سليماني والمهندس: هندسة الإرادات وصناعة المنعطف التاريخي في وجه الهيمنة
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
مع اقتراب الذكرى السنوية لاستشهاد القائدين الكبيرين، الجنرال قاسم سليماني والحاج أبي مهدي المهندس، في تلك الغارة الغادرة قرب مطار بغداد عام 2020، يجد العالم نفسه أمام استحقاق قراءة إرثٍ لم يكن مجرد سيرة عسكرية حافلة، بل كان زلزالاً أعاد تشكيل الوعي الجمعي في الشرق الأوسط.
إن استذكار الحاج قاسم اليوم ليس بكاءً على الأطلال، بل هو تحليل لنهج “بناء الإنسان” قبل “خوض المعركة”، وهو استحضار لشخصية بلورتها سنوات الكفاح منذ قرى كرمان البسيطة وصولاً إلى قيادة فيلق القدس، لتصبح أنموذجاً للقيادة الثورية التي لا تؤمن بالحماسة اللحظية، بل بالمشاريع ذات النفس الطويل.
في حضرة الذكرى السادسة لرحيل قادة النصر، الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، لا نقف أمام مجرد حدثٍ عابر في التاريخ، بل أمام منعطفٍ وجودي أعاد صياغة إرادة الأمم. لقد بدأت الحكاية من قرى كرمان البسيطة، حيث تجلت الجذور الريفية والقيادة الأخلاقية في أسمى صورها، ليُثبت الحاج قاسم أن القائد الحقيقي هو من يصنع الإنسان قبل أن يخوض الميدان، ومن يزرع اليقين في القلوب قبل أن يغرس الرايات في القمم.
ومن تلك الروح الأخلاقية، وُلدت مدرسة تكتيكية فريدة، لم تكتفِ بالحماسة، بل اعتمدت العلم والدقة والمراقبة سبيلاً لتحقيق المستحيل؛ فكانت مياه ‘أروند’ شاهدة على عبقريةٍ لا تقرأ الميدان بالرؤية العسكرية فحسب، بل ببصيرة المؤمن الذي يطوع الطبيعة لخدمة الحق.
إن هذا البناء البشري والتقني لم يكن غايةً في ذاته، بل كان الدرع الحصين الذي تحطم عليه مشروع ‘البلقنة’ وتقسيم المنطقة؛ حيث نهض سليماني كـ مهندس للجغرافيا السياسية المقاومة، محولاً شتات الإرادات إلى محورٍ صلب، أجهض مشاريع الهيمنة وأعاد رسم حدود الكرامة من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء.
واليوم، ونحن نرى ارتدادات هذا النهج في ‘طوفان الأقصى’ وفي يقظة الأحرار عبر جامعات العالم وميادينه، ندرك أن إرث الدم والروح قد تجاوز غياب الجسد، لِيتحول إلى ‘حياةٍ مستمرة’ تنبض في كل رصاصة مقاوم وفي كل صرخة حق، مؤكدةً أن من استُشهد في سبيل الله قد خطَّ بدمه خارطة طريقٍ لا تعرف الانكسار.”
ولد الحاج قاسم عام 1958 في بيئة ريفية بسيطة بقرية “قنات ملك” التابعة لكرمان، هذه النشأة لم تكن تفصيلاً هامشياً، بل كانت حجر الزاوية في تكوين وعيه الاجتماعي الأخلاقي، قبل الثورة، كان موظفاً في مصلحة المياه، مواطناً عادياً يلامس هموم الناس اليومية.
هذا القرب من “الناس العاديين” هو ما فسر لاحقاً قدرته الفائقة على قيادة الجنود والشباب، وفهم تطلعاتهم في أخطر مراحل تاريخ الجمهورية الإسلامية.
عند التحاقه بالحرس الثوري عام 1980، بدأ من الصفر؛ حارساً للطائرات في مطار كرمان. لم يبحث عن رتبة أو وجاهة، بل كان يبحث عن ثغر يسده.. ومن سوسنكرد، بدأت ملامح القائد الميداني تتبلور، حيث تعلم الدرس الأول في “كسر الهيبة الزائفة للعدو”.
كانت المواجهات الأولى مع القوات العراقية آنذاك بمثابة “تحول ذهني”؛ إذ أدرك سليماني أن الانتصار يبدأ بكسر صورة “العدو الذي لا يقهر” في وعي المقاتل.
تميز الحاج قاسم في سنوات الحرب وما بعدها بأنه قائد يولي “التفاصيل” أهمية قصوى.. في عملية “والفجر 8” (فتح الفاو) عام 1986، تجلت عبقريته في دراسة حركة الجزر والمد في نهر أروند المعقد.
لم يكن العبور انتحاراً عسكرياً، بل كان نتيجة مراقبة علمية دقيقة استمرت لأسابيع حتى اكتشاف لحظات “سكون النهر”.
لكن العبقرية العسكرية كانت دائماً مغلفة ببعد معنوي، كان سليماني يرى أن سقوط “أعمدة الجبهة” من الرفاق والقادة، كحسن باقري ومجيد بقائي، يفرض مسؤولية مضاعفة على الأحياء لمتابعة الطريق.
لقد بنى جيلاً يؤمن بأن القضية لا تموت بموت شخوصها، وهو ما جعل منه مرجعاً معنوياً تجاوز حدود إيران ليصل إلى كل ساحات المقاومة.
بلغت منطقة غرب آسيا اليوم ما يوصف بـ “المنعطف التاريخي”، إن تهاوي أنماط الهيمنة العتيقة وصعود معادلات جديدة هو الثمرة المباشرة لما زرعه الشهيد سليماني.
لم تكن مواجهته لتنظيم “داعش” مجرد حرب على الإرهاب، بل كانت إجهاضاً لمشروع جيوسياسي صُمم في غرف الاستخبارات الغربية لإعادة رسم خارطة المنطقة وتمزيقها طائفياً لتأمين الكيان الصهيوني.
أدرك سليماني ببصيرته أن الجيوش الكلاسيكية وحدها لا تكفي لمواجهة هذا الخطر، فاستنهض “هندسة الإرادات”، جمع أشتات الطاقات من العراق والشام ولبنان واليمن، وصاغ منها “جيشاً شعبيّاً” عابراً للجغرافيا والطوائف، جمعه خطر داهم وهدف أسمى هو الدفاع عن الهوية والمقدسات.
إن التحول الجوهري الذي أحدثه الشهيد يكمن في تحويل “المقاومة” من تحالف ظرفي إلى “هيكل راسخ” يقوم على سوسيولوجيا شعوب المنطقة.
لقد غرس في وعي هذه الشعوب أن خلاص فلسطين واجتثاث المعاناة لا يتمان إلا باقتلاع الكيان الصهيوني بوصفه مشروعاً استعمارياً غريباً.
هذا النهج اعتمد على “الأمن من الداخل” والاتكاء على طاقات الأمم الأصيلة بدلاً من الارتهان لمظلات الحماية الغربية.
وهو خطاب إنساني وسياسي استلهم روحه من مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، مما جعله ينفذ إلى قلوب الأحرار في كل مكان، بغض النظر عن دياناتهم أو مذاهبهم أو أعراقهم.
في وجه مشاريع “الشرق الأوسط الجديد” وخطط “بلقنة المنطقة” التي تسعى لتمزيق الأوصال الإسلامية، وقفت المقاومة سداً منيعاً، من الشام إلى العراق واليمن ولبنان، منعت المقاومة مهندسي التجزئة من إتمام خرائطهم.
واليوم، ومع عودة الطموحات الاستعمارية بوجوه جديدة، يبدو ما بناه سليماني أكثر رسوخاً وضرورة؛ فالمقاومة ليست مجرد سلاح، بل هي حارس للجغرافيا السياسية وحامية لوحدة الشعوب.
ظن القتلة أن رصاصات الغدر في مطار بغداد ستطوي صفحة “سليماني والمهندس”، لكن الذكرى السادسة تثبت أن “الروح الثورية لا تُغتال”.
إن طيف سليماني اليوم يسير في كل ساحة؛ من زلزال “طوفان الأقصى” وصمود غزة الأسطوري، إلى جبهات الإسناد في لبنان واليمن، وصولاً إلى الحراك الطلابي في الجامعات الأمريكية والأوروبية الذي يرفض الظلم.
لقد تحول الحاج قاسم من قائد عسكري إلى “نهج ومشروع”، محققاً الوعد الإلهي: ((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)).
إن هذه “الحياة المستمرة” هي التي تؤرق أحلام الأعداء اليوم، وهي التي وضعت المنطقة على طريق التحرر الكامل الذي لا عودة عنه.