بيان ما بعد الطوفان: رسائل القسام بين تثبيت الصمود وإعادة تعريف معركة الوعي
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ المواجهة مع الاحتلال الصهيوني، جاء بيان الناطق العسكري الجديد باسم كتائب الشهيد عزّ الدين القسام ليتجاوز حدود الإعلان والتأبين، ويؤسس لمرحلة جديدة في معركة الوعي وإدارة الصراع.
فالبيان لم يُلقَ في سياق حرب مشتعلة فقط، ولا في أعقاب نصر عسكري مباشر، بل في مساحة معقّدة تتقاطع فيها آثار حرب إبادة امتدت لعامين، مع أسئلة التهدئة، وإعادة الإعمار، ومحاولات العدو الإسرائيلي وحلفائه إعادة تعريف الصراع وشروطه ومعانيه.
من هنا، اكتسب البيان أهميته بوصفه وثيقة سياسية ومعنوية، تسعى إلى تثبيت الرواية، وترميم المعنويات، وتوجيه الرسائل في أكثر اللحظات قابلية للالتباس والانزلاق.
أولى الرسائل المركزية في البيان تمثلت في إعادة تعريف الشهادة، ليس بوصفها نهاية لمسار، بل باعتبارها ركيزة للاستمرار.
فقد قدّم الناطق العسكري القادة الشهداء، وعلى رأسهم قائد الأركان الشهيد محمد السنوار، بوصفهم أعمدة لمسار ممتد، لا رموزًا غابت بانتهاء حضورها الميداني. استحضار أدوارهم القيادية والتنظيمية لم يكن استدعاءً عاطفيًا، بل تأكيدًا واعيًا على أن التجربة التي صنعوها لم تُغلق باغتيالهم، بل ازدادت رسوخًا بدمائهم.
بهذا المعنى، تحوّلت الشهادة من لحظة فقد موجعة إلى طاقة سياسية ومعنوية، تعيد إنتاج المعنى وتمنح الاستمرار شرعيته، وهي رسالة موجّهة للداخل الفلسطيني لتثبيت الثقة بأن المشروع المقاوم لم يكن يومًا رهين أفراد، كما أنها رسالة للخارج، تفنّد الرهان التقليدي على إحداث فراغ قيادي أو كسر الإرادة عبر استهداف الرموز.
لم يتعامل البيان مع الصمود بوصفه تحمّلًا قسريًا للمعاناة، أو حالة إنسانية اضطرارية فرضتها الحرب، بل أعاد تقديمه كقيمة سياسية واعية ومراكِمة للإنجاز.
فالشعب الفلسطيني، ولا سيما في غزة، جرى توصيفه كشريك كامل في صناعة المعنى، لا كمجرد متلقٍ للأحداث أو ضحية لها.
هذا التوصيف يرفع الروح المعنوية من خلال تثبيت فكرة جوهرية: أن ما تحقق من ثبات، رغم حجم الألم غير المسبوق، هو إنجاز سياسي وأخلاقي أسقط أهدافًا مركزية للعدو، وفي مقدمتها كسر الإرادة الجماعية، ودفع المجتمع نحو الانهيار أو القبول بالإملاءات.
وبذلك، يتحول الصمود من عبء ثقيل إلى عنصر قوة، ومن معاناة صامتة إلى موقف فاعل في معادلة الصراع.
في أحد أهم محاور البيان، أعاد الناطق العسكري تأطير السابع من أكتوبر ضمن سياق تاريخي وسياسي أوسع، باعتباره نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الظلم والحصار والاعتداء، لا حدثًا معزولًا أو مغامرة منفصلة عن جذور الصراع.
هذه القراءة تخاطب الداخل الفلسطيني لتثبيت القناعة بعدالة المسار، وتحصينه من محاولات جلد الذات أو التشكيك في الخيارات.
وفي الوقت نفسه، تخاطب الخارج، ولا سيما القوى الدولية، بتذكير صريح بأن تجاهل جذور الصراع، والاستمرار في إدارة الأزمة بدل حلّها، هو ما يعيد إنتاج الانفجار مرة بعد أخرى.. هنا، تتحول الذاكرة إلى أداة وعي سياسي، لا إلى عبء نفسي أو سردية دفاعية.
أكد الخطاب بوضوح أن سلاح المقاومة ليس ملفًا تقنيًا قابلًا للفصل عن السياق، ولا بندًا تفاوضيًا يمكن عزله عن أصل المشكلة، بل هو تعبير مباشر عن حق الدفاع عن النفس في ظل استمرار الاحتلال.
هذه الرسالة موجهة بوضوح إلى الأطراف الإقليمية والدولية التي تحاول مقاربة الصراع من زاوية أمنية ضيقة، تتجاهل جوهر القضية.
وفي المقابل، حمل البيان طمأنة واضحة للداخل الفلسطيني بأن التهدئة، مهما كانت ضرورية لتخفيف المعاناة، لم تُترجم إلى تراجع في الثوابت، وأن جوهر الموقف لم يكن يومًا محل مساومة أو مقايضة.
من بين الدلالات العميقة للبيان، دعوته الضمنية لتعزيز التماسك الداخلي، وحماية الجبهة الشعبية من التفكك واليأس، فقد جرى استدعاء استشهاد القادة بوصفه عامل توحيد، لا سببًا للانقسام أو الإحباط، ودليلًا على أن المسؤولية جماعية وممتدة.
في هذا السياق، تتجاوز معركة الصمود حدود الميدان العسكري، لتشمل الوعي، ووحدة الرواية، والحفاظ على الموقف الأخلاقي والسياسي.. فالهزيمة، وفق هذا المنطق، لا تبدأ من خسارة موقع أو قائد، بل من تفكك السردية وضياع المعنى.
وجّه البيان تذكيرًا صريحًا للأطراف الإقليمية والدولية بأن مسؤولياتها لا تنتهي بوقف إطلاق النار، فالعدوان، بأشكاله المختلفة، لم يتوقف في غزة، ولا في الضفة، ولا في القدس، ولا في ملف الأسرى.
ومن هنا، دعا البيان إلى استمرار الضغط السياسي والقانوني والإنساني، وعدم السماح بإفلات الاحتلال الإسرائيلي من المساءلة.
كما خصّ أحرار العالم وفي مقدمتهم الشعب اليمني برسالة تقدير، مؤكدًا أن الحراك الشعبي والحقوقي العالمي كان جزءًا من معادلة الصمود، وأن استمراره ضرورة أخلاقية وسياسية لمنع تطبيع الجريمة وتحويلها إلى واقع مقبول.
تحمل إطلالة ناطق عسكري جديد باسم القسام دلالة تتجاوز البعد الإجرائي أو التنظيمي.. فهي رسالة عميقة في معركة الوعي، تؤكد أن المؤسسة لم تُبنَ حول شخص، بل حول وظيفة ورؤية ودور.
استمرار الخطاب، رغم استشهاد من حملوا الصوت سابقًا، يثبت أن الشهادة لم تُسكت الكلمة، بل أعادت إنتاجها بصيغة أكثر رسوخًا.
هذه الاستمرارية تطمئن الداخل الفلسطيني بأن القيادة حاضرة وقادرة على مخاطبة شعبها في أدق اللحظات، كما تُبلغ العدو الإسرائيلي وحلفاءه بأن استهداف الرموز لم ينجح في كسر التواصل ولا في إرباك البنية التنظيمية.
ينتهي البيان، في دلالاته العميقة، إلى تكريس التفاؤل لا بوصفه إنكارًا للواقع أو تقليلًا من حجم الألم، بل باعتباره خيارًا واعيًا يستند إلى قراءة ما تحقق من صمود وإفشال للأهداف الكبرى.
إن استشهاد القادة يتحول إلى بوصلة أخلاقية وسياسية لاستكمال الطريق، ومعركة الانتصار تُقدَّم كمسار طويل يتقدّم بثبات، لا كرهان على لحظة واحدة.
في ذلك، تتجلى الرسالة الأوضح: أن الشعب الذي حوّل الفقد إلى معنى، قادر على تحويل الصبر إلى مستقبل، والاستمرار في معركة الطوفان حتى كسر الاحتلال، واستعادة الحق، وترسيخ فلسطين في مركز الصراع، لا على هامشه.