حركة النفاق في العالم العربي المعاصر: دراسة تحليلية في خيانة الأنظمة والنخب المُدجَّنة (ج1)
أعده للحقيقة: صادق البهكلي
مقدمة منهجية
تشهد الأمة العربية في مرحلتها الراهنة تحولات جذرية في طبيعة العلاقات السياسية والأمنية مع الكيان الصهيوني، تحولات تكشف عن ظاهرة نفاق سياسي غير مسبوقة في عمقها واتساعها.
إذ لم يعد التطبيع مجرد مبادرات دبلوماسية محدودة، بل تحول إلى منظومة متكاملة من التحالفات الاستراتيجية والتنسيق الأمني والعسكري والاقتصادي، تخدم بشكل مباشر أمن الكيان الصهيوني وهيمنته الإقليمية على حساب المصالح العربية والقضية الفلسطينية.
يهدف هذا التقرير إلى تعرية حركة النفاق هذه من خلال ثلاثة محاور أساسية: تطويع الشعوب وإعادة تشكيل صورة العدو ليصبح صديقاً، وحماية أمن الكيان الصهيوني من قبل الأنظمة العربية، وتسخير الموارد العربية العسكرية والاقتصادية لفرض هيمنة العدو وزعامته الإقليمية. ويستند التقرير إلى وثائق مُسرَّبة وتحليلات صحفية ومواقف معلنة، مع التركيز بشكل خاص على خطابات السيد عبد الملك الحوثي ومحاضرات السيد حسين بدر الدين الحوثي.
المحور الأول: تطويع الشعوب وتقديم العدو الصهيوني كصديق
التطبيع كاستراتيجية لإعادة تشكيل الوعي الجماهيري
يمثل التطبيع العربي الإسرائيلي في جوهره مشروعاً لإعادة صياغة الوعي العربي وتغيير ثوابته الدينية والقومية، فبعد عقود من اعتبار إسرائيل كياناً استعمارياً عدوانياً مغتصباً للأرض الفلسطينية، تسعى بعض الأنظمة العربية اليوم إلى تقديمه كـ”شريك طبيعي” وحليف استراتيجي في المنطقة. هذا التحول الجذري لم يأتِ عبثاً، بل جاء نتيجة ضغوط خارجية ومصالح ضيقة للأنظمة الحاكمة.
ومع أن أغلب الأنظمة العربية تمارس علاقات سياسية واقتصادية مع العدو الإسرائيلي منذ وقت طويل من تحت الطاولة خوفاً من غضب الشعوب، إلا أنه اليوم يُراد لهذه العلاقة أن تصبح طبيعية وأن تكون برضا الشعوب العربية، وأن تتطور هذه العلاقات إلى ما يطلق عليه العدو (شرق أوسط جديد) تكون الهيمنة فيه بيد العدو الإسرائيلي كرديف للهيمنة الأمريكية في المنطقة. فالأمريكي هو عرّاب ما يسمى اتفاقيات إبراهام التي تعني التطبيع وإقامة علاقات طبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي ومؤسساته وأجهزته ومواطنيه، في مجالات سياسية واقتصادية وأمنية وثقافية، متجاهلين بذلك حالة الحرب القائمة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال، ومعترفين بمشروعية الدولة الإسرائيلية على حساب الشعب الفلسطيني وأرضه. ويعتبر تحقيق التطبيع “حلماً” لقادة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بهدف الحصول على الشرعية الدولية وقبول كيانهم في المنطقة.
مسارات التطبيع الخيانية: من كامب ديفيد إلى اتفاقيات أبراهام
لقد شهد المسار التطبيعي عدة محطات تاريخية، بدأت باتفاقية كامب ديفيد عام 1978 التي أطلقتها مصر بانفرادها، مما أحدث شرخاً في الجسم العربي آنذاك. ولم تربط الاتفاقية السلام بحل القضية الفلسطينية بشكل كامل. وعلى الرغم من توقيعها منذ عقود، إلا أن التطبيع المصري الإسرائيلي توقف عند العلاقات الرسمية ولم يخترق عمق المجتمع المصري بفضل وعي الشعب المصري ورفضه للتطبيع، إلا أن العدو للأسف تمكن من التأثير على الوعي الشعبي العربي. ورأينا هذه التأثيرات في ردة فعل الشعوب العربية تجاه مجازر الإبادة التي مارسها العدو بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة على مدار عامين دون أن تكون هناك استجابة شعبية عربية سواء في مصر أو في غيرها، باستثناء ما حدث في اليمن وفي بعض الدول العربية من مظاهرات كان بعضها لحظياً. لكن في مصر مثلاً لم تخرج حتى مظاهرة واحدة، وهذا شيء مؤسف ودليل واضح على أن الشعوب العربية لم تعد بخير، وأن سموم العدو على مدار عقود من الاستهداف قد أصابت العقل العربي.
ثم جاءت اتفاقية أوسلو عام 1993 التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع العدو الإسرائيلي، والتي اعتُبرت “ورطة” للشعب الفلسطيني حيث خدمت أمن الكيان الصهيوني وفككت فكرة الدولة الفلسطينية، وأعطت ذريعة للحكومات العربية الأخرى للتطبيع، تلتها اتفاقية وادي عربة عام 1994 التي وقعتها الأردن.
أما القفزة النوعية في مسار التطبيع فجاءت مع اتفاقيات أبراهام عام 2020، التي وقعتها الإمارات والبحرين والسودان والمغرب مع العدو الصهيوني المجرم بوساطة أمريكية. تهدف هذه الاتفاقيات إلى مد جذور التطبيع في مجتمعات هذه الدول بشكل تدريجي ومتسارع، لا يقتصر على العلاقات الرسمية فقط، بل يسعى لاختراق الوعي الجماهيري عبر التعاون الثقافي والتعليمي والإعلامي.
إعادة تعريف التهديدات: من إسرائيل إلى إيران
من أخطر أدوات تطويع الشعوب إعادة تعريف مفهوم التهديد في المنطقة. فقد تحولت رؤية غالبية الدول العربية للخطر، حيث أصبح يُنظر إلى التهديدات الإيرانية على أنها أهم من الصراع العربي الإسرائيلي، وباتت إسرائيل تُعد “حليفاً استراتيجياً للحفاظ على أنظمتهم من الانهيار”. هذا التحول المفاهيمي شمل مجالات متعددة مثل الاقتصاد والأمن والعسكر والثقافة والتكنولوجيا والإعلام.
هذه السياسة تخدم بشكل مباشر المشروع الصهيوني الذي يسعى لتحويل العداء العربي من الكيان المحتل إلى دول إسلامية أخرى، مما يحرر إسرائيل من الضغوط العربية ويمنحها حرية أكبر في توسعها الاستيطاني وعدوانها على الشعب الفلسطيني.
الفجوة بين الأنظمة والشعوب: رفض جماهيري واسع
رغم كل هذه الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، إلا أن الشعوب العربية لا تزال ترفض بشكل واسع هذا النهج. أظهرت استطلاعات الرأي رفضاً شعبياً كبيراً لاتفاقيات أبراهام المدعومة أمريكياً؛ ففي مصر، يرى 82% أن اتفاقيات السلام سلبية “إلى حد ما” على الأقل، مما يدل على أن الشعب لا يؤيد سياسات حكومته بشأن هذه المسألة. وفي دول أخرى، أظهر “البارومتر العربي” أن التوجه الشعبي العام ضد التطبيع سلبي ويصل إلى أقصى درجاته في الجزائر.
بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب إبادة على غزة، ازداد الرفض الشعبي للتطبيع بشكل كبير، فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية المشاركين وصفوا الهجوم الإسرائيلي على غزة بـ”الإبادة الجماعية” أو “المجزرة” أو “التطهير العرقي”. وفي المغرب، انخفض تأييد التطبيع من 31% عام 2022 إلى 13% بعد أحداث 7 أكتوبر 2023.
هذه الفجوة الواسعة بين مواقف الأنظمة والشعوب تكشف عن طبيعة النفاق السياسي الذي تمارسه هذه الأنظمة، التي تدّعي تمثيل شعوبها بينما تتخذ قرارات استراتيجية تتعارض مع إرادتهم وقناعاتهم.
رؤية السيد حسين بدر الدين الحوثي: التحذير المبكر من التطبيع
يعتبر السيد حسين بدر الدين الحوثي من أوائل المفكرين والثائرين الذين دعوا إلى مقاومة الاستكبار العالمي والنهوض من حالة التبعية والخضوع. وقد أطلق شعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام” في 17 يناير 2002، وهو شعار لم يكن مجرد صيغة خطابية، بل كان إعلاناً عن مسار سياسي وثقافي جديد يهدف إلى إعادة تشكيل وعي الإنسان العربي والمسلم وإحياء روحه الجهادية المفقودة، وإعادة ربطه بمسؤوليته الدينية والعربية.
لقد حذّر السيد حسين بدر الدين الحوثي أهل اليمن من النفوذ الأمريكي في البلاد، واعتبر حرية فلسطين محورية القضية الفلسطينية وأنها مسؤولية جميع المسلمين، مؤكداً على ضرورة إحياء يوم القدس ومقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية. وبيّن خطورة التطبيع مع إسرائيل، وحذّر من المؤامرات الغربية التي تُحاك بمساعدة بعض الأنظمة العربية لتصفية القضية الفلسطينية. وقد أعادت الأحداث اللاحقة تأكيد صدق تحذيراته، حيث شهدنا هرولة دول عربية نحو التطبيع، مما يبرز بُعد نظره وعمق فهمه للمؤامرات المحاكة ضد الأمة.
رؤية السيد عبد الملك الحوثي: فضح النفاق العربي المعاصر
أما السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي فقد وصف مشروع ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد” بأنه خطة تهدف إلى جعل جميع الدول العربية عرضة للنفوذ الإسرائيلي والأمريكي، وتحويل الدول العربية إلى دول صغيرة ومفتتة، مما يوسع السيطرة الإسرائيلية عبر بلاد الشام وأجزاء من مصر والعراق والسعودية.
ويشير السيد عبد الملك الحوثي إلى أن “تخلي معظم المسلمين” عن القضية الفلسطينية، ومستوى “التخاذل العربي تجاه الشعب الفلسطيني” دليل على التحول الخطير في المواقف، ويدين “التطبيع العلني من قبل بعض الأنظمة” باعتباره شكلاً من أشكال “الخمول والاستسلام”.
من منظور السيد القائد، فإن تقديم “الخيانة في واقع الأمة كوجهة نظر” و”التعاون مع الأعداء والقتال ضد أبناء هذه الأمة”، يشير إلى انحراف أخلاقي وسياسي خطير، ويصف “المشروع الصهيوني” بأنه مدمر ويهدف إلى طمس هوية الأمة والتلاعب بفكرها من خلال الإعلام والتعليم.
كما يحذر السيد عبد الملك الأنظمة العربية التي تتحرك في الفلك الأمريكي من أن الولايات المتحدة تدعم التوسع الإسرائيلي للسيطرة على كل الأراضي العربية، ويتهم النظام السعودي مباشرة بتقديم “دعم عسكري مباشر للعدو”، ويصف صفقة مصرية لشراء الغاز الإسرائيلي بقيمة 35 مليار دولار بأنها “دعم فعلي للعدو”.
ويسلط الضوء على “الصمت والخضوع” في المواقف العربية الرسمية رداً على التصريحات الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل سوريا والقضية الفلسطينية، كدليل على توافقها مع الأجندات الإسرائيلية الأمريكية. ويؤكد أن من “يتخلى عن فلسطين سيتخلى عن شعوب أخرى في المنطقة”، مما يشير إلى أن الخيانة ستفيد في النهاية إسرائيل وحدها.
ويؤكد أن “خمول” الدول العربية والإسلامية تجاه الأعمال الإسرائيلية هو “قرار سياسي، وليس صدفة”، مما يعني أن هذه الأنظمة اختارت عن وعي أن تكون شريكاً في حماية أمن الكيان الصهيوني.
يتبع الجزء الثاني غدًا في موقع الحقيقة