تحالف “الأبواب الخلفية”: أبعاد زيارة الوفد السعودي لواشنطن وهندسة المواجهة مع “صنعاء” تحت غطاء الأمن البحري
واشنطن بوابة التنسيق الخفي: زيارات سعودية، تطبيع مؤجّل، واستهداف متصاعد لقوات صنعاء
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في الوقت الذي تشتعل فيه المنطقة على وقع العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، وتتصاعد فيه العمليات اليمنية في البحار لإسناد الشعب الفلسطيني، تبرز تحركات سعودية مكثفة في العاصمة الأمريكية واشنطن، تتجاوز في مضامينها البروتوكول الدبلوماسي لتصل إلى حد “الهندسة الاستراتيجية” لتحالفات جديدة. زيارات متتالية قادها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وتبعها وزير دفاعه خالد بن سلمان، كشفت عن مسار يدمج بين “التطبيع غير المعلن” وبين محاولات تقويض جبهة صنعاء التي باتت تشكل التهديد الأبرز للمصالح الإسرائيلية-الأمريكية في المنطقة.
كشفت مصادر مطلعة لموقع “جويش إنسايدر” أن وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، عقد سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى في واشنطن مع قادة منظمات يهودية أمريكية بارزة ومؤيدة لإسرائيل. شملت هذه اللقاءات “اللجنة اليهودية الأمريكية” (AJC)، و”رابطة مكافحة التشهير” (ADL)، و”مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية”، إضافة إلى “التحالف اليهودي الجمهوري”.
هذه اللقاءات، التي وُصفت بأنها “واجهة شكلية” لإدارة التناقضات، تهدف في جوهرها إلى طمأنة الدوائر الصهيونية بأن الرياض لم تغلق باب التطبيع، بل تعمل على تهيئة الأرضية له بعيداً عن صخب الاحتجاجات الشعبية العربية.
إن جلوس وزير دفاع دولة عربية كبرى مع منظمات تُعد المحرك الأساسي للسياسة الإسرائيلية في واشنطن، يبعث برسالة مفادها أن التعاون الأمني والعسكري بات يتقدم على الثوابت السياسية المعلنة بشأن القضية الفلسطينية.
تؤكد المعطيات أن النقاشات السعودية-الأمريكية تركزت بشكل أساسي على كيفية مواجهة القوات المسلحة اليمنية التابعة لصنعاء. فمنذ إعلان صنعاء فرض حصار بحري على الكيان الصهيوني واستهداف السفن المرتبطة به، تحول “الأمن البحري” إلى مبرر تستخدمه واشنطن والرياض لتمرير أجندة حماية الملاحة الإسرائيلية.
السعي الأمريكي للتنسيق بين السعودية والعدو الإسرائيلي يأتي في سياق “التطبيع العملياتي”؛ حيث يُراد للسعودية أن تكون جزءاً من حائط الصد الدفاعي لحماية الكيان من الصواريخ والمسيرات اليمنية.
هذا التعاون لا يتم تحت مسمى “الدفاع عن إسرائيل” بشكل مباشر لتجنب الحرج الشعبي، بل يتم تسويقه تحت عناوين “حماية الأمن الإقليمي” و”تأمين الممرات المائية الدولية”.
تشير التقارير إلى أن واشنطن والرياض وتل أبيب وصلوا إلى قناعة مشتركة بضرورة “توحيد الجهود” لمحاربة قوات صنعاء.. السعودية، التي تجد نفسها في مأزق بسبب فشل خياراتها العسكرية السابقة في اليمن، تحاول الآن الاحتماء بالمظلة الأمريكية-الإسرائيلية لكسر قدرات صنعاء المتنامية.
تأتي هذه التحركات رداً مباشراً على الدور المحوري الذي لعبته القوات المسلحة اليمنية في إسناد مظلومية غزة خلال العامين الماضيين.
فقد نجحت صنعاء في فرض معادلة جديدة عجزت عنها جيوش عربية كبرى، مما جعل تقويض هذه القوة هدفاً استراتيجياً مشتركاً للمحور (الأمريكي-السعودي-الإسرائيلي).
إن ما يتم الترتيب له ليس مجرد إجراءات دفاعية، بل هو محاولة لرسم خارطة عسكرية جديدة تهدف إلى عزل اليمن ومعاقبته على موقفه المبدئي تجاه فلسطين.
في مشهد يعكس عمق التداخل بين المال والسياسة، خرج السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليمنح الرياض “صك غفران” سياسي. غراهام، الذي كان من أشد منتقدي المملكة، بدا منتشياً بعد لقائه بخالد بن سلمان، مؤكداً أن السعودية لا تتجه نحو “التطرف”، بل نحو نموذج جديد للشرق الأوسط.
تصريحات غراهام حول ولي العهد محمد بن سلمان كانت كاشفة؛ إذ ربط بين رغبة الأمير في إنفاق “تريليون دولار” وبين “ذكائه السياسي” في إدراك أن النموذج القديم للشرق الأوسط (القائم على العداء لإسرائيل) يجب استبداله.
هذا التصريح يوضح جوهر المقايضة: استثمارات سعودية ضخمة في الداخل الأمريكي مقابل غطاء سياسي وتجاوز عن ملفات حقوق الإنسان، والأهم من ذلك، الانخراط الكامل في “اتفاقيات أبراهام” بنسختها الأمنية الجديدة.
يعيش النظام السعودي حالة من الازدواجية الفجة؛ فبينما يتمسك رسمياً بمبادرة السلام العربية وقيام دولة فلسطينية في خطابه الإعلامي، تواصل الغرف المغلقة في واشنطن إرسال إشارات الطمأنة لكيان العدو. اللقاءات مع “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” (FDD) -المعروفة بقربها الشديد من اليمين الإسرائيلي المتطرف- تضع تحركات المسؤولين السعوديين في إطار إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم الرؤية “الإسرائيلية-الأمريكية”.
ويرى مراقبون أن الرياض تحاول إدارة توازن هش؛ فهي تخشى السخط الشعبي العربي والإسلامي إذا ما أعلنت التطبيع الصريح وسط أشلاء أطفال غزة، لكنها في الوقت ذاته لا تريد تفويت فرصة الاندماج الكامل في المشروع الغربي الذي يشترط التحالف مع تل أبيب ومواجهة “محور المقاومة”، وعلى رأسه قوات صنعاء التي أثبتت فاعلية غير مسبوقة في التأثير على الاقتصاد الصهيوني.
إن التحركات السعودية في واشنطن، واللقاءات مع اللوبيات الصهيونية، والتنسيق العسكري تحت مسميات “الأمن البحري”، كلها تهدف إلى كسر “عناد” صنعاء التي أفسدت مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي بشّر به نتنياهو ومحمد بن سلمان.
يبقى السؤال الجوهري: هل ستنجح هذه التحالفات في ثني اليمن عن موقفه؟ الواقع الميداني يشير إلى أن “إسناد غزة” قد تحول إلى عقيدة راسخة لدى قوات صنعاء، وأن المحاولات الأمريكية والسعودية لشرعنة التدخل تحت عناوين زائفة لن تزيد المشهد إلا تعقيداً، ولن تجلب للرياض سوى المزيد من التورط في خيارات خاسرة، تضعها في مواجهة مباشرة مع ضمير الأمة الرافض للتطبيع والمناصر لفلسطين.