اليمن في زمن الحرب المفتوح: ضبط المعلومة شرط للصمود والانتصار

الصمت الواعي في زمن الحرب: كيف ينتصر اليمن قبل أن يُطلق الرصاصة

من السلاح إلى الوعي: لماذا تُعد السرية اليوم خط الدفاع الأول لليمن؟

السرية في المشروع القرآني: رؤية يمنية لحماية الدم والهوية والسيادة

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

في زمنٍ تتسارع فيه أدوات الهيمنة الرقمية، وتتحول فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات اشتباك موازية للجبهات العسكرية، تبرز السرية والكتمان بوصفهما أحد أخطر وأهم أسلحة المواجهة بين القوات المسلحة اليمنية من جهة، والعدو الإسرائيلي وداعمه الأمريكي من جهة أخرى.

فالمعركة اليوم لم تعد مقتصرة على الصواريخ والطائرات، بل امتدت إلى ميدان الوعي، حيث تُدار الحروب على الإدراك، وتُصنع الهزائم أو الانتصارات قبل أن تُطلق أول رصاصة.

المعلومة.. من حق فردي إلى مسؤولية جماعية

أدت الطفرة الرقمية إلى تآكل الحدود بين ما هو فردي وما هو عام، وبين الخاص والمشاع.

وبات الاستعراض الرقمي نمط حياة، تُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات والتفاعلات، حتى في أخطر القضايا وأكثرها حساسية.

هذا التحول، وإن بدا بريئًا، إلا أنه أضعف المناعة الفكرية للمجتمع، وفتح الأبواب أمام توجيه السلوك والوعي، وتحويل المواطن دون أن يشعر إلى مصدر معلومات مجاني يخدم غرف عمليات العدو.

في سياق الصراع، تصبح المعلومة العسكرية أو الأمنية أو حتى المعنوية، أمانة جماعية، لا يملك الفرد حق التصرف بها خارج إطار المصلحة العامة.

فالكلمة، والصورة، والتعليق، قد تتحول إلى “إحداثية” تُسهم في الاستهداف، أو أداة تُستخدم لتحطيم المعنويات وبث الشك والخوف.

 السرية: ضرورة وجودية لا خيارًا ترفيهيًا

تطرح المقاربات الفكرية المعاصرة السرية لا بوصفها سلوكًا انعزاليًا أو تقييدًا للحرية، بل كضرورة وجودية لحماية المجتمع وصون الهوية.

فالانكشاف المعلوماتي، في ظل سيطرة دول الهيمنة على منصات التواصل، وأدوات التجسس والمراقبة، لم يعد مجرد خطأ، بل قد يتحول إلى أداة قتل مادي أو معنوي.

تعريفًا، تُفهم السرية لغويًا بوصفها الكتمان وعدم الإذاعة، واصطلاحيًا باعتبارها ضبط تداول المعلومات الحساسة بما يمنع وصولها إلى غير أهلها.

إذ أنها لا تقتصر على حالات الاضطهاد المباشر، بل تمتد إلى السلوك الفردي والجماعي في الحياة اليومية، والعمل العسكري، والسياسي، والأمني.

 التطور التقني.. العدو الخفي

لم تعد السرية اليوم مرتبطة فقط بظروف المطاردة أو القمع، بل فرضها التطور التقني ذاته.. فالقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تعتمد على البيانات الضخمة، والمراقبة الشاملة، والإعلام الموجّه كسلاح استراتيجي.

الهواتف الذكية، والتطبيقات، ومنصات التواصل، تحولت إلى أدوات جمع معلومات، تُحلل وتُربط وتُستخدم في رسم بنك أهداف شامل.

ويرى خبراء ومراقبون أن الإفراط في النشر، خاصة في أوقات الحرب، يمنح العدو “إحداثيات مجانية”، تُسهم في عمليات الاستهداف والاغتيال، وتُسهل قراءة المزاج العام، ورصد نقاط الضعف، وإدارة الحرب النفسية بفاعلية أعلى.

 البعد الشرعي: حفظ الدم مسؤولية

يحتل البعد الشرعي حيّزًا مركزيًا في مقاربة السرية، حيث يُعد حفظ الدم الإنساني، ولا سيما دم المسلم، أصلًا ثابتًا في التشريع الإسلامي.

ويؤكد علماء ومفكرون أن إفشاء الأسرار، متى ما أدى إلى قتل أو إضرار جماعي، يرتقي إلى مستوى الخيانة والإثم العظيم وبحكم الفاعل.

وتستند هذه الرؤية إلى نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تُحمّل مذيع السر مسؤولية جسيمة، قد تصل من حيث الأثر والنتيجة إلى مساواته بالقاتل.

فالتسبب في القتل، ولو بطريق غير مباشر، جريمة لا تُخففها حسن النية ولا يبررها الجهل بخطورة الفعل.

 السرية كحكم مرحلي ملزم

يخلص عدد من الخبراء إلى أن السرية، وإن كانت من الأحكام الظرفية المرتبطة بتقدير المصلحة، إلا أنها في المرحلة الراهنة تكتسب صفة الإلزام.

فالظروف التاريخية الراهنة، بما تحمله من تهديدات وجودية، وتشابك أدوات الهيمنة والسيطرة، تجعل من الكتمان واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا ودينيًا.

إن تشابه اللحظة الراهنة مع محطات تاريخية خطرة مرّت بها الأمة، يفرض إعادة تعريف “الحرية” و ”التعبير” ضمن سياق الصراع، بحيث لا تتحول إلى أدوات هدم ذاتي، أو جسور عبور للعدو.

 نقد الفردانية الليبرالية

في بعدها الأخلاقي، تنتقد هذه المقاربة النزعة الفردانية الليبرالية التي تُقدّم الرغبة الشخصية وحرية التعبير المنفلتة على حساب المصلحة العامة.

ففي المنظور الجهاد ومحاربة الإعداء، لا تنفصل الأخلاق بين الفرد والجماعة، بل تقوم على المسؤولية المشتركة، حيث تُقاس الأفعال بنتائجها، لا بنوايا أصحابها فقط.

إن تحويل “السبق” و”الترند” إلى قيمة عليا، حتى في قضايا الحرب، يعكس خللًا في سلم الأولويات، ويُعيد إنتاج الهزيمة في الوعي قبل أن تقع على الأرض.

 صناعة الوعي: المعركة الحاسمة

في المحصلة، يتضح أن الوعي الحقيقي يبدأ من ضبط المعلومة، فالمعركة المعاصرة ليست فقط في ميادين القتال، بل في ميدان الإدراك، حيث تُصاغ الروايات، وتُبنى القناعات، وتُدار الحروب النفسية.

هنا، تصبح السرية فعلًا مقاومًا بامتياز، وسلوكًا دفاعيًا، وأداة أساسية في حماية المجتمعات من التفكيك والاختراق والهزيمة قبل وقوعها.

وفي مواجهة العدو الإسرائيلي وداعمه الأمريكي، حيث تُستخدم كل أدوات التكنولوجيا والإعلام لإخضاع الشعوب، فإن الكتمان الواعي، والمسؤول، ليس تراجعًا، بل تقدم محسوب، يحفظ القوة، ويُفشل رهانات الخصم، ويمنح المجتمع فرصة الصمود والانتصار، إنها معركة وعي.. ومن يحسن إدارة المعلومة، يحسن إدارة الحرب.

 السرية وعيٌ يحمي الوطن ويصون الدم

في ختام هذا التقرير، تتأكد حقيقة مركزية لا تحتمل التأجيل أو التساهل: إن أخطر ما يواجه المجتمعات في زمن الحروب المفتوحة ليس فقط سلاح العدو، بل تسرب الوعي من الداخل عبر كلمة غير محسوبة، أو صورة في غير موضعها، أو معلومة أُذيعت بلا إدراك لعواقبها.

فالسرية اليوم لم تعد مسألة أمنية تخص المؤسسات وحدها، بل تحولت إلى ثقافة عامة ومسؤولية جماعية، يبدأ حملها من الفرد قبل أن تنتهي عند الدولة.

إن الالتزام بالكتمان وضبط تداول المعلومات هو جزء أصيل من معركة الصمود، وركن أساسي في حماية الدماء، والحفاظ على الجبهة الداخلية متماسكة وقادرة على مواجهة الحرب النفسية والتضليل الإعلامي.

فكل معلومة تُحفظ في وقتها، وكل سرّ يُصان، هو خطوة في طريق إفشال مخططات العدو، ومنع تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة استباحة مجانية.

وفي مواجهة عدوّ يمتلك أدوات مراقبة وتجسس وإعلام هائلة، تصبح اليقظة والوعي والانضباط الأخلاقي عناصر قوة لا تقل شأنًا عن السلاح في الميدان. فالنصر لا يُصنع فقط بإتقان الضربة، بل أيضًا بإحكام الصمت حين يكون الصمت حماية، وبالتمييز بين حق المعرفة وواجب الكتمان.

من هنا، فإن السرية الواعية ليست خوفًا ولا انكفاءً، بل شجاعة مسؤولة، ووفاء لتضحيات المجاهدين في سبيل الله، وضمانة لاستمرار المعركة حتى تحقيق أهدافها الكبرى.

قد يعجبك ايضا