائيلية. وحين حاولت السعودية التواطؤ مع أمريكا وإسرائيل وبريطانيا في أنشطة استخباراتية ضد اليمن، وتشكيل خلايا تجسس لاختراق الجبهة الداخلية، فشلت هذه المحاولات أمام يقظة الجبهة الأمنية.

الأهم من ذلك، أن اليمن لم يغفل عن قضية فلسطين رغم معاناته، صنعاء ظلّت العاصمة العربية الوحيدة التي تشهد مظاهرات ضخمة دفاعاً عن القدس وغزة، وقرار دعم المقاومة الفلسطينية عسكرياً كان موقفاً تاريخياً سجّله اليمن في سجلّ الشرف العربي. هذا الموقف أكّد أن الصمود اليمني ليس مشروعاً وطنياً ضيقاً، بل هو جزءٌ من محور الجهاد والمقاومة الذي يربط بين اليمن ولبنان وفلسطين والعراق وإيران في محورٍ واحد يرفض الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية.

 الدلالات الاستراتيجية.. درس اليمن للأمة

حين تُقرأ تجربة الصمود اليمني في سياق الصراع العام، تتكشّف دلالاتها الاستراتيجية العميقة كدروس خالدة منها:

الدرس الأول: أن الإرادة الشعبية، حين تتسلّح بالوعي والإيمان، قادرةٌ على هزيمة أعتى الآلات العسكرية، كما أن التفوّق المادي لا يحسم المعارك، بل الروحية الجهادية والمعنويات العالية التي تُحرّك الشعوب هي التي تصنع الانتصارات.

الدرس الثاني: أن القيادة الحكيمة، التي تنطلق من مرجعية قرآنية وتربط بين الموقف والمسؤولية، قادرةٌ على تحويل الألم إلى دافع، والحصار إلى حاضنة للابتكار.

الدرس الثالث: أن الدعم الشعبي ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية، القوافل التي تدفّقت من كل قرية ومدينة كانت النسق الثاني للمقاومة، وهي التي أبقت جذوة الصمود مشتعلة حين كان العدو يراهن على انهيار اقتصادي واجتماعي سريع.

الدرس الرابع: أن توازن الردع لا يُبنى بالأسلحة المستوردة، بل بالقدرات المحلية المبنية على الإرادة والمعرفة. الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة اليمنية الصنع أثبتت أن الحصار، رغم قسوته، يمكن أن يُنتج معجزات حين تتوفّر الإرادة.

الدرس الخامس: أن الصراع مع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية ليس صراعاً عسكرياً فحسب، بل هو صراع وجودي يشمل الاقتصاد والثقافة والهوية، العدوان على اليمن لم يكن يهدف إلى تغيير نظام حكم، بل كان يهدف إلى سلب السيادة وإخضاع القرار وتدجين الشعب، وحين رفض الشعب اليمني هذا التدجين، وسياسة الخضوع شنت الإمبريالية الصهيونية العدوان عليه.

اليمن اليوم مدرسةٌ في الصمود والثبات، ونموذجٌ يُدرّس في معاهد الدراسات الاستراتيجية، شعبٌ محاصرٌ بأقسى أنواع الحصار، يُقصف بأعتى الأسلحة، يُحرم من أبسط مقوّمات الحياة، لكنه لم ينكسر، بل على العكس، تحوّل إلى قوة إقليمية تفرض معادلاتها، وتُعيد رسم خرائط القوة، وتُثبت أن الإيمان بالقضية يكسب الأمة عزيمةً لا يمكن لأي حصار أو تهديد أن يُضعفها، هذا هو اليمن الذي حوّل العدوان إلى فرصة، والمؤامرة إلى نهضة، والألم إلى انتصار.

يمنٌ يكتب سيرة صموده بحروفٍ من نور، ليبقى درساً للأجيال ليؤكد أن الحرية لا تُشترى، بل تُنتزع بالتضحية والثبات.

قد يعجبك ايضا