انسحاب تكتيكي أم تغلغل عميق؟ حقيقة الدور الإماراتي في الساحات العربية المشتعلة

ـ تحالف الضرورة أم محور الهيمنة؟ تقاطع الأجندة الإماراتية والإسرائيلية في البحر الأحمر

ـ إدارة الفوضى: الاستراتيجية الإماراتية للسيطرة على الممرات البحرية والموانئ الدولية

الحقيقة ـ جميل الحاج

لم تعد السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة مجرد موضوع للخلاف التحليلي أو وجهات النظر الصحفية، بل تحولت إلى ظاهرة رصدتها كبرى الوكالات الدولية، وعلى رأسها “رويترز”، التي وصفت أبوظبي بأنها باتت نموذجاً مكتمل الأركان لتصدير الاضطراب وتوسيع النفوذ عبر القوة الصلبة.

فعلى مدار العقد الماضي، انتقلت الإمارات من مربع الدولة التي تبني قوتها عبر الاقتصاد والناعم من الدبلوماسية، إلى فاعل إقليمي يستخدم “المال والسلاح والوكلاء” كأدوات أساسية لفرض واقع جيوسياسي جديد.

المنطق الصِفري وإدارة الساحات الهشة

تقوم الاستراتيجية الإماراتية، بحسب القراءات الدولية، على “منطق صِفري” يرى في أي حراك سياسي لا يخضع لسيطرتها تهديداً وجودياً.

هذا المنطق حوّل الدول الهشة في المنطقة العربية إلى “ساحات اختبار”؛ حيث تُستبدل التسويات السياسية الشاملة بميليشيات محلية تدين بالولاء للممول، ويُعاد تعريف “الأمن” ليكون مرادفاً لسحق الخصوم الأيديولوجيين، لا سيما تيار الإسلام السياسي، بدلاً من بناء مؤسسات الدولة الوطنية.

وتؤكد التقارير الأممية أن ما تصفه أبوظبي بأنه “تحقيق للاستقرار” هو في جوهره عملية “إدارة للفوضى”.. فالمسارات التي تتبعها الإمارات تؤدي غالباً إلى تفاقم النزاعات وتعزيز سلطة قادة ذوي نزعات ديكتاتورية، مما يخلق استقراراً هشاً ومؤقتاً يُراكم الأعداء ويشعل فتيل صراعات مستقبلية.

 الجغرافيا الممزقة: دراسة حالة في اليمن والسودان

1ـ اليمن: الاستراتيجية الانفصالية وتأمين الممرات

في اليمن، كشفت الأحداث أن انسحاب الإمارات عام 2019 لم يكن سوى “خديعة تكتيكية”. فقد أبقت أبوظبي على “يدها الثقيلة” عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي صُنع ومُوّل ليكون ذراعاً يحقق أجندتها في فصل الجنوب وتأمين الممرات البحرية بالقوة.

الصدام مع الرياض: أدى هذا النهج إلى تمزيق ما تسمي بـ “الشرعية” الموالية للسعودية والدخول في صدام صامت أحياناً وعلني أحياناً أخرى مع السعودية، والتي كان أخرها ما يحد اليوم في حضرموت والمهرة، واعلان الإمارات انسحابها من التحالف، كما زعمت قبل أيام، مما أدي إلى تفكيك التحالف حسب مراقبين.

البعد الإسرائيلي: يخدم هذا التفتيت المصالح الإسرائيلية بشكل مباشر؛ إذ إن غياب دولة يمنية موحدة قوية يضعف السيطرة الوطنية على باب المندب، وهو ما برزت أهميته القصوى خلال معركة “طوفان الأقصى”.

2ـ السودان: مقامرة “الدعم السريع”

يمثل السودان النموذج الأكثر مأساوية للتدخل الإماراتي، حيث تشير اتهامات أممية “ذات مصداقية” إلى دعم مستمر لقوات الدعم السريع بقيادة “حميدتي”.

وهو ما أداء إلى تقويض الجيش بدلاً من دعم التحول المدني، جرى تفضيل منطق الميليشيا كـ”قوة موازنة”، مما أدى لاندلاع حرب إبريل 2023 التي دمرت الدولة ومؤسساتها.

وفي جانب اللوجستيات العسكرية تتحدث التقارير عن تحويل مناطق حدودية ودول جارة إلى عقد لوجستية لنقل السلاح، مما حول السودان إلى ساحة نفوذ مفتوحة تخدم مصالح عابرة للحدود على حساب دماء السودانيين.

 ليبيا والقرن الأفريقي: كسر الدولة الوطنية

في ليبيا، كان الدعم الإماراتي لخليفة حفتر، خاصة في هجومه على طرابلس عام 2019، سبباً رئيساً في إطالة أمد الحرب وخرق حظر الأسلحة الأممي، والهدف لم يكن بناء دولة، بل كسر الخصوم الأيديولوجيين، والنتيجة اليوم هي “دولة منقسمة وسلاح بلا أفق”.

أما في الصومال، فقد تجاوزت الإمارات الحكومة المركزية في مقديشو لتعقد اتفاقات مع “أرض الصومال” (صومالاند) المنفصلة، مستخدمة ميناء “بربرة” كموطئ قدم استراتيجي. هذا التوجه، الذي تزامن مع “اعتراف إسرائيلي” محتمل بالإقليم، يفتح الباب لعسكرة البحر الأحمر وتحويل المنطقة إلى ساحة لسباق تسلح إقليمي.

“اتفاقات أبراهام” وإعادة هندسة الأمن الإقليمي

تعتبر القراءة التحليلية أن “اتفاقات أبراهام” لم تكن مجرد صلح دبلوماسي، بل “منصة اصطفاف عدواني”، فالتنسيق الأمني والاستخباراتي بين أبوظبي و “تل أبيب” بات يعمل على إعادة هندسة الأمن الإقليمي وفق مقاسات إسرائيلية ومنها:

ـ تغييب القضية الفلسطينية: كشف العدوان الإسرائيلي على غزة أولوية “النفوذ” لدى أبوظبي على حساب “الأخلاق العربية”، حيث استمرت العلاقات مع “إسرائيل” رغم حرب الإبادة، واكتفت الإمارات بانتقادات شكلية.

ـ تفتيت الدول الكبرى: تتقاطع الرؤية الإماراتية مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية في مبدأ “فرّق تسد”، عبر إضعاف الدول العربية الكبيرة وتحويلها إلى كيانات منشغلة بصراعاتها الداخلية.

هذا وتحولت الإمارات إلى لاعب رئيسي في تنفيذ أجندات الولايات المتحدة و”إسرائيل” في المنطقة العربية، حيث ترتبط بعلاقات استراتيجية مع أجهزة الأمن والاستخبارات الغربية.

ويؤكد محللين سيأسين أن “الإمارات لم تعد مجرد دولة تسعى للتطبيع، بل أصبحت أداة رئيسية لتنفيذ مخططات الاحتلال في العالم العربي، من فلسطين إلى السودان وليبيا واليمن والقرن الأفريقي.”

الصدام مع السعودية: الإنذار الأخير

مع بداية عام 2026، لم يعد الخلاف الإماراتي السعودي حبيس الغرف المغلقة، فالبيانات السعودية الحادة والتحركات الاقتصادية (مثل مهلة مقار الشركات العالمية) شكلت “إنذاراً علنياً” بأن أمن الرياض القومي وخططها الاقتصادية خط أحمر، ما بدأ كـ “تنسيق ضد أنصار الله” انتهى كـ”صراع نفوذ” يهدد أمن البحر الأحمر واستقرار الخليج العربي نفسه.

إن ما تشهده الساحات العربية من تفكك ليس نتيجة طبيعية لإخفاقات داخلية فحسب، بل هو نتاج “هندسة إقليمية” متعمدة. السياسة الإماراتية القائمة على “الوكلاء” قد تحقق نفوذاً سريعاً، لكنها سياسة لا تدوم؛ فهي تبني مجداً على ركام الدول الوطنية وتراكم كراهية الشعوب.

إن استمرار هذا النهج مع دخول عام 2026 يعني اتساع رقعة “الخراب المُدار”، ولن يجد الإقليم استقراره إلا بإنهاء التدخلات الخارجية التي تقتات على الانقسامات، واستعادة مفهوم “الدولة الوطنية” القوية والمستقلة، بعيداً عن محاور التبعية التي ترهن مستقبل المنطقة لمشاريع الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية.

قد يعجبك ايضا