اليمن يرسم معادلات القوة العسكرية في المنطقة ويستعيد السيادة البحرية
ـ اليمن: صعود القوة العسكرية، تغيير معادلات الصراع، واستعادة السيادة البحرية
ـ جرأة العمليات اليمنية: من الدفاع إلى صناعة الردع
ـ اليمن لاعب إقليمي جديد يفرض قواعد اشتباك غير مسبوقة
الحقيقة ـ جميل الحاج
منذ السابع من أكتوبر، ومع انطلاق عمليات الإسناد اليمنية بمراحلها الخمس دعماً لغزة، تفاجأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون من مستوى التكتيك اليمني وقدرته على إدارة معركة متعددة الجبهات.
فقد برزت القوات المسلحة اليمنية كفاعل عسكري مستقل، يمتلك جرأة استثنائية وقدرة عملياتية مباغتة، حتى أن المخابرات الأمريكية والصهيونية أقرت بصعوبة التنبؤ بخطوات القيادة اليمنية، واصفةً قيادتها العسكرية بأنها صاحبة قرار سريع وحاسم وأن “أيدٍيها خفيفة على الزناد”.
هذا التحول لم يقتصر على البعد العسكري فقط، بل أعاد صياغة معادلات الصراع الإقليمي وفرض قواعد اشتباك جديدة على البحر والجو والسواحل، في لحظة سياسية حساسة تشهد مساعي أمريكية لتثبيت واقع جديد في المنطقة، بما يعزز من هيمنتها وخدمتا للمشروع الإسرائيلي المسمى ” إسرائيل الكبرى”.
جرأة عملياتية تعترف بها واشنطن وتل أبيب
أظهرت العمليات اليمنية مستوى نادراً من الجرأة العسكرية، تجاوز حدود الدفاع إلى بناء قدرة ردعية فاعلة ضد الأعداء.
فالتكتيك اليمني، كما وصفتْه أجهزة استخبارات أمريكية، تميز بالدقة والابتكار والقدرة على اتخاذ قرار هجومي حاسم في وقت قصير، ما جعل اليمن قوة غير قابلة للتوقع.
كما أن الالتزام اليمني بتنفيذ التهديدات، منذ أول بيان عسكري نصرةً لغزة، خلق مصداقية ردعية لم توفرها جيوش أكبر.
فقد نُفذت جميع التهديدات المعلنة، وتوسع نطاق العمليات البحرية والجوية بشكل أربك النظام العسكري الإسرائيلي والدفاعات الأمريكية.
دعم غزة يتحول إلى مشروع إقليمي لتغيير موازين القوة
منذ دخول القوات اليمنية بشكل مباشر على خط دعم الشعب الفلسطيني، تحولت الحرب على غزة إلى صراع إقليمي مفتوح، انكسرت معه هيمنة الاحتلال على جبهته الجنوبية.
تجاوزت عمليات الإسناد اليمنية حدود التضامن اللفظي إلى الفعل العسكري المنظم، من خلال ضربات استهدفت الملاحة المرتبطة بالكيان في البحرين الأحمر والعربي وصولا إلى المحيط الهندي، وأخرى وصلت إلى العمق الفلسطيني المحتل.
وبذلك، غيّر اليمن موقعه الإقليمي من لاعب متضامن إلى قوة تغيير حقيقية تؤثر في مسار الحرب ومستقبل المنطقة.
حققت القوات المسلحة اليمنية عدة نتائج بارزة، أبرزها:
ـ تعطيل ميناء إيلات بالكامل.
ـ فرض حظر جوي غير معلن على مطار بن غوريون منذ مايو الماضي.
ـ إجبار شركات الطيران العالمية على تجنب أجواء فلسطين المحتلة.
ـ ضرب السياحة في إيلات واستهداف مطار رامون.
ـ توسيع دائرة الردع لتشمل البحر الأحمر وباب المندب.
ـ هذه التطورات عمّقت أزمة الاحتلال، ووسعت جبهة الضغط العسكري ضده.
ـ الحرب الأمريكية في البحر الأحمر: 2800 غارة بلا نتائج
رغم تنفيذ الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي أكثر من 2800 غارة على اليمن خلال العامين الماضيين، فإن نتائجها كانت محدودة.
فقد فشلت هذه الهجمات في التأثير على القدرات العسكرية اليمنية أو إضعاف منظوماتها الصاروخية.. بل أدت إلى تسريع التطوير العسكري اليمني وإدخال الصواريخ الفرط صوتية الانشطارية، التي باتت اليوم جزءاً من معادلة الردع الإقليمي.
ومع تصاعد المواجهة البحرية، لم تعد حاملات الطائرات الأمريكية محصنة كما في السابق. فقد استطاعت الصواريخ المجنحة والطائرات المسيّرة اليمنية الوصول إلى القطع البحرية، وأجبرت الأسطول الأمريكي على الانسحاب شرقي البحر الأحمر لتجنب الاستهداف والتدمير.
وتشير التقديرات إلى أن عدة ضربات أصابت سفن أمريكية إصابات مباشرة أو قريبة، ما أدى لانسحاب تكتيكي متكرر، وفقدان القدرة على فرض السيطرة.
حملة عسكرية بلا أهداف محققة
قادت واشنطن عملية “حارس الازدهار” لحماية السفن المرتبطة بالعدو الإسرائيلي، إلا أن الهجمات اليمنية لم تتوقف، والقطع البحرية الأمريكية واصلت الانسحاب بعد كل مواجهة. فشل هذه العملية أجبر الولايات المتحدة على توسيع ضرباتها لتشمل المدن والموانئ اليمنية، لكن من دون أي نتيجة استراتيجية تذكر.
واستهداف المقاتلات الأمريكية لمواقع سبق قصفها، أو مناطق بلا أهداف عسكرية، كشف حالة ارتباك كبيرة في التقدير، وعجزاً عن تحديد مواقع منصات الإطلاق اليمنية المتنقلة، وهو ما فاقم خسائر واشنطن ونسف هيبتها العسكرية.
ترسانة متطورة تستعصي على الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية وتمتلك القوات المسلحة اليمنية اليوم منظومة ردع نوعية تشمل:
ـ صواريخ مجنحة دقيقة بعيدة المدى.
ـ طائرات مسيّرة قادرة على التخفي والمناورة.
ـ صواريخ باليستية فرط صوتية أصابت العمق الإسرائيلي.
ـ منظومات سيبرانية وكمائن بحرية مبتكرة.
هذه القدرات جعلت اليمن القوة الفعلية المسيطرة على البحر الأحمر وباب المندب، وحولت الممرات المائية إلى ساحات اشتباك مفروضة بشروط القيادة اليمنية.
اعتراف صهيوني بالتهديد اليمني، وقد أجمعت وسائل إعلام غربية وإسرائيلية على أن الضربات التي استهدفت قيادات حكومية يمنية لن تؤثر على القدرات العسكرية اليمنية.
فايننشال تايمز، أسوشيتد برس، وول ستريت جورنال، وجيروزاليم بوست أكدت جميعها أن:
القادة الذين استشهدوا لم يكونوا في مواقع عسكرية حساسة.
واعترفت صحيفة “جيروزاليم بوست” الصهيونية أن الغارات الجوية التي شنها العدو الإسرائيلي على العاصمة صنعاء وعدد من المناطق اليمنية لم تحقق أهدافها، بل أتت بنتائج عكسية تصب في مصلحة “الحكومة في صنعاء”.
وبحسب الصحيفة، فإن الضربات الجوية التي طالت شخصيات سياسية يمنية بارزة من حكومة صنعاء منحتهم فرصة أكبر لحشد التأييد الشعبي، وإبراز أنفسهم كقوة مواجهة للكيان الصهيوني في قلب المنطقة.
ونقلت الصحيفة عن مصادر إسرائيلية معارضة أن الهجمات الجوية “عززت من شرعية الحكومة في صنعاء داخلياً، ورسخت صورتهم كخط الدفاع الأول عن الأمة في مواجهة العدوان الإسرائيلي”، مؤكدة أن معظم الشهداء الذين ارتقوا لم يكونوا من الصف الأول في القيادة العسكرية، ما يجعل الضربات فاقدة لأي تأثير استراتيجي.
وأكدت وكالات عالمية منها “أسوشيتد برس”، “وول ستريت جورنال”، و”جيروزاليم بوست” أن الجيش اليمني عزز قدراته رغم الضربات، وأن الردع اليمني بات صعب الكسر.
كما أشارت تقارير إلى أن العدو الإسرائيلي يحاول منذ بدء العمليات اليمنية المساندة لغزة فتح ثغرات استخباراتية في اليمن، لكنه فشل في إحداث اختراق ذي قيمة.
لم يعد البحر الأحمر ممراً أمريكياً آمناً.. فقد فرضت العمليات اليمنية واقعاً جديداً جعل مرور السفن المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي محضورة ومحفوفاً بالمخاطر، وباتت واشنطن أمام مشهد بحري استراتيجي مختلف:
فقدان القدرة على حماية سفنها، وخسائر متصاعدة في المعدات، وتهديد متواصل لحاملات الطائرات، وشلل شبه تام في فعالية عمليات “حارس الازدهار”.
دفاع الولايات المتحدة المستميت عن الكيان المحتل في الشرق الأوسط لم يكن مجرد التزام تحالف، بل هو جزء من مشروع جيوسياسي لإعادة رسم خارطة المنطقة، وترسيخ الكيان الصهيوني المحتل كقوة إقليمية مهيمنة.
وقد شكلت عمليات الجيش اليمني في البحر الأحمر وباب المندب ضربة قاصمة لهذا المخطط، حيث استطاعت القوات المسلحة اليمنية فرض سيطرة فعلية على أهم الممرات البحرية في العالم، مما جعل واشنطن تتخبط في ردود فعلها العسكرية، وتتكبد خسائر لم تعلن عنها بشكل رسمي.
جاء الاعتداء الصهيوني الذي استهدف رئيس حكومة الإنقاذ وعدداً من رفاقه ليكشف أزمة العدو، الذي عجز عن التصدي للصواريخ اليمنية فلجأ للانتقام من الرموز المدنية.
غير أن هذا الاغتيال الغادر صعّد حالة الاستنفار اليمني، وأظهر وحدة الموقف الرسمي والشعبي في دعم غزة، مؤكداً أن القضية الفلسطينية ليست شعاراً، بل التزاماً يكتب بالتضحيات.
ختاما: لقد أصبحت اليمن قوة إقليمية قادرة على التأثير المباشر في الأمن البحري والردع الجوي، وفاعلاً استراتيجياً يفرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة.
وتدل المؤشرات على أن المشهد القادم سيشهد مزيداً من التصعيد، وأن اليمن يمتلك أوراقاً عديدة لم يكشف عنها بعد.
ما يجري اليوم ليس مجرد صراع بحري، بل تحول تاريخي في ميزان القوة، قد يكون بداية لانحسار النفوذ الأمريكي في المنطقة، وبروز يمن جديد قادر على حماية سيادته، ودعم فلسطين، وصياغة مستقبل مختلف للشرق الأوسط.