سياسة «حتى ينفضوا»
عبدالمؤمن محمد جحاف
في سياقٍ واحدٍ ممتدٍّ عبر التاريخ، تتكرّر أدوات الصراع وإن تغيّرت مسمّياتها، وتبقى الحرب على المؤمنين والأحرار حربًا واحدة في جوهرها، تستهدف الإرادة ،وتستهدف الوعي.
سياسة التضييق المالي والمعيشي ليست ظاهرة طارئة، ولا إجراءً معزولًا، بل هي سلاحٌ منهجي استخدمه المنافقون قديمًا، ويُعاد إنتاجه اليوم بصيغ أكثر دهاءً ونعومة. القرآن الكريم وثّق هذه الحقيقة حين كشف قولهم:
*”لا تُنفِقوا على مَن عند رسولِ الله حتى ينفَضّوا”*
أن الهدف يومها هو كسر الصفّ الإيماني من الداخل، وتجفيف الصمود، ومحاولة دفع المؤمنين إلى التراجع .
عندما فشل المنافقون في مواجهة الإسلام بالسيف، لجؤوا إلى الحصار والتضييق؛ لأنهم أدركوا أن الجائع قد يُرهَق، والمُحاصَر قد تتضعضع معنوياته. وهنا تتجلّى الخباثة المنهجية:
•ضرب القوت اليومي بدل المواجهة العلنية.
•محاصرة المعيشة بدل الاصطدام بالقيم.
•استهداف الاستقرار النفسي بدل الدخول في معركة مواقف.
وهذا بالضبط ما نراه اليوم في الصراعات الناعمة الحديثة:
حصار اقتصادي، تضييق معيشي، تجفيف موارد، تشويه سمعة، والإغراق في همّ اللقمة… وكل ذلك تحت عناوين “إصلاح الوضع”، أو “إجراءات قانونية”، أو “ضغوط ”.
الفرق بين الأمس واليوم ليس في الجوهر ، بل في الشكل.
فالمنافق بالأمس قالها صراحة: «لا تنفقوا»،
أما اليوم فيقولونها بلغةٍ ناعمة:
•ضيعوا الجهود
•أوقفوا الحقوق
•ضيقوا الخناق
•جوعه يفهم
•غيرو،بدلوا
*والهدف واحد: “حتى ينفضّوا”…*
حتى يتخلّى الأحرار عن مواقفهم، وحتى تُكسَر الجبهة الداخلية دون طلقة واحدة.
وفي خضمّ هذا الصراع، يبرز خللٌ أخطر حين لا تدرك بعض القيادات ما يريده المنافقون حقيقة؛ فيأتوا ليتحدّثوا عن “إصلاحات إدارية” ومن هذه النغمات في ظاهر الخطاب، بينما يُغفل الأساس الذي تُدار عليه هذه البرمات. فالإجراءات حين تُفصل عن سياق الصراع، تتحوّل إلى أدوات تخدم هدفهم ذاته الذي عبّر عنه القرآن بوضوح: «حتى ينفضوا».
وبالتالي هنا يتجلّى الفارق بين المؤمن وغيره. فالمؤمن يدرك أن:
•التضييق امتحان لا هزيمة.
•الحصار مرحلة لا نهاية.
•الصبر سلاح لا ضعف.
كما يدرك أن الرزق بيد الله، لا بيد أحد ، وأن المعركة ليست معركة خبز فقط، بل معركة ثبات وانتماء وكرامة.
فقد قال الله تعالى.
” وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْـمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ
ختاماً
الحصار المالي والمعيشي هو:
•أداة من أدوات الحرب الناعمة الباطلة
•امتداد لحرب المنافقين على الإيمان
•محاولة لكسر الموقف عبر لقمة العيش
لكن التاريخ والواقع أثبتا أن:
كل حصارٍ يُواجه بوعيٍ وإيمان، يتحوّل من وسيلة كسر… إلى رافعة صمود، ومن أداة إخضاع… إلى عنوان فرز بين الأحرار والمتخاذلين.
وهكذا، من زمن رسول الله صلوات الله عليه واله إلى يومنا هذا، تبقى الحقيقة واحدة:
حين تُستهدف معيشتك لأنك حرّ ومؤمن، فاعلم أنك في قلب المعركة… وعلى الطريق الصحيح.