خبراء ومحللون عرب: المشاركة اليمنية تحوّل نوعي في الصراع ورسائل استراتيجية تعيد رسم موازين القوى
الدور اليمني في المواجهة الإقليمية: أبعاد عسكرية واستراتيجية ورسائل متعددة التأثير
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة المواجهة، برزت العمليات العسكرية اليمنية الأخيرة كأحد أبرز التحولات في مسار الصراع، حيث حملت في طياتها رسائل عسكرية واستراتيجية وسياسية عميقة. وتباينت قراءات الخبراء والمحللين لهذه الخطوة، بين من اعتبرها نقطة تحول نوعية تعيد تشكيل موازين القوى، ومن رأى فيها ضغطاً إضافياً على الولايات المتحدة وحلفائها، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية وسياسية واقتصادية عالمية، ما يعكس اتساع دائرة التأثير لهذه العمليات خارج الإطار العسكري المباشر.
سيروي : تحول نوعي في مسار الصراع
أكد الخبير في الشؤون العسكرية، العقيد أكرم كمال سيروي، أن العملية اليمنية ضد أهداف عسكرية حساسة تمثل نقطة تحول نوعية في الصراع الإقليمي، وتأتي ضمن منظومة العمليات العسكرية لمحور المقاومة على مختلف الجبهات من فلسطين إلى لبنان، سوريا، إيران، واليمن.
وأوضح العقيد سيروي في لقاء مع قناة المسيرة السبت، أن الهدف الصهيوني واحد على كل الجبهات، وهو القضاء على محور المقاومة بشكل كامل، ما يجعل أي تحرك عسكري يمني جزءاً من الاستراتيجية الشاملة لمواجهة هذا التهديد، مبيناً أن العملية جاءت استجابة للمبدأ الأساسي الذي قامت عليه اليمن منذ البداية، وهو رد العدوان والمساهمة في الدفاع عن الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني، بالإضافة إلى دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مؤكداً أن المشاركة اليمنية تأتي ضمن واجب أخلاقي وسياسي لمواجهة العدوان، والحفاظ على التوازن العسكري في المنطقة.
رسائل استراتيجية متعددة الأبعاد
وأفاد أن العملية تحمل عدة رسائل استراتيجية، أبرزها إرباك العدو الصهيوني، حيث إن العملية تستهدف تشتيت قدرات العدو على أكثر من محور، ما يقلل من قدرته على تركيز قواته في أي جبهة واحدة، ويزيد العبء العسكري عليه، بالإضافة إلى شل قدرات العدو العسكرية من خلال ضرب الأهداف العسكرية الحساسة، بما يضعف الدفاعات الجوية ويقلل من قدرته على مهاجمة مواقع محور المقاومة في مناطق متعددة.
وأشار إلى أن العملية تعزز التنسيق الإقليمي، إذ تأتي بالتزامن مع الضربات التي ينفذها حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ما يعكس تنسيقاً عالياً بين اليمن وإيران ولبنان، ناهيك عن كونها رسالة أخلاقية وقانونية، حيث إن الالتزام بعدم استهداف المدنيين، وتوجيه الضربات نحو أهداف عسكرية فقط، يؤكد الالتزام بمبادئ أخلاقيات الحرب، على عكس ما وصفه بانتهاكات الطرف الآخر للقوانين الدولية.
تفاصيل العمليات والتكتيكات العسكرية
وأشار الخبير في الشؤون العسكرية إلى أن العملية استخدمت صواريخ بالستية دقيقة ضد أهداف عسكرية حساسة، مع تطبيق تكتيكات متقدمة لإرباك الدفاعات الجوية للعدو، مؤكداً أن هذه العمليات تم توزيعها بدقة بين مختلف الجهات، بحيث تضمن التزامن والتكامل مع العمليات التي تنفذها القوى الأخرى في محور المقاومة.
ولفت إلى أن العمليات اليمنية تركز على شل قدرات الجيش الإسرائيلي وإضعاف معنوياته، بعد ما وصفه بإعلان عن حالة من الترهل والتفكك داخل صفوفه، ما يجعل ضرب المنشآت العسكرية وتوجيه الصواريخ بدقة ضرورة استراتيجية لضمان نجاح العملية وتحقيق أهدافها.
تداعيات اقتصادية وضغوط دولية
وأفاد أن دخول اليمن في المعركة يضاعف الضغوط على الولايات المتحدة وكيان العدو الصهيوني، خاصة فيما يتعلق بسلاسل الإمداد العسكرية والاقتصادية، مبيناً أن العمليات اليمنية على البحر الأحمر تضع حاملات الطائرات الأمريكية والسفن العسكرية في مرمى النيران، مما يحد من حرية التحرك ويضغط على الإدارة الأمريكية.
ولفت إلى أن استمرار العمليات العسكرية يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ويضاعف أعباء الحرب على المواطن الأمريكي والأوروبي ودول الخليج العربي، مؤكداً أن هذه المعركة لم تعد محصورة في حدود جغرافية معينة، بل أصبحت لها تأثيرات اقتصادية وسياسية على مستوى العالم.
تحذيرات ورسائل سياسية واضحة
وبيّن العقيد سيروي أن الجمهورية اليمنية لم تستهدف أي شعوب مسلمة، بل ركزت عملياتها على العدو الصهيوني والأمريكي، محذراً من أي دول تشارك في تحالفات ضد محور المقاومة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مضيفاً أن البيان العسكري اليمني حدد خطوطاً حمراء واضحة لأي تدخلات، مؤكداً أن أي مشاركة دولية غير شرعية ستجد نفسها في مواجهة مباشرة.
وذكر أن مشاركة اليمن تمثل قوة خلفية استراتيجية، تتيح لمحور المقاومة تعزيز قدراته في مواجهة العدوان، وفتح جبهة جديدة تشل حركة القوات الأمريكية والإسرائيلية، وتزيد من الضغط العسكري على العدو، مضيفاً أن هذه المشاركة تأتي في توقيت حساس، لتعزيز التنسيق الإقليمي وتأكيد قدرة محور المقاومة على تنفيذ عمليات متزامنة ومتسقة عبر مختلف الجبهات.
واعتبر أن العملية اليمنية تمثل رسالة واضحة لكل الأطراف المعنية، مفادها أن محور المقاومة يمتلك القدرة على الدفاع عن نفسه في جميع الجبهات، ويستطيع شل قدرات العدو، مع الحفاظ على الالتزام بالقواعد الأخلاقية والقوانين الدولية، لافتاً إلى أن هذه المرحلة تفتح آفاقاً جديدة في الصراع الإقليمي، وتعيد التوازن بين القدرات المختلفة، مؤكداً أن اليمن أصبحت اليوم لاعباً محورياً في المعركة.
أبو طعام: رسائل تتجاوز البعد العسكري
من جانبه، اعتبر الكاتب والإعلامي العربي ضياء أبو طعام أن بيان القوات المسلحة اليمنية حمل رسائل استراتيجية عميقة تتجاوز البعد العسكري إلى التأثير المباشر في مستقبل المعركة ومساراتها المحتملة.
وقال في مداخلة على قناة المسيرة، إن بيان القوات المسلحة اليمنية “يُثلج صدور الكثير من اللبنانيين، خصوصاً من بيئة المقاومة”، مشيراً إلى أنه لمس ذلك بشكل مباشر خلال زيارته لأحد مراكز النزوح في بيروت، حيث “يسأل الناس دائماً عن موقف اليمن، وهل يمكن أن يشارك اليمن في هذه الحرب التي يبدو أن أفقها متجه نحو غالب ومغلوب لا إلى التسوية”.
وأوضح أبو طعام أن “المحددات الثلاثة أو الخطوط الحمراء الثلاثة التي رسمها بيان القوات المسلحة اليمنية تعني شيئاً واحداً”، وهو أن “محاولة ترامب ونتنياهو الوصول إلى حل لهذه الحرب بالقوة العسكرية السريعة، سواء عبر إنزال قوات أو ضرب بنى تحتية تتعلق بالدولة وبقدرة الشعوب على الاستمرار في الحياة، أو استخدام أسلحة استراتيجية محرمة، لن تمر مرور الكرام”.
وبيّن أن فهم دلالات هذه الخطوط لا يحتاج إلى كثير من التحليل، إذ إن “المقصود بالتصعيد اليمني هو باب المندب”، مستحضراً ما كان يقوله الصحفي المصري الراحل محمد حسنين هيكل بأن “محور المقاومة لا يحتاج إلى قنبلة نووية إذا كان لديه القدرة مع حلفائه على إقفال مضيقي هرمز وباب المندب”، لأن “إقفال هذين المضيقين يضع ملايين البشر في الغرب الصناعي تحت دائرة الخطر والانهيار الاقتصادي، ويؤدي إلى فقدان السلع الأساسية والثروات التي يسعون للسيطرة عليها”.
ونوّه إلى أن بيان القوات المسلحة اليمنية “وضح هذه الخطوط الحمراء”، متسائلاً عما إذا كان “نتنياهو وترامب سيذهبان إلى مغامرة لتوريط العالم الصناعي في معركة من أجل فك الحصار عن مضيق هرمز وباب المندب”.
وتابع بالقول إن “كل شيء مبرر لهذين الرجلين” وفق ما تصفهما به الصحف الأمريكية والإسرائيلية التي “تعتبرهما غير جديرين بالإدارة ولا يمكن الرهان على قراراتهما طالما أن مصلحتهما الشخصية هي الحاكمة”.
وأضاف أبو طعام أن “الولايات المتحدة تخسر في هذه المعركة، لكن ترامب ترتفع أسهمه لدى اللوبي الصهيوني جراء هذه الحرب، وبالتالي فهي معركته الشخصية أيضاً”، كما أن “نتنياهو الغارق في مشاكله الداخلية لا يبقيه في الحكم إلا استمرار الحروب”.
وفي ختام مداخلته، أشار أبو طعام إلى أن هذه المعطيات تعني أنه “قد يتم كسر هذه الخطوط الحمراء”، مرجحاً “حدوث تحولات دراماتيكية كبرى تتعلق بإقفال باب المندب”، في إطار “محاولة من ترامب للضغط على دول الناتو التي ترفض حتى الآن المشاركة في الحرب، عبر وضعها أمام خيارين: إما المشاركة أو مواجهة أزمات اقتصادية كبيرة قد لا تستطيع تحملها”.
أمهز: المشاركة اليمنية تغيّر المعادلة
بدوره، قال الخبير في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور حكم أمهز، إن العملية العسكرية اليمنية التي أعلنت عنها القوات المسلحة تأتي ضمن استراتيجية محسوبة ومدروسة بعناية، مشيراً إلى أن دخول اليمن في المعركة كان مبكراً نسبياً مقارنةً بتقديرات سابقة، لكنه شكل نقطة تحول نوعية في مسار المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.
وأوضح أن دخول اليمن جاء بعد سلسلة من التحركات المتدرجة، حيث بدأ محور المقاومة بمشاركة حزب الله اللبناني، تلاه الفصائل العراقية، بينما كانت هناك توقعات بتأجيل الدور اليمني لفترة قصيرة لمراقبة تطورات المعركة في لبنان، لكن الظروف الراهنة دفعت إلى التبكير بالدور اليمني نظراً لأهمية التحركات العسكرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأشار إلى أن اليمن أصبح قادراً على فرض ضغط استراتيجي مباشر على خطوط الإمداد الأمريكية والصهيونية، حيث يمكن أن يؤدي إغلاق مضيق باب المندب إلى كارثة تجارية عالمية، تتطلب من الناقلات الالتفاف آلاف الكيلومترات للوصول إلى المحيط الأطلسي، مع تكاليف وتأمينات باهظة، مما يضع واشنطن وكيان العدو أمام أعباء اقتصادية كبيرة.
ولفت إلى أن الجيش الإسرائيلي يواجه حالة من التراجع والتفكك نتيجة الحروب المستمرة على عدة جبهات، وهروب الجنود وعدم استجابة الاحتياطين، بالإضافة إلى انقسام الرأي العام، ما يزيد من الضغط على القيادة الأمريكية والإسرائيلية.
وأكد أن العمليات اليمنية المبكرة، بالتزامن مع ضربات محور المقاومة الأخرى، تستهدف شل القدرات العسكرية وتقويض الاستقرار، مع التركيز على استنزاف الموارد بشكل تدريجي، على غرار حروب الاستنزاف التي شهدها التاريخ الحديث.
وأضاف أن دخول اليمن في المعركة يفتح ساحة جديدة، خصوصاً أن القوات اليمنية تتحكم في نقاط عبور استراتيجية، مما يمكنها من استهداف خطوط الإمداد، مع الحفاظ على أمن الممرات الحيوية وعدم السماح بأي تدخلات معادية.
وحذر من محاولات تحريك أطراف إقليمية لضرب إيران، مؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت فشل هذه السيناريوهات، وأن اليمن يمثل قوة محورية تمنع أي اختراق في معادلة الصراع.
وجدد التأكيد على أن العملية اليمنية المبكرة هي مؤشر على قدرة التنسيق العالي وفتح جبهات متعددة لإرباك الخصوم، مع تهديد مباشر للمصالح الأمريكية، وضرورة أخذ هذا التطور في الحسبان عند دراسة مسار الحرب.
هزيمة: اليمن جزء أصيل من المواجهة
وأكد الخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور محمد هزيمة أن “اليمن لم يكن يومًا خارج إطار الحرب؛ بل هو جزء أصيل من جبهة تهدف لقطع الطريق على مساعي إخضاع المنطقة برمتها”.
وأشار إلى أن توقيت العمليات اليمنية الأخيرة تحكمه مقتضيات الميدان وقدرة الجبهة على المواجهة، لافتاً إلى أن الصواريخ اليمنية تركت واقعاً خاصاً داخل الكيان الإسرائيلي على المستويين الميداني والسياسي.
وانتقد ما وصفه بالعقلية الأمريكية في إدارة الحرب، معتبراً أنها تفتقر لفهم إرادة الشعوب واستعدادها للتضحية، مؤكداً أن تطورات الميدان تعكس واقعاً مختلفاً.
معربوني: اليمن قوة تغيّر وجه المنطقة
ووصف الباحث والخبير العسكري العميد عمر معربوني اليمن بأنه “الاحتياطي الاستراتيجي الكبير” في هذه المعركة التي يتغير مشهدها يومًا بعد يوم، معتبراً أن دخول اليمن المتجدد على خط المواجهة قد أكمل “طوق النار” حول الكيان.
وأوضح أن ما يجري يعكس سوء تقدير متكرر من قبل الخصوم، خاصة فيما يتعلق بقدرات اليمن، التي برزت بشكل لافت منذ بدء دعم غزة ولبنان.
وأشار إلى أن المعركة الحالية تُعد شاملة، وتهدف إلى إنهاء الوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً كبيراً سيكون لليمن فيه دور محوري.
وعلى الصعيد التقني، لفت إلى أن الاستهداف بدأ بإعطاء الأولوية للقواعد العسكرية، لينتقل إلى ضرب أنظمة الحرب الإلكترونية والسيبرانية والرادارية، ما يؤدي إلى تعقيد مهام الدفاع الجوي وقطع التواصل بين الوحدات العسكرية.
وأكد أن هذا التحول سيجبر الخصم على العودة إلى وسائل اتصال تقليدية، كما حدث في مواجهات سابقة، مشيراً إلى أن استهداف المواقع الحساسة لا يعقد العمليات فحسب، بل يسهل مهام القوى الأخرى في إدارة المرحلة القادمة.
وختم بالقول إن هذه التطورات تسهم في إعادة صياغة العقيدة العسكرية في المنطقة بما يتماشى مع التحولات الجارية.
خلاصة:
تعكس مجمل آراء الخبراء والمحللين أن المشاركة اليمنية في هذه المرحلة تمثل تحولاً استراتيجياً عميقاً في مسار الصراع، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية مع السياسية والاقتصادية، وسط توقعات بتصعيد أكبر وتغيرات واسعة في موازين القوى الإقليمية والدولية.