اليوم الوطني للصمود.. قائد الثورة يرسم خريطة الوعي الاستراتيجي لشعب يرفض الذل ويختار المواجهة
خاص – الحقيقة
في الذكرى الحادية عشرة ليوم الصمود الوطني ألقى قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي كلمة بالغة الدلالة، لم تكن مجرد خطاب مناسبة بل رؤية استراتيجية شاملة تُقرأ كوثيقة تاريخية تُلخص فلسفة الصمود اليمني وتكشف أبعاد المعركة الوجودية التي يخوضها شعب يؤمن أن كرامته الإيمانية أغلى من أي ثمن.
أتبدأ السيد عبد الملك حديثه بآيات قرآنية من سورة آل عمران والأحزاب قال الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في القرآن الكريم:
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران:173].
وقال “جَلَّ شَأنُهُ”: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}[الأحزاب:22]. وهذه الآيات هي العنوانُ الأسمى لمعركةِ (النفس الطويل)، والمنهجُ الذي استقى منه الشعبُ اليمنيُّ ثباتَه أمامَ جحافلِ البغي؛ فما كانَ حشدُ الأحزابِ إلا صقلاً للإرادة، وما كانَ وعيدُ المعتدينَ إلا دافعاً للتوكلِ على العزيزِ القهار، لتظلَّ هذه الكلماتُ هي الردَّ الخالدَ لكلِّ حصار، والسلاحَ الأمضى في وجهِ كلِّ استكبار، ثم انطلق في تحليل عميق يربط بين الواقع اليمني والمخطط الصهيوني الإقليمي، ويُفكِّك أوهام الاستسلام ويُبرز قيمة الموقف الحق في ميزان الدنيا والآخرة، الكلمة لم تكتفِ بسرد الوقائع؛ بل قدمت قراءة استراتيجية ناضجة تُعيد صياغة مفهوم الصمود كخيار حضاري وديني يتجاوز الدفاع التكتيكي إلى بناء الوعي الجماعي الذي يحمي الأمة من الانهيار الأخلاقي والسياسي.
الصمود ليس دفاعاً بل هوية وجودية للشعب اليمني
- بدأ قائد الثورة بالإشارة إلى دلالة هذه المناسبة المهمة: “هذه المناسبة هي ذات أهمية كبيرة، ولها مدلولها المهم، وأول ما تعنيه لنا، هو: التمجيد للموقف الحق لشعبنا اليمني المسلم العزيز، في صموده وثباته في مواجهة العدوان الظالم الغاشم، لتحالف العدوان، والظلم، والإجرام، والإثم، الأمريكي السعودي، على شعبنا اليمني العزيز” فموقف الشعب اليمني أمام هذا العدوان الإجرامي هو الصمود كخياراً وجودياً يليق بكرامته الإنسانية وعزته الإيمانية، فالصمود اليمني لم يكن كمجرد رد فعل على عدوان وحسب، بل كموقف حكيم وراشد ومسؤول أثبت أنه الخيار الوحيد الذي حفظ له حريته وكرامته، فلم يكن أمامه سوى خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام الذي يؤدي إلى خسارة الحرية والكرامة والحقوق المشروعة والقبول بالذل والاستعباد، أو الصمود الذي يمثل التحرر الحقيقي من عبودية الطاغوت، هنا يبرز السيد عبد الملك بُعداً استراتيجياً عميقاً: الصمود ليس تكتيكاً زمنياً بل هو تعبير عن انتماء إيماني أصيل جعل الشعب اليمني يقف موقفاً صحيحاً أمام طاغوت العصر الأمريكي، حتى لو كان العدوان يأتي بأدوات إقليمية ومحلية، ولقد جسد الشعب اليمني بهذا الموقف حقيقة تاريخية بل سنة إلهية وهي أن الشعوب التي تختار الكرامة لا تُهزم، وأن الثبات على الحق يصنع نصراً معنوياً يفوق كل حسابات القوة المادية.
الصمود مشروع جماعي صنع المتغيرات أمام الشعب اليمني
لم يكتفِ قائد الثورة بالحديث عن الصمود كموقف عام، بل سلط الضوء على النموذج الحي لهذا الصمود في المقدمة كان الشهداء رضوان الله عليهم الذين قدموا أرواحهم، وأسرهم الصابرة المحتسبة، والجرحى والأسرى، والمرابطون في الجبهات وأهاليهم، ثم امتد الإسهام ليشمل كل فئات الشعب: العلماء الذين استشهدوا واستشهد أبناؤهم، والأكاديميين، والشخصيات الاجتماعية، والشباب والشيوخ، والنساء اللواتي قدمن تضحيات عظيمة، ” ثم كل الذين أسمهموا في كل المجالات: بالعطاء، والجهد، والعمل، والإنفاق في سبيل الله… ومختلف الجهود، التي تثمر الصمود والثبات والتماسك، في المجالات: الثقافية، والتعليمية، والعسكرية، والأمنية، والخيرية، والاقتصادية، والسياسية، والإعلامية… في مختلف المجالات رسمياً وشعبياً وهذا العطاء الشامل هو ما أنتج التماسك والثبات. وهنا يأتي البُعد الاستراتيجي الذي أبرزه قائد الثورة: هذا العطاء يجب أن يُحوَّل إلى موروث تاريخي خالد من خلال الكتابة والتوثيق والأنشطة التعليمية والإعلامية، ليصبح مدرسة ملهمة للأجيال، مدرسة مهمة جداً، ومفيدة، ومعطاءة بالدروس والعبر.
إنها دعوة لصناعة الذاكرة الجماعية التي تحول التضحيات إلى قوة دافعة، وتمنع الأعداء من طمس هذا السجل الذي يشهد على عظمة الشعب وأخلاقه العالية.
القيمة الأخلاقية للصمود.. مواجهة حملات التدجين والروحية الانهزامية
انتقل السيد عبد الملك إلى بعد أخلاقي وثقافي أعمق، معتبراً الصمود مبدأً عظيماً يجب ترسيخه في الوجدان والرأي العام، في مواجهة حملات اليهود الصهاينة وعملائهم التي تهدف إلى تدجين الأمة وترسيخ الروح الانهزامية، كما انتقد قائد الثورة التوجه الرسمي العربي الذي يوظف كل إمكانات التعليم والإعلام لخدمة الولاء لأمريكا وإسرائيل، هنا يُفكِّك السيد عبد الملك الصراع على مستوى المبادئ: معركة بين الصمود في الموقف الحق والجهاد في سبيل الله من جهة، وبين الاستسلام والخضوع للطاغوت من جهة أخرى، وهذا الموقف العربي ـ كما يوضح ذلك السيد عبد الملك ـ يتباين مع الموقف والخطاب القرآني بشكل تام فالقرآن الكريم يرسِّخ لدينا النظرة إليهم: إلى أنهم أعداء لنا، ومستوى عداوتهم: أنَّهم الأشد عداوةً لنا، وحرَّم الولاء لهم بأشدِّ التحريم، بأشدِّ التحريم، وعدَّه نفاقاً، وجعله أبرز صفة تُعَرِّف المنافقين: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[النساء:139] وأنهم أهل شَرّ، وإضلال، والإفساد: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا}[المائدة:64]، ، والواقع يشهد؛ المصاديق يومية على طغيانهم، وظلمهم، وإجرامهم، وأن الله أمرنا بقتالهم، ووعدنا بالنصر، إذا تحركنا في إطار المسؤولية الجهادية وفق تعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}[التوبة:14].
مظلومية الشعب اليمني.. عدوان شامل يستهدف كل مقومات الحياة
في أحد أقسى أجزاء الكلمة، رسم قائد الثورة صورة دامغة لمظلومية الشعب اليمني التي تعد من أكبر المظلوميات على وجه الأرض، واصفاً العدوان الأمريكي السعودي بأنه ظالم في أصله وأهدافه وممارساته، يهدف إلى إخضاع الشعب اليمني لأمريكا وإسرائيل، وسلب قراره وسيادته، وحرمانه من ثرواته، واحتلال أرضه، ثم قدم إحصائيات صادمة تكشف وحشية العدوان: نحو ستين ألف شهيد وجريح مدني، مليون وأربعمائة ألف توفوا بسبب الحصار والأمراض وسوء التغذية، تدمير مئات المرافق الصحية والتعليمية والكهربائية والاتصالات والموانئ والمطارات، وآلاف المنشآت الغذائية والزراعية، ومئات الآلاف من رؤوس المواشي، وآلاف المساجد والمقابر والمواقع الأثرية. كما أبرز نهب الثروة النفطية التي كانت تُغطي المرتبات والخدمات، والخسائر التي تجاوزت سبعة وخمسين مليار دولار، هذا التفصيل ليس سرداً للأرقام فحسب، بل هو إدانة استراتيجية تُثبت أن العدوان لم يكن يستهدف جماعة معينة بل الشعب بأكمله وكل مقومات حياته، في محاولة لتحويله إلى شعب خاضع بائس لا يملك قراره.
استمرار العدوان رغم خفض التصعيد.. الحصار ومحاولات الاختراق والسيطرة
لم يُخفِ قائد الثورة حقيقة أن العدوان مستمر رغم ما يُسمى بخفض التصعيد منذ نحو ثلاث سنوات و أوضح أن الاحتلال المباشر لمساحات واسعة، والحصار الاقتصادي، والأنشطة الاستخباراتية المشتركة بين السعودي والبريطاني (وخلفهما الأمريكي والإسرائيلي)، ومحاولات إفساد الذمم وشراء الولاءات واختراق الجبهة الداخلية، كلها أشكال مستمرة للعدوان. وصف النظام السعودي بأنه ينظر إلى الشخصيات اليمنية كـ«سلع رخيصة» يشتريها بالمال ليحكم بها على الشعب. الهدف الاستراتيجي، كما أبرزه قائد الثورة، هو التحكم الكامل في القرار السياسي والاقتصادي والعسكري، وجعل اليمن بلداً مرتهناً خاضعاً لا ينهض ولا يحقق اكتفاءً ذاتياً، هذا التحليل يُكشف فشل رهانات قوى العدوان على إخضاع الشعب، ويؤكد أن الصمود اليمني أجبرهم على تغيير التكتيك دون التنازل عن الهدف.
تفكيك بنية الوصاية وحقد “الأدوات”
يضع قائد الثورة يده على الجرح الغائر في الجيوسياسة اليمنية، مفسراً الإصرار السعودي على العدوان بكونه “حقداً تاريخياً” متجذراً، لم يتغير يوماً نحو الإيجاب رغم كل التنازلات التي قدمتها الأنظمة السابقة. إن المشكلة -كما يحللها السيد عبد الملك- تفاقمت حين ارتهن القرار السعودي كلياً للأجندة الأمريكية والإسرائيلية، ليتحول دور النظام الجار إلى “أداة تنفيذية” تسعى لفرض وصاية مطلقة تحول اليمن إلى مسرح لمأموري السفراء. إن ما يطمح إليه تحالف العدوان هو استنساخ تجربة “البند السابع” حيث يُعين الرؤساء والوزراء بقرار من السفير الأمريكي أو البريطاني أو السعودي، ليتحول المسؤول اليمني إلى مجرد صدى لمطالب القوى الخارجية، مغرقاً الشعب في أزمات لا تنتهي لضمان إضعافه وسلب ثرواته.
الحقد السعودي وارتباطه بالمخطط الصهيوني.. خطر «إسرائيل الكبرى»
في قراءة استراتيجية نادرة العمق، كشف قائد الثورة أن الحقد السعودي على اليمن ليس جديداً، بل هو سياسة مستمرة منذ عقود، وأن ارتباط النظام السعودي بالأجندة الأمريكية الإسرائيلية حوّله إلى أداة في تنفيذ مخطط «تغيير الشرق الأوسط» وإقامة «إسرائيل الكبرى» التي تستهدف الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق ومصر وأجزاء من تركيا، السيد عبد الملك استند إلى تصريحات المجرمان ترامب ونتنياهو الصريحة ليُثبت أن المخطط معلن وواضح، وأن من يتعاون معه يخسر الدنيا والآخرة، انتقد بشدة الأنظمة التي تُقدِّم الدعم المالي والإعلامي والاستخباراتي للعدو الصهيوني، معتبراً ذلك خيانة للأمة وتوريطاً لشعوبها. هذا المحور يُقدِّم قراءة جيوسياسية متماسكة: الصمود اليمني ليس معزولاً بل هو جزء من مواجهة أمة ضد مشروع صهيوني يستهدف الجميع.
المحور السابع: موقف اليمن الجهادي.. وفاء بالوفاء ومسؤولية أمام المخطط الصهيوني
اختتم قائد الثورة رؤيته بتأكيد أن اليمن ليس على الحياد، بل هو في قلب المعركة مع الإسلام والأمة ضد المخطط الصهيوني. السيد عبد الملك ذكّر أن إيران كانت المتضامن الرسمي الوحيد مع اليمن في ذروة العدوان، وأن اليمن يبادل الوفاء بالوفاء. أكد التمسك بالجهاد في سبيل الله ضد طاغوت العصر (اليهود الصهاينة وذراعهم الأمريكي)، ودعا إلى الاعتصام بحبل الله والتعاون على البر والتقوى. التحليل الاستراتيجي هنا يتجاوز اليمن إلى الأمة كلها: المواجهة ليست خياراً بل مسؤولية دينية وإنسانية ووطنية، والثبات الإيراني والفلسطيني واللبناني يشكل نموذجاً يجب أن تلتف حوله الأمة. قائد الثورة أكد أن موقف اليمن مبدئي لا يقبل المساومة، وأن الشعب اليمني يمتلك الوعي والجذور التاريخية التي تجعله قادراً على لعب دور بارز في التصدي للخطر الصهيوني.
بهذه الرؤية الاستراتيجية الشاملة، يُقدِّم قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي للشعب اليمني وللأمة كلها خريطة طريق واضحة: الصمود خيار وجودي، والمظلومية وثيقة إدانة، والمخطط الصهيوني خطر مشترك يتطلب وحدة حقيقية مبنية على الإيمان والمسؤولية. كلمة ليست مجرد ذكرى، بل دعوة للوعي بأن الشعوب التي تختار الكرامة تكتب تاريخها بنفسها، وأن النصر – كما قال الله – حق على الله للمؤمنين.
عقد من الثبات و الصمود
مع إشراقة العام الحادي عشر من مواجهة العدوان، يطل قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي ليعيد صياغة مفهوم “الصمود” من مجرد فعل دفاعي إلى مدرسة استراتيجية متكاملة، محولاً هذه المناسبة الوطنية إلى وثيقة اعتراف بالفضل الإلهي الذي أمد الشعب اليمني بمدد التثبيت والسداد. لم تكن كلمات القائد في ذكرى اليوم الوطني للصمود مجرد استحضار للماضي، بل كانت بياناً لانتصار الخيار “الحكيم والراشد” الذي اختاره اليمنيون حين وضعوا كرامتهم الإنسانية وعزتهم الإيمانية فوق كفة الميزان، معلنين أن زمن الاستسلام والخسارة قد ولى إلى غير رجعة، لصالح صمودٍ انتزع الحقوق من بين فكي “طاغوت العصر” ومباشري عدوانه.
هذه الملحمة التي خاضها الشعب اليمني بمختلف أطيافه، من العلماء والأكاديميين إلى الشباب والمرابطين، لم تكن لتؤتي ثمارها لولا التضحيات الجسيمة التي قدمها الشهداء والجرحى، والذين وصفهم السيد عبد الملك بالنموذج الأول والملهم لهذا الثبات. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة لتخليد هذا العطاء اليمني وتحويله إلى موروث تاريخي ومحتوى تعليمي إعلامي، ليكون شاهداً حياً للأجيال القادمة على عظمة شعبٍ استطاع بجهود رجاله ونسائه أن يكسر قيود الوصاية ويؤسس لواقع سياسي وعسكري جديد، أصبحت فيه معادلة الصمود هي المعيار الوحيد لفاعلية الموقف وثبات النتائج.
هندسة الإبادة: جردة حساب المظلومية الكبرى
في محورٍ مفصلي من خطابه، وضع قائد الثورة العالم أمام مرآة “المظلومية الأكبر على وجه الأرض”، مستعرضاً لغة الأرقام التي لا تكذب لتوثيق عدوانٍ استهدف “الحياة” بكل تجلياتها. إن الإحصائيات التي كشف عنها السيد عبد الملك تتجاوز كونها جردة خسائر مادية، لتصبح دليلاً قاطعاً على استراتيجية “الأرض المحروقة”؛ فحين يتجاوز عدد الشهداء والجرحى من المدنيين حاجز الستين ألفاً، ويفتك الحصار وأمراضه بأكثر من مليون وأربعمائة ألف إنسان، فإننا نتحدث عن جريمة إبادة جماعية صامتة تمت تحت إشراف “طاغوت العصر”.
لم يترك العدوان الأمريكي السعودي زاوية في الجغرافيا اليمنية إلا ونال منها؛ فمن تدمير 670 مرفقاً صحياً و2900 منشأة تعليمية، إلى استهداف المساجد والمقابر والمواقع الأثرية التي نالت نصيباً من الحقد الصهيوني-الأمريكي بتدمير أكثر من 420 موقعاً تاريخياً. إن هذه الوحشية التي طالت حتى المواشي وخلايا النحل وآبار المياه -بتدمير أكثر من 12 ألف منشأة مائية- تعكس هدفاً استراتيجياً واحداً: تطويع الإنسان اليمني عبر سحق مقومات بقائه، وهو ما يفسر أيضاً نهب الثروات النفطية التي بلغت خسائرها المباشرة 57 مليار دولار، في سرقة موصوفة لحق الشعب في مرتباته وخدماته الأساسية، رغم احتلال اليمن للمرتبة السابعة والعشرين عالمياً في الاحتياطي النفطي.
فك الارتهان: تفكيك بنية الوصاية وحقد “الأدوات”
يضع قائد الثورة يده على الجرح الغائر في الجيوسياسة اليمنية، مفسراً الإصرار السعودي على العدوان بكونه “حقداً تاريخياً” متجذراً، لم يتغير يوماً نحو الإيجاب رغم كل التنازلات التي قدمتها الأنظمة السابقة. إن المشكلة -كما يحللها السيد عبد الملك- تفاقمت حين ارتهن القرار السعودي كلياً للأجندة الأمريكية والإسرائيلية، ليتحول دور النظام الجار إلى “أداة تنفيذية” تسعى لفرض وصاية مطلقة تحول اليمن إلى مسرح لمأموري السفراء. إن ما يطمح إليه تحالف العدوان هو استنساخ تجربة “البند السابع” حيث يُعين الرؤساء والوزراء بقرار من السفير الأمريكي أو البريطاني أو السعودي، ليتحول المسؤول اليمني إلى مجرد صدى لمطالب القوى الخارجية، مغرقاً الشعب في أزمات لا تنتهي لضمان إضعافه وسلب ثرواته.
الصمود اليمني في قلب مشروع “إسرائيل الكبرى”
في قراءة جيو-إستراتيجية عميقة، يربط السيد عبد الملك بين الصمود اليمني والمخطط الصهيوني الشامل الرامي لتغيير وجه المنطقة تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد”. يوضح القائد أن استهداف اليمن لم يكن معزولاً، بل هو جزء من مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يطمح لابتلاع الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق ومصر. ومن هنا تبرز مأساة الأنظمة العربية التي تقدم الدعم المالي والاستخباراتي لهذا المشروع، لتجد نفسها في النهاية مجرد “لقمة سائغة” أو كما وصفهم ترامب بـ “البقرة الحلوب”، حيث يتم استنفاد أدوارهم الوظيفية قبل ذبحهم لصالح التوسع الصهيوني.
معركة “تغيير الشرق الأوسط”: استهداف الوجود واستعباد الشعوب
يكشف السيد عبد الملك أن تصريحات قادة العدو الأمريكي والإسرائيلي حول “تغيير الشرق الأوسط” ليست مجرد شعارات، بل هي إعلان صريح عن استهداف كل بلد وكل إنسان في هذه المنطقة. إن المخطط الصهيوني -وفقاً لثقافة التلمود التي تنظر للآخرين كـ “حيوانات”- يهدف لطمس معالم الإسلام، واحتلال الأوطان، وإقامة “إسرائيل الكبرى”. وفي خضم هذا التهديد الوجودي، يبرز الدور المخزي لبعض الأنظمة العربية التي لا تكتفي بالصمت، بل تسخر وسائلها الإعلامية للإساءة للمجاهدين في غزة ولبنان، محملة الضحية مسؤولية جرائم الجلاد الإسرائيلي.
وحدة الموقف والاعتصام: المسؤولية الكبرى في وجه التواطؤ
يختتم قائد الثورة رؤيته بدعوة وجودية للأمة للارتقاء إلى مستوى المسؤولية الإنسانية والأخلاقية والدينية؛ فالهجمة الصهيونية تستهدف الجميع دون استثناء. يشدد القائد على أن واجب الوقت هو “الاتحاد والاعتصام بحبل الله” لمواجهة هذا التنكيل الممنهج الذي يطال الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، وانتهاك المقدسات في الأقصى، ومظلومية الشعب اللبناني. وفي لغة صارمة، يكشف السيد عبد الملك عن طعنات الغدر الداخلية، مشيراً إلى خيانة بعض المسؤولين العرب واللبنانيين الذين يعملون كوكلاء سياسيين للعدو الإسرائيلي، ويوجهون اللوم للمقاومة بدلاً من المعتدي.
الثبات المحفز: دور المحور ومبدأ “الوفاء بالوفاء”
في هذا السياق الإقليمي المتفجر، يشيد السيد عبد الملك بالثبات الإيراني العظيم، معتبراً تماسك الشعب الإيراني وحضور الحرس الثوري والجيش في الميدان “عامل تحفيز” لكل أبناء الأمة. إن الفاعلية العالية للموقف الإيراني، وبخاصة في زخمه الناري من صواريخ ومسيرات تجتاز منظومات الحماية العربية والغربية لتنكل بالعدو في قواعده، هي التي خيبت آمال الأعداء. ومن منطلق المصلحة الجماعية، يؤكد القائد أن هذا التعاون هو السبيل الوحيد لحماية سوريا ومصر والأردن والجزيرة العربية من الاستباحة الصهيونية، ولصالح تحرير فلسطين ولبنان.
أما فيما يخص الموقف اليمني، فيحسم القائد الجدل معلناً: “نحن لسنا على الحياد”، بل في قلب معركة الجهاد ضد “طاغوت العصر”. وبكل شجاعة، يبادل اليمن “الوفاء بالوفاء”؛ فإيران ومحور المقاومة كانوا المتضامن الوحيد مع اليمن في ذروة محنته، واليوم يؤكد اليمن استمراره في أداء واجبه الإسلامي دون تردد أو مساومة أو صفقات سياسية. إن الرهان اليمني اليوم هو رهان على “تظافر الجهود” لوضع حد للعربدة الصهيونية، مع الثقة المطلقة بأن النصر هو “حقٌّ على الله للمؤمنين الصامدين”.
الهوية الإيمانية: حائط الصد المنيع ضد “الأجنحة الصهيونية”
يكشف قائد الثورة في هذا المنعطف التاريخي عن السلاح السري لليمنيين: “الهوية الإيمانية” الراسخة. فاليمن -بفضل وعي شعبه- بات يمتلك الحصانة الكافية لمواجهة المخطط الصهيوني الذي انتقل من السرية إلى العلن الصارخ. يحلل القائد بنية هذا المخطط موضحاً أن الصهيونية تتحرك بجناحين متكاملين: إسرائيل (الجناح الأول) وأمريكا (الجناح الثاني)، مدعومين بدور بريطاني وغربي تاريخي. إن خطورة هذه المرحلة تكمن في أن المخطط بات يُدرس في جامعاتهم ويُعلن في تصريحات قادتهم الرسمية، كمعتقد ديني وأدبي كما جاء في “تلمودهم” الذي يحتقر البشرية.
وفي نقد لاذع لحالة الصمت الإقليمي، يصف السيد عبد الملك موقف بعض الأنظمة العربية بـ “العمى والتيه والضلال المبين”، حيث تتعمد هذه الأنظمة تجاهل الحقائق البديهية وتغطي على المخططات التي تستهدف وجودها ذاته. إن الصمود اليمني القائم على “الحكمة والوعي” يقدم اليوم نموذجاً فريداً في التصدي لهذا التغلغل، مؤكداً أن الاستهداف ليس عسكرياً فحسب، بل هو استهداف ثقافي وتعليمي يهدف لتغيير ثوابت المنطقة. إن الرهان على وعي الشعب اليمني هو الرهان الذي كسر “مربع الوصاية” وأثبت أن الأمة الحية بإيمانها هي الوحيدة القادرة على إسقاط “إسرائيل الكبرى” في مهدها.
الاختراق الفاشل: جبهة الوعي في مواجهة الحرب الاستخباراتية
في ظل مناخ “خفض التصعيد” الراهن، يكشف السيد عبد الملك عن وجهٍ آخر للعدوان يتمثل في النشاط الاستخباري المكثف، حيث يسعى التحالف السعودي-البريطاني-الأمريكي لتجنيد خلايا تجسسية تخدم الأهداف الصهيونية. إن اليقين الذي يؤكده القائد هو أن حصاد هذه المعلومات يصب مباشرة في مصلحة الأمريكي والإسرائيلي لاستباق المواجهات الميدانية. وإلى جانب التجسس، تبرز محاولات “إفساد الذمم” واختراق الجبهة الداخلية عبر شراء الولاءات، وهي استراتيجية تعكس نظرة النظام السعودي الدونية للإنسان اليمني.
الرهان القيمي: معركة الوعي في مواجهة “التدجين” الصهيوني
وفي بُعدٍ أخلاقيٍّ عميق، يتجاوز القائد في خطابه حدود الميدان العسكري ليلامس جوهر الصراع القيمي، محذراً من حملات “التدجين” الممنهجة التي تشنها الصهيونية العالمية وأدواتها لترسيخ الروح الانهزامية في وجدان الأمة. إن الصمود اليمني -كما يراه السيد عبد الملك- ليس مجرد ثباتٍ في المتاريس، بل هو حصنٌ فكريٌّ يحمي الأمة من السقوط في فخ الولاء لأعدائها التاريخيين، خاصة في ظل توجهات رسمية عربية وإسلامية مؤسفة تسخر إمكاناتها لخدمة المشروع الصهيوني وتطويع الشعوب لقبول التبعية.