هل جاء اعتراف إسرائيل بدويلة “أرض الصومال” أول تطبيق رسمي لمخطط التفتيت للدول العربية؟

هل جاء اعتراف إسرائيل بدويلة “أرض الصومال” أول تطبيق رسمي لمخطط التفتيت للدول العربية؟ وما هي الأهداف الإسرائيلية الخمسة من وراء هذه الخطوة؟ ولماذا ستكون السعودية ومصر أبرز الخاسرين؟

عبد الباري عطوان

اعتراف دولة الاحتلال الإسرائيلي أمس بدويلة “أرض الصومال”، وتبادل العلاقات الدبلوماسية معها، يشكّل تأكيدًا لسياسة التفتيت والتقسيم التي تتبعها (إسرائيل) في المنطقة، وتهديدًا خطيرًا لوحدة دولها الترابية، وأمنها القومي، وخاصة الدول المطلة على البحر الأحمر، أو تنتمي جغرافيًا إلى القرن الأفريقي، ابتداءً من السعودية، والسودان، ومصر، واليمن، والأردن في أقصى الشمال.

هذا الاعتراف “المفاجئ” بترسيخ وتأييد تقسيم دولة الصومال العربية المسلمة، لا يمكن أن يأتي “دون مقابل”، و”إسرائيل” معروفة، ليس ببخلها فقط، وإنما بابتزازها أيضًا، وتطلعاتها “الجيوإستراتيجية” التي تقوم على نظرية إعطاء القليل والحصول على الكثير ماديًا وسياسيًا وعسكريًا.

دولة الاحتلال الإسرائيلي تطمح إلى تحقيق عدة مكاسب عسكرية وإستراتيجية ستكون على حساب العرب والمسلمين والأشقاء الأفارقة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أولًا: كانت، وما زالت، هناك خطط إسرائيلية لتهجير مئات الآلاف من أبناء قطاع غزة إلى “أرض الصومال”، وقد أجرت حكومة نتنياهو اتصالات سرية مبكرة مع “رئيس” هذه الدويلة التي أعلنت انفصالها عن الوطن الأم عام 1991 بعد حالة من الفوضى التي سادت عقب المؤامرة الأميركية لإسقاط نظام الرئيس الموحد سياد بري، مقابل القبول بالمهجّرين من أهل غزة، وهناك تسريبات تؤكد أن خطط الترحيل الجوي والبحري باتت جاهزة للتطبيق العملي.

ثانيًا: تسعى دولة الاحتلال إلى التسلل لإيجاد موضع قدم عسكري في مضيق باب المندب وخليج عدن، وإقامة قواعد عسكرية للسيطرة على “بحر العرب” والبحر الأحمر، وعلى الجزر المقابلة، سواء في سقطرى أو المهجورة في الجانب الغربي المواجه لليمن، التي أصبحت جبهة مقاومة مفتوحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وفشلت كل الغارات الإسرائيلية في وقف الصواريخ اليمنية الفرط صوتية أو الانشطارية الرؤوس التي أغلقت مطاري اللد (بن غوريون) في يافا، أو “رامون” في النقب، وأرسلت ملايين المستوطنين إلى الملاجئ بصورة شبه يومية على مدى عامين.

ثالثًا: تأمين خطوط التجارة الإسرائيلية البحرية إلى آسيا وشرق أفريقيا، التي تمثل 85 بالمئة من صادراتها، وهي الملاحة التي توقفت كليًا بسبب إغلاق البحر الأحمر في وجه السفن الإسرائيلية، تجارية كانت أو عسكرية، من قبل القوات والصواريخ اليمنية تضامنًا مع المجاهدين في غزة.

رابعًا: التحكم الإسرائيلي في قناة السويس وابتزاز السلطات المصرية، وتوفير الحماية لسد النهضة الإثيوبي من خلال وجودها العسكري في قلب القرن الأفريقي، أي في قواعد عسكرية جرى الاتفاق على إقامتها مقابل الاعتراف.

خامسًا: تهديد جميع الصادرات النفطية العربية، سواء تلك القادمة عبر مضيق هرمز، أو في الموانئ الإماراتية والسعودية والعُمانية واليمنية المطلة على بحر العرب، أو حتى تلك السعودية القادمة عبر خطوط الأنابيب التي بنتها الرياض وتمتد من الآبار النفطية في شواطئ الخليج إلى ميناء ينبع على شاطئ البحر الأحمر، لتجنب المرور في مضيقي “هرمز” الذي تتحكم فيه إيران، أو مضيق باب المندب، الذي تسيطر عليه السلطات اليمنية في صنعاء.

أكثر دولتين عربيتين مهددتين من قبل هذه الخطوة العدوانية الإسرائيلية المتمثلة في التسلل إلى جنوب البحر الأحمر عبر بوابة “دويلة” أرض الصومال، هما المملكة العربية السعودية ومصر، فالأمن القومي الإستراتيجي للبلدين سيكون مهددًا إسرائيليًا وبشكل مباشر، ومن المؤسف أنهما اكتفتا كالعادة بالإدانة والاستنكار، تمامًا مثل ما فعلتا في مواجهة مخططات التفتيت الإسرائيلية التي استهدفت وما زالت السودان الشقيق، وما ترتب عليها من مآسٍ لاحقًا.

كنا نتوقع أن تبادر الدولتان، مصر والسعودية، إلى الدعوة فورًا لعقد مؤتمر قمة عربي أفريقي عاجل لاتخاذ موقف موحد، ووضع الخطط لقطع الطريق مبكرًا على هذا التسلل الإسرائيلي الخطير إلى القرن الأفريقي ومداخل البحرين الأحمر والعربي، وتهديد أمن ووحدة أراضي دولة الصومال الشقيقة، العضو في الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي.

تفتيت الصومال بعد تفتيت السودان، وسورية في الطريق، يأتي في إطار مخطط إسرائيلي أميركي محكم الإعداد، ولعل الاعتراف بدولة “أرض الصومال” هو التطبيق العملي الرسمي الأول، وربما سيكون مقدمة لتفتيت المملكة العربية السعودية نفسها واليمن، وربما مصر أيضًا، والاعتراف بالدويلات الصغيرة التي ستنبثق عنه، فدولة جنوب اليمن وعاصمتها عدن تطل برأسها بقوة هذه الأيام، وقد تتلوها دولة حضرموت والمهرة وسقطرى، استقلالًا أو انضمامًا بالقوة، ولا ننسى دويلة “قسد” الكردية شمال شرق وغرب سورية.

الصورة قاتمة ومرعبة، والتخاذل الرسمي العربي في ذروته، والتغوّل الإسرائيلي يتوسع بدعم أميركي.. اللهم قد بلغنا.. اللهم فاشهد.

قد يعجبك ايضا