اليمن… شعبٌ تأبى الجغرافيا والتاريخُ أن يركع: قراءة في جذور الاستهداف وأهداف العدوان
الحقيقة _ صادق البهكلي
مقدمة
يشكّل اليمن واحداً من أكثر البلدان حضوراً في سجلات التاريخ الإنساني، ليس فقط لموقعه الجغرافي الفريد ولا لثرائه الحضاري، بل لخصوصية شعبه الذي ظلّ على الدوام رقماً صعباً في معادلات المنطقة. فبلدٌ يمتد تاريخه آلاف السنين، ويجمع بين القوة والهوية والرسوخ الثقافي والديني، لا يمكن إلا أن يكون محطّ أطماع القوى الكبرى. ومن هنا، يبدو العدوان الأمريكي السعودي على اليمن امتداداً لمسار طويل من محاولات السيطرة على شعب صلب المراس، راسخ الإيمان، شديد الاعتزاز بكرامته وهويته.
منذ فجر الحضارات، ظهر اليمنيون كقوة سياسية وعسكرية وتجارية مؤثرة في جنوب الجزيرة العربية. ممالك سبأ وحمير ومعين وحضرموت صنعت حضارة ازدهرت بالزراعة والهندسة وإدارة المياه والتجارة البحرية. واستطاع اليمنيون إنشاء شبكات نفوذ تجاوزت حدود الإقليم، مما جعل أرضهم دائماً محط أنظار القوى العالمية.
ولم يكن هذا التمدد الحضاري رفاهية، بل انعكاساً لطبيعة اليمني نفسه: عنيد، مقاتل، ومتمسك بأرضه، يحوّل الجبال إلى قلاع، والسواحل إلى موانئ منيعة. ومن هنا اكتسبت اليمن سمعتها كـ “اليمن السعيدة” و على مر التاريخ ، وصولاً إلى العصر الحديث لم يعرف اليمنيون الاستسلام.
فمن الأحباش إلى البرتغاليين إلى العثمانيين، ثم البريطانيين، وصولاً إلى محاولات السيطرة الحديثة، ظلّ اليمنيون يواجهون كل من يفكر بانتزاع حريتهم.
و ظلّ اليمنيون يثبتون قدرتهم على خوض الحروب الطويلة، وبرهنوا أن إرادتهم أقوى من كل ترسانة عسكرية حتى في أحلك الظروف وأقساها.
هذا الصمود المتوارث جعل القوى الغازية تفشل في تحقيق أهدافها، مهما امتلكت من سلاح ومال ودعم دولي، وأصبح اليمن بالفعل واحداً من أعلى بلدان العالم كلفة على الغزاة والمحتلين وما سطروه خلال العدوان الأمريكي السعودي الذي استمره في جانبه العسكري لأكثر من ٨ سنوات خير شاهد..
يحمل اليمنيون تاريخاً دينياً فريداً جعل علاقتهم بالإسلام ليست مجرد انتماء، بل هوية متجذرة. فقد كانوا أول شعوب الجزيرة التي آمنت برسالة النبي محمد (صلوات الله عليه وعلى آله ) قبل أن تصلهم الجيوش، وفتحوا له قلوبهم قبل أن تفتح لهم الفتوحات أبوابها.
وفي اللحظات التي خذله فيها قومه في مكة، كان اليمنيون – من الأنصار والأوس والخزرج – أول من آووه ونصروه وبايعوه على الدفاع عنه، فكانوا أنصار الدعوة ومبشّريها الأوائل، ومن اليمن خرج الدعاة الذين نشروا الإسلام في شرق إفريقيا وجنوب شرق آسيا والهند وسواحل الخليج.
هذا التاريخ الروحي والسياسي منح اليمنيين هوية إيمانية ثابتة، قائمة على رفض الظلم والانحياز للمستضعفين، ونصرة الحق و أهله ورفض الطغيان، جعلهم هذه القيم والمبادئ التي تمسكوا بها جعلهم في خط المواجهة مع القوى التي تسعى للهيمنة على المنطقة على امتداد تاريخهم…
وعد اليوم الأمريكي و الصهيوني وادواتهم في المنطقة من الخونة و المنافقين يدركون أن الشعب اليمني ما تزال عزة الإسلام و كرامة الإسلام تتجلى فيه.. و يريدون أن يجعلوه كباقي الشعوب همها قوتها لا كرامتها.
إن التمسّك بالهوية الإيمانية ليس شعاراً لدى اليمنيين، بل واقع أنعكس في سلوكهم السياسي والاجتماعي. فالهوية اليمنية تتأسس على مبادئ:
- الكرامة الإنسانية
- الاستقلال
- نصرة الحق
- مقاومة الظلم
- الارتباط الوثيق بالقضية الفلسطينية
- عداء واضح للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية
هذه الثوابت ليست طارئة، بل امتداد طبيعي لتراث شعبي وديني متجذّر في التاريخ، وهو ما يجعل اليمن – شعباً وقيادة – في مواجهة مباشرة مع مشاريع الاستعمار الحديث.
يحتل اليمن موقعاً لا نظير له:
- الإشراف على باب المندب
- التحكم بخط الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر
- الإطلالة على أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية
- قربه من القارة الإفريقية والأسواق العربية والآسيوية
هذا الموقع جعل اليمن عقدة استراتيجية للقوى الكبرى، فمن يسيطر على اليمن يتحكم عملياً بجزء كبير من حركة التجارة الدولية.
ولهذا لم يكن الموقع مجرد ميزة جغرافية، بل سبباً رئيسياً لاستهداف البلد عبر التاريخ.
وإلى جانب ما يتحلّى به الشعب اليمني من قيمٍ إيمانية راسخة، وإباءٍ يأبى الخضوع، وشهامةٍ وفروسيةٍ تجذّرت في تاريخه، فقد وهبه الله أيضاً موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، جعل من اليمن رقماً لا يمكن تجاوزه في خرائط السياسة الدولية.
يحتل اليمن موقعاً لا نظير له:
- الإشراف على باب المندب
- التحكم بخط الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر
- الإطلالة على أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية
- قربه من القارة الإفريقية والأسواق العربية والآسيوية
هذا الموقع جعل اليمن عقدة استراتيجية للقوى الكبرى؛ فمن يسيطر على اليمن يتحكم عملياً بجزء كبير من حركة التجارة الدولية.
ولهذا لم يكن الموقع مجرد ميزة جغرافية، بل سبباً رئيسياً لاستهداف البلد عبر التاريخ.
وليس الموقع الجغرافي هو الوحيد ما يميز اليمن بل ثروات هائلة:
- احتياطيات نفط وغاز كبيرة
- ثروات معدنية: ذهب، نحاس، زنك، يورانيوم، معادن نادرة
- شواطئ تمتد لأكثر من 2500 كيلومتر
- موانئ طبيعية هي الأفضل في الجزيرة العربية
- أراضٍ زراعية واسعة
- ثروة سمكية متنوعة
هذه الثروات – إلى جانب الموقع – جعلت اليمن هدفاً للأطماع الدولية، ودفعت قوى كبرى لإدراج البلد ضمن مخططاتها الاقتصادية والعسكرية.
وفي هذا السياق، لم تكن القوى الاستعمارية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، بعيدة عن أطماعها القديمة المتجددة تجاه اليمن. فمنذ عقود وهي تبحث عن الذريعة المناسبة التي تفتح لها باب التدخل المباشر في بلدٍ تدرك أهميته الاستراتيجية. وقد برز ذلك بوضوح منذ بداية الألفية الثانية حين جرى تضخيم حادثة تفجير المدمّرة الأميركية “كول” وجرّ اليمن قسراً إلى دائرة الاتهام بالإرهاب، في محاولة لخلق بيئة سياسية وإعلامية تمهّد للتدخل العسكري.
واليوم، تعيد أمريكا الأسطوانة نفسها عبر السعي لتصنيف الشعب اليمني بأسره كـ”إرهابي”، في خطوة تكشف رغبتها في شرعنة العدوان، وفتح الطريق أمام السيطرة على موقع اليمن الجيوسياسي ونهب ثرواته الظاهرة وما يخفيه باطن الأرض من كنوز لم تُستغل بعد. إنها سياسة استعمارية مكشوفة، تقوم على صناعة فزّاعة الإرهاب لتبرير الاحتلال، تماماً كما فعلت في دول أخرى حول العالم.
غير أن هذه المحاولات، مهما تنوّعت أدواتها، لن تحقق أهدافها؛ فالشعب اليمني بات أكثر وعياً بنوايا أمريكا وأطماعها، وأكثر إدراكاً لخطورة مشاريع الهيمنة التي تتحرك خلف خطاب “مكافحة الإرهاب”. ولعلّ سنوات العدوان الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن اليمنيين، بصلابتهم ووعيهم وهويتهم الإيمانية، قادرون على إسقاط هذه الذرائع كما أسقطوا قبلها محاولات الغزو عبر التاريخ.
تتعامل الولايات المتحدة مع اليمن كجزء من استراتيجيتها للهيمنة على المنطقة.
ويتجسد ذلك في عدة أهداف:
أولاً: ترويض الشعب اليمني وكسر هويته
إن تمسّك اليمنيين بهويتهم الإسلامية المستقلة يضعهم تلقائياً في مواجهة المشروع الأمريكي في المنطقة، القائم على صناعة أنظمة تابعة. وبالتالي، يصبح إخضاع اليمن مسألة أمن قومي أمريكي.
ثانياً: السيطرة على الموقع الجيوسياسي
وجود قوة مستقلة ترفع شعار الحرية وتقف ضد الهيمنة في موقع حساس كباب المندب يشكّل تهديداً مباشراً للمصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ثالثاً: منع اليمن من استغلال ثرواته
دولة يمنية مستقلة وقوية ستكون لاعباً إقليمياً مؤثراً، يمتلك قدرات اقتصادية ضخمة قد تغيّر ميزان القوى في المنطقة، وهذا ما لا تريده واشنطن.
رابعاً: ضمان أمن الكيان الإسرائيلي
الموقف اليمني الصارم تجاه إسرائيل يمثل تحدياً للمشاريع الأمريكية في البحر الأحمر والجزيرة العربية.
العدوان العسكري والاقتصادي… أوجه متعددة لهدف واحد
منذ بداية وقت طويل و العين الصهيوامريكية تراقب اليمن وتحاول كتم أي صوت حر ووأد أي مشروع يمني يسعى لنهضة اليمن فقد اغتالوا الحمدي بعد أن أثبت نجاحه وضربوا القبائل اليمنية ببعضها البعض، و بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر افرغوا اليمن من قدراته العسكرية المتواضعة نهبوا السلاح وجردوا الجيش اليمني من قدرات الردع وزجوا به في عدوان على شعبه منذ ٢٠٠٤م ومن ذلك الوقت و اليد الأمريكية تعبث في اليمن ولما اسقط الشعب اليمني هيمنتها في ثورة شعبية في الواحد والعشرين من سبتمبر ٢٠١٤م شنت عدوان إجرامي بمعية دول المنطقة في المقدمة السعودية و الإمارات في مارس 2015، وتم الإعلان عنه من واشنطن واتخذت الحرب أشكالاً مختلفة:
- عدوان عسكري واسع
- حصار اقتصادي خانق
- محاولات تفكيك البلد
- احتلال الجزر والموانئ
- تعطيل عجلة الاقتصاد
- حرب إعلامية ونفسية
- دعم مرتزقة ومليشيات محلية لتنفيذ الأجندات الخارجية
ثم عدوان أمريكي مباشر استمر لأكثر من شهرين دفاعا عن الإجرام الصهيوني ومحاولة تركيع الشعب اليمني ومنعهم من القيام بواجبهم الديني في إسناد الشعب الفلسطيني المظلوم.
لكن الهدف النهائي كان واحداً: إعادة اليمن إلى دائرة النفوذ الأمريكي – السعودي، ومنع قيام دولة مستقلة ذات سيادة.
أثبت اليمنيون، خلال سنوات الحرب، قدرة غير مسبوقة على التكيّف والصمود.
فمن بلد كان يُنظر إليه على أنه الأفقر في المنطقة، استطاع أن:
- يبني قدرات عسكرية نوعية
- يحقق اكتفاءً ذاتياً في أسلحة الردع المحلية
- يطوّر قدرات بحرية وجوية مؤثرة
- يفرض حضوره على المعادلات الإقليمية
- يتحوّل من الدفاع البحت إلى فرض قواعد اشتباك جديدة
ولعلّ التحول الأبرز كان انتقال اليمن من موقع “الضحية” إلى “الفاعل”، قادراً على التأثير في الممرات البحرية الإقليمية وفرض معادلات جديدة في البحر الأحمر.
هذا الأمر زاد من قلق الصهاينة، وبات رعب صعود اليمن وتطور قدرتها العسكرية يدق افئدة الصهاينة، و يريدون – عبثا – التصدي لليمن و هو ما يزال في خطواته الأولى نحو بناء قدرات عسكرية نوعية رادعة..
لم يكن دعم اليمن لفلسطين موقفاً سياسياً عابراً، بل امتداداً لتاريخ طويل من الإيمان بالقضية.
فالهوية اليمنية، القائمة على نصرة المستضعفين، جعلت الشعب اليمني أكثر الشعوب العربية ثباتاً في مواقفه تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه العدو المحتل.
وقد تحول اليمن إلى صوت قوي في مواجهة التطبيع، وإلى قوة مؤثرة في المعركة الإقليمية الكبرى التي تحاول واشنطن حماية إسرائيل فيها.
في المحصلة، يبدو واضحاً أن الاستهداف الأمريكي لليمن ليس وليد اللحظة، بل امتداد لصراع طويل بين شعب حرّ وقوى تُحاول إخضاعه.
فبلد يمتلك تاريخاً حضارياً عظيماً، وهوية إيمانية راسخة، وموقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، وثروات هائلة، وشعباً يقاتل دفاعاً عن كرامته ووجوده… لن يكون بلداً سهلاً على المتربصين.
ولهذا سيبقى اليمن — كما كان دائماً — عصياً على الهيمنة، وصامداً رغم كل التحديات، وماضياً في ترسيخ مكانته كواحد من أهم الشعوب المدافعة عن الحرية والهوية في المنطقة العربية.