باحثون عرب يقرأون التحولات الإقليمية من بوابة صنعاء: نهج الإمام زيد يتجسد ميدانياً.. اليمن يكسر أحادية الهيمنة الأمريكية ويثبّت معادلة الردع الشامل

منذ انطلاق معركة الإسناد التاريخية لنصرة فلسطين، فرض اليمن نفسه لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه في الجغرافيا السياسية للمنطقة. فمن قلب الحصار والعدوان، نجحت صنعاء في الانتقال من موقع الصمود الدفاعي إلى موقع التأثير المباشر والصياغة الفعلية لموازين القوى الإقليمية. وفيما تتراجع الرهانات الأمريكية والغربية على فرض الإرادة بالقوة العسكرية، تتقدم التجربة اليمنية اليوم كنموذج حي لإرادة الشعوب التي ترفض الإملاءات الخارجية، وتربط مصيرها بالدفاع عن قضايا الأمة المركزية.

امتداد نهج الثورة الزيدية: من الفكرة إلى الميدان
تتزامن هذه التحولات الاستراتيجية المتسارعة مع إحياء اليمنيين لذكرى الإمام زيد بن علي، وهي المناسبة التي تحولت من إطارها التاريخي الرمزي إلى مشروع عملي يتجسد في ميادين المواجهة ومناهضة الهيمنة الأمريكية والصهيونية.

وفي هذا السياق، أكد الباحث العراقي في الشؤون الإقليمية، نجاح محمد علي، في مداخلة له عبر شاشة “المسيرة”، أن الخروج المليوني للشعب اليمني في الساحات يمثل الامتداد العملي لنهج الثورة الزيدية الرافضة للطغيان.

وأوضح “محمد علي” أن اليمن لم يعد مجرد ساحة للعبث أو المشاريع الخارجية، بل تحول إلى “رقم صعب” يعيد رسم توازنات المنطقة. وأشار إلى أن بيان القوات المسلحة اليمنية الأخير جسد التلاحم الكامل مع محور المقاومة، مؤكداً التمسك بمعادلة “وحدة الساحات” ورفض الحصار المستمر على البلاد منذ أحد عشر عاماً. واختتم الباحث العراقي قراءته بالإشارة إلى أن الثبات اليمني في الميادين منذ انطلاق معركة “طوفان الأقصى” قدم مصداقاً عملياً لما ورد في الروايات التاريخية بشأن “راية اليماني”.

السلوك الحضاري والوضوح الأخلاقي: مواجهة زيف “المواقف المزدوجة”
من زاوية القراءة الفكرية والأنثروبولوجية لهذا التحول، يرى الكاتب والأستاذ الجامعي الجزائري، الدكتور نور الدين أبو لحية، أن سر “السلوك الحضاري” والصلابة التي يقدمها اليمنيون يعود إلى تمسكهم الأصيل بنهج آل البيت وقيم الإمام زيد بن علي، القائمة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومواجهة الطغيان وتجسيد القيم القرآنية.

ولفت الدكتور أبو لحية، في حديثه لـ”المسيرة”، إلى أن هذا الارتباط اليمني بالرموز التاريخية ليس طقساً شكلياً، بل سلوك مادي ومواقف مشهودة في الواقع المعاش. وشدد الأكاديمي الجزائري على استحالة الجمع بين الولاء لرموز الحق والتبعية لرموز الباطل، معتبراً أن أي محاولة للجمع بين دعم المشروع الأمريكي والادعاء بنصرة فلسطين هي تناقض فج؛ ومثمناً في الوقت ذاته بقاء اليمن “مع الصادقين والمتقين” دون خلط أو مساومة.

حزام نفوذ استراتيجي: واشنطن تفاوض من موقع الضعف
وعلى الصعيد العسكري والجيوسياسي، وصف الخبير اللبناني في الشؤون الاستراتيجية، الدكتور محمد هزيمة، ما تشهده المنطقة حالياً بـ”الزلزال السياسي” العنيف الذي أطاح بالمقومات والركائز التي عملت الولايات المتحدة على ترسيخها لعقود.

وأكد الدكتور هزيمة لـ”المسيرة” أن معظم الحكومات العربية باتت تؤدي أدواراً وظيفية لخدمة الأجندة الأمريكية لحماية شرعيتها على حساب سيادتها وشعوبها، مستثنياً “الثورة المباركة في اليمن” التي شذّت عن هذا المسار التبعي.

وأضاف الخبير الاستراتيجي أن اليمن والجمهورية الإسلامية في إيران، وبالتعاون مع سائر قوى المحور في لبنان وغزة والعراق، نجحوا في تكريس حزام نفوذ جغرافي ضاغط يمتد من مضيق هرمز مروراً بباب المندب وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. ونوه هزيمة إلى أن السلاح الأهم في هذه المواجهة هو “سلاح الوعي” الذي يحرك الشعوب، مؤكداً أن الإدارة الأمريكية تفاوض اليوم -وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية- من موقع الضعف، بعد أن فرض محور المقاومة شروطه البحرية والميدانية تحت معادلة ثابتة: “التصعيد بالتصعيد”.

قد يعجبك ايضا