من غرف القيادة إلى ساحات الاشتباك: سِيَر الشهداء الذين أعادوا رسم معادلة الردع
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
لم تكن معركة “طوفان الأقصى” مجرّد مواجهة عسكرية عابرة، بل تحوّلت إلى محطة تاريخية أعادت صياغة الصراع مع الاحتلال، وغيّرت معادلات القوة، وكشفت عمق التحوّل في بنية المقاومة الفلسطينية.
وعلى امتداد عامين من المواجهة المفتوحة، لم يكن ثمن الصمود مقتصرًا على الدمار والحصار، بل ارتقى في قلب المعركة قادة كبار حملوا على عاتقهم مسؤولية القرار والميدان، وكتبوا بدمائهم فصولًا من تاريخ المقاومة.
وفي إعلان رسمي، نعت كتائب الشهيد عزّ الدين القسام كوكبة من أبرز قادتها الذين استشهدوا خلال هذه المعركة، ليؤكدوا مرة أخرى أن القيادة في فلسطين ليست في الصفوف الخلفية، بل في خطوط النار الأولى.
محمد السنوار.. عقل القسام العسكري وقائد الأركان
في مقدمة الشهداء القادة، يبرز اسم محمد السنوار “أبو إبراهيم”، قائد أركان كتائب القسام، وأحد أبرز العقول العسكرية في تاريخ المقاومة.
وُلد السنوار عام 1975 في مخيم خانيونس، وانخرط مبكرًا في صفوف حركة حماس منذ انطلاقتها، قبل أن يصبح أحد أعمدة العمل العسكري في القسام.
قاد السنوار مرحلة بالغة التعقيد بعد استشهاد القائد العام محمد الضيف، واضطلع بدور مركزي في التخطيط والتنفيذ لعملية السابع من أكتوبر، والإشراف على الخطط الدفاعية في مواجهة العدوان الإسرائيلي الواسع على غزة.
عُرف بلقب “مهندس الأنفاق” لدوره المفصلي في تطوير شبكة الأنفاق الاستراتيجية، وكان من أبرز المشرفين على عملية “الوهم المتبدد” عام 2006. تنقّل بين مواقع قيادية عدة، من قيادة لواء خانيونس إلى رئاسة هيئة الأركان، ليُختم مشواره بالشهادة في قلب المعركة.
محمد شبانة.. بطل رفح وحارس الجنوب
إلى جانب السنوار، ارتقى محمد شبانة “أبو أنس”، قائد لواء رفح، الذي شكّل أحد أعمدة المواجهة في جنوب قطاع غزة.
عُرف شبانة بتعدّد أدواره داخل الكتائب، من العمل الإعلامي إلى الإمداد العسكري، وصولًا إلى قيادة واحدة من أخطر الجبهات الحدودية.
كان لرفح، تحت قيادته، حضور استثنائي في المعركة، سواء في تأمين الأنفاق الحدودية أو في تنفيذ العمليات النوعية، من “الوهم المتبدد” و “نذير الانفجار” إلى أسر الجندي الإسرائيلي هدار غولدن.
وخلال “طوفان الأقصى”، سطّر مجاهدو رفح مشاهد ميدانية أربكت الاحتلال، وكان شبانة في قلب هذه المعركة، حتى ارتقى شهيدًا مع رفاقه.
رائد سعد.. مهندس التصنيع وسند الميدان
يمثل الشهيد رائد سعد “أبو معاذ” أحد القادة التاريخيين في كتائب القسام، وركنًا أساسيًا في بناء قدراتها العسكرية. وُلد في مدينة غزة عام 1972، ودرس الشريعة الإسلامية، جامعًا بين البعد العقائدي والعمل الجهادي.
تولّى سعد قيادة لواء مدينة غزة، ثم ركن العمليات في المجلس العسكري، قبل أن يتفرغ لقيادة ركن التصنيع العسكري، حيث لعب دورًا حاسمًا في تطوير السلاح المحلي للمقاومة، من الصواريخ إلى الطائرات المسيّرة.
وبعد توقف الحرب عام 2025، كان عضوًا في المجلس العسكري الجديد، قبل أن يغتاله الاحتلال في ديسمبر من العام ذاته، في محاولة لضرب أحد أعمدة القوة القسامية.
حكم العيسى.. المهاجر الذي نقل الخبرة
أما حكم العيسى “أبو عمر”، فقد مثّل نموذجًا للقائد المهاجر المتفاني، الذي حمل خبرته القتالية عبر أكثر من ساحة، قبل أن يستقر في غزة.
وُلد عام 1967، وتنقّل بين لبنان وسوريا وساحات جهادية أخرى، قبل أن يصبح أحد مهندسي التدريب والعقيدة القتالية في كتائب القسام.
أشرف العيسى على ركن التدريب، وهيئة المعاهد والكليات العسكرية، وساهم في تطوير منظومة الدفاع الجوي.
وقد نظر إليه باعتباره أحد العقول التي أسهمت في بناء الكفاءة القتالية للمقاومة. استشهد في غارة إسرائيلية جنوب غزة في يونيو 2025، برفقة عدد من أفراد عائلته.
أبو عبيدة.. صوت المقاومة الذي صار أيقونة
ولعل الحدث الأبرز كان الإعلان عن استشهاد حذيفة سمير الكحلوت، المعروف باسم “أبو عبيدة”، الناطق العسكري الأشهر باسم كتائب القسام.
بعد سنوات من الظهور خلف اللثام، خرج اسمه الحقيقي إلى العلن شهيدًا، ليغلق فصلًا استثنائيًا في تاريخ الإعلام العسكري المقاوم.
وُلد أبو عبيدة عام 1984، وعاش تجربة اللجوء والحصار، وانضم إلى القسام مطلع انتفاضة الأقصى.
منذ ظهوره الإعلامي الأول عام 2004، تحوّل إلى صوت المقاومة، وواجهة الحرب النفسية والإعلامية ضد الاحتلال.
وفي “طوفان الأقصى”، كانت بلاغاته العسكرية جزءًا من مشهد المعركة، يعلن الإنجازات، ويفضح جرائم الاحتلال، ويحشد الأمة وأحرار العالم.
لم يكن أبو عبيدة مجرد ناطق، بل رمزًا جمع بين الصدق والمصداقية، حتى أصبح حضوره جزءًا من الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، ورمزًا أرعب المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية.
دم القادة يصنع الطريق
برحيل هؤلاء القادة، لا تطوي المقاومة صفحة، بل تفتح فصلًا جديدًا. فقد أثبتت معركة “طوفان الأقصى” أن القسام، كغيره من فصائل المقاومة، لا يفقد بوصلته باغتيال القادة، بل يستمد من دمائهم زخمًا إضافيًا للاستمرار. أسماء صنعت المرحلة، وكتبت ملامحها بالتضحية، وأكدت أن فلسطين لا تُدار من خلف المكاتب، بل من ميادين الاشتباك، حيث يكون القائد أول من يتقدم، وآخر من ينسحب… إن انسحب.




