جرائم القمع والاستعمار: سجلّ الدم والهيمنة في زمن الانتداب البريطاني والفرنسي على المشرق العربي
الحقيقة ـ جميل الحاج
شكّلت فترة الانتداب البريطاني والفرنسي على المشرق العربي (العراق، فلسطين، سوريا، لبنان) واحدة من أكثر المراحل التاريخية دمويةً وتفاقمًا في القمع وانتهاك السيادة، بعد أن تحوّلت وعود “التحرير” إلى مشاريع استعمارية متكاملة.
فبعد انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، أعادت القوى المنتصرة رسم خريطة المنطقة وفق مصالحها الخاصة، وأوكلت عصبة الأمم لبريطانيا وفرنسا إدارة الأقاليم العربية تحت إطار “الانتداب”، الذي لم يكن سوى غطاء لتقسيم الأرض واستغلال الموارد وقمع الإرادة الشعبية.
جاء الانتداب كنتيجة مباشرة لاتفاقيات سرية أبرزها سايكس بيكو 1916، التي قسمت المشرق العربي إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا، رغم أن القوى المنتدبة كانت تُغري العرب بوعود الاستقلال إن هم وقفوا معها ضد الدولة العثمانية.
وقد برزت مفارقة عميقة حين تفاوضت بريطانيا مع الشريف حسين بن علي على دعم الاستقلال العربي مقابل إشعال الثورة ضد الأتراك، بينما كانت في الوقت نفسه تُبرم اتفاقًا مضادًا مع فرنسا وروسيا لتجزئة المنطقة وتقاسم ثرواتها.
وبينما كانت قوات الثورة العربية بقيادة الأمير فيصل تتقدم نحو دمشق، كانت لندن وباريس قد وضعتا الأسس الكاملة لمرحلة ما بعد الحرب، بعيدًا عن تطلعات الشعوب العربية.
وهكذا سقطت دمشق، القدس، عمان، وباقي مدن المشرق تحت سيطرة القوى المنتدبة التي حولت المنطقة إلى مسرح نفوذ عسكري وسياسي واقتصادي.
لم يكن تقسيم الأرض وحده هو الجريمة السياسية، بل تلا ذلك وعد بلفور عام 1917، الذي مهّد لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، في تجاهل تام لإرادة سكانها الأصليين.
وقد جاء هذا الوعد جزءًا من رؤية استعمارية استراتيجية هدفها خلق كيان فعّال يخدم المصالح الغربية في قلب المنطقة.
أما مؤتمر سان ريمو 1920 فقد شرعن هذا التقسيم، وجعل من فرنسا وبريطانيا سلطتين تتحكمان بمستقبل الشعوب العربيّة لعقود طويلة.
فرضت فرنسا سيطرتها على سوريا ولبنان عبر إدارة تعتمد القوة العسكرية كركيزة أساسية للحكم، قُمعت الثورات الشعبية، وعلى رأسها الثورة السورية الكبرى (1925–1927)، بقسوة شديدة، استخدمت فيها القوات الفرنسية الطائرات والمدافع الثقيلة لقصف المدن والبلدات والقرى.
وكانت من أخطر الجرائم الفرنسية قصف دمشق عام 1945، حين قصفت القوات الاستعمارية العاصمة السورية لإخماد الاحتجاجات المطالبة بالاستقلال.
وأسفر القصف عن مذبحة حامية البرلمان التي مثلت ذروة وحشية الاحتلال في أيامه الأخيرة. وتمّ فيها استهداف المدنيين والبنية التحتية وتدمير أجزاء واسعة من المدينة.
وفي لبنان، أعلن الجنرال غورو عام 1920 قيام دولة لبنان الكبير بعد فصلها عن سوريا، في خطوة سياسية هدفت إلى ترسيخ الهيمنة الفرنسية عبر تشكيل كيان يخدم توازنات نفوذ جديدة. وقد أدت هذه السياسة إلى تغيرات اجتماعية وسياسية عميقة ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.
لم يقف القمع الفرنسي عند هذا الحد، إذ مارست قوات الانتداب الاعتقال التعسفي، وإعدام الثوار، وتقييد الحياة السياسية، وتعطيل تطلعات السوريين واللبنانيين نحو الاستقلال.
كما شهدت المنطقة اشتباكات بين القوات البريطانية والفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، أدت إلى خسائر بشرية في سوريا ولبنان، فيما استمرت فرنسا في محاولات منع الاستقلال حتى اللحظة الأخيرة.
بدأ الاحتلال البريطاني للعراق منذ عام 1914، حين أنزلت بريطانيا قواتها في جنوب العراق وتقدمت نحو بغداد التي احتلتها عام 1917. وبعد تثبيت سيطرتها، جمعت بريطانيا ولايات الموصل وبغداد والبصرة لتشكيل كيان سياسي جديد سُمّي “العراق”.
لكن العراقيين، الرافضين للهيمنة الأجنبية، أطلقوا واحدة من أكبر الثورات العربية في القرن العشرين، وهي ثورة العشرين، التي واجهتها بريطانيا بأقصى درجات العنف.
استخدمت القوات البريطانية الطائرات لقصف القرى، وفرضت ضرائب باهظة، وأعدمت واعتقلت قادة المقاومة، في مشهد يعكس طبيعة المشروع الاستعماري الذي أراد السيطرة على موارد العراق، خاصة النفط.
ورغم معاهدة 1930 التي أدت إلى الاعتراف باستقلال العراق عام 1932، فإن الاستقلال كان شكليًا، حيث حافظت بريطانيا على قواعد عسكرية ومصالح اقتصادية واسعة، واستمرت بالتدخل في الشؤون العراقية حتى عام 1947.
كانت فلسطين أكثر مسارح الانتداب قسوة وتعقيدًا، فبالتوازي مع فرض الحكم البريطاني، شرعت بريطانيا في تنفيذ وعد بلفور عبر تسهيل الهجرة اليهودية وتأسيس المستوطنات، في حين تجاهلت المطالب العربية بالحفاظ على هويتهم الوطنية.
شهدت فلسطين ثورات عديدة ضد الاستعمار، أبرزها ثورة 1936–1939، التي واجهتها بريطانيا بوحشية غير مسبوقة:
ـ تدمير آلاف المنازل كعقاب جماعي ـ استخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية.
ـ التعذيب في السجون والمعتقلات ـ الإعدامات الميدانية بحق المقاومين.
وتشير الشهادات التاريخية إلى أن الجنود البريطانيين أجبروا معتقلين على الركض بين صفين من الجنود الذين كانوا يضربونهم بأعقاب البنادق والفؤوس، فيما جرى تصفية معتقلين وإلقاء جثثهم في القرى لترهيب السكان.
كما شاركت بريطانيا في التمهيد المباشر لقيام الكيان الصهيوني في 1948 عبر تفكيك البنية السياسية للمجتمع الفلسطيني، وقمع الفصائل الوطنية، وحماية العصابات الصهيونية المسلحة خلال المرحلة الأخيرة من الانتداب.
لم تقتصر آثار الانتداب على الخراب والدماء التي سالت في تلك الحقبة، بل كانت نتيجته أبعد وأخطر:
ـ حدود سياسية مصطنعة صنعت توترات دائمة ـ هويات مجتزأة شجعتها القوى المنتدبة لتقسيم المجتمعات ـ إضعاف منظومات الاستقلال الوطني عبر خلق كيانات هشّة تعتمد على الغرب ـ ترسيخ النفوذ الصهيوني في فلسطين عبر خطط متدرجة بدأت مع وعد بلفور ـ نزاعات طائفية وسياسية غذّتها فرنسا وبريطانيا للحفاظ على نفوذهما.
لقد كانت جرائم الانتداب البريطاني والفرنسي بحق شعوب المشرق العربي أكثر من شكل من أشكال الاستعمار؛ كانت عملية منظمة لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم القوى الكبرى، على حساب ملايين البشر الذين دفعوا من دمائهم وحقوقهم واستقرارهم ثمن هذا المشروع.
ختاما: يظل إرث الانتداب البريطاني والفرنسي شاهدًا على حقبة مليئة بالقمع العسكري، والوعود الكاذبة، والسياسات التي أعادت تشكيل المشرق العربي على أساس التجزئة والهيمنة. ورغم مرور قرن على تلك الأحداث، إلا أن آثارها ما تزال حاضرة بقوة في الأزمات السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة اليوم.
وما زالت الشعوب العربية تسعى إلى تجاوز تلك الحقبة واستعادة سيادتها الكاملة على أرضها وقرارها، بعد أن دفعت ثمناً باهظًا للاستقلال الذي حُرمته طويلًا.