عالقون في جنوب لبنان: حين تُسقط الطائرات المسيّرة أوهام الجيوش النظامية

شهد يوم الجمعة الخامس عشر من مايو 2026 تصعيداً استثنائياً على الجبهة اللبنانية، وصفته الأوساط الأمنية والعسكرية التابعة للعدو بأنه “أعنف يوم قتال منذ بدء ما يُسمى بوقف إطلاق النار”. وقد تجلّت في هذا اليوم معادلة راسخة تُكرّسها المقاومة الإسلامية، تقوم على “الدفاع النشط والردع الميداني” رداً على التمادي الإسرائيلي المتواصل في خرق الهدنة واستهداف المدنيين.

المشهد السياسي والعسكري

على الصعيد السياسي، يعيش العدو الإسرائيلي حالة من الانفصام الواضح؛ إذ يحرص مسؤولوه على تصوير أجواء “إيجابية” لمحادثات واشنطن مع الجانب اللبناني، في الوقت الذي يغرق فيه جيشهم في وحل الاستنزاف جنوبي لبنان. وتتصاعد داخل “إسرائيل” أصوات محبطة من سياسة “الاحتواء” وتآكل الردع، فيما تحوّلت مناطق الشمال الإسرائيلي والشريط الساحلي إلى مناطق عسكرية مغلقة وخالية من الحياة المدنية.

عمليات المقاومة

نفّذت المقاومة الإسلامية طوال اليوم كثافة نارية غير مسبوقة، تميّزت بالدقة والتركيز على القوات البرية الصهيونية المتوغلة وآلياتها الهندسية. ارتكزت هذه العمليات على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها هندسة الميدان عبر تفجير العبوات الناسفة، التي أثبتت فاعلية بالغة في إحباط محاولات التسلل، لا سيما تلك التي استهدفت مضخة مياه الطيبة وأجبرت القوات على الانكفاء تحت غطاء دخاني. وفي السياق ذاته، أُصيبت جرّافتا D9 بين رشاف وحدّاثا بعبوات مدمرة حين حاولتا التوغل باتجاه البلدة.

أما المحور الثاني فكان الاستخدام المكثف للمسيّرات الانقضاضية وأسراب الطائرات المُسيَّرة، التي استهدفت التجمعات البشرية ودروع العدو من دبابات ميركافا وآليات نميرا في مناطق الخيام ورشاف والبياضة والناقورة ودير سريان. وقد أسهمت هذه التقنية في تحقيق إصابات دقيقة ومتكررة على مدار ساعات اليوم كله. والمحور الثالث تمثّل في توسيع بُعد الاستهداف نحو ثكنة ليمان ومقر قيادة اللواء 300، وصولاً إلى قصف ثكنة كريات شمونة رداً مباشراً على استهداف المدنيين على الخط الساحلي.

العدوان الإسرائيلي

في المقابل، اتبع الجيش الإسرائيلي سياسة “الأرض المحروقة”، مستهدفاً أكثر من أربعين بلدة وقرية في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل بغارات جوية ومسيّرات. وسجّل استخدام القذائف الفوسفورية المحرّمة دولياً في زوطر الشرقية، بينما ركّزت القوات البرية نشاطها على محاور البياضة – الناقورة، ورشاف – حدّاثا، والخيام، والطيبة – العديسة، معتمدةً على جرافات D9 وآليات الحفر لتدمير البنى التحتية والمنازل، في ما وصفه وزير أمن العدو صراحةً بأنه “تدمير منازل الخط الأول”.

تحليل الأداء التكتيكي

كشف اليوم عن هوّة واسعة بين أداء الطرفين؛ فقد أبدت المقاومة مرونة تكتيكية عالية وتفوقاً استخباراتياً لافتاً، يتجلى في الرصد المسبق للآليات وتتبع مسارات التسلل بدقة. واعتمادها الكثيف على المسيّرات الانقضاضية يعكس منطقاً لامركزياً ذكياً يتجاوز منظومات التشويش والدفاع الجوي للعدو. في المقابل، كشف جيش الاحتلال عن عقم تكتيكي جلي؛ إذ بات يعتمد كلياً على القوة النارية المفرطة للتعويض عن فشله في تثبيت السيطرة البرية، فيما تبدو قواته في حالة “انكشاف تام”، تتحرك تحت جنح الظلام أو خلف آليات التجريف، وتنسحب سريعاً فور التعرض لأي كمين.

دلالة إعلان المنطقة العسكرية المغلقة

أعلن العدو منطقة أخزيف – رأس الناقورة منطقةً عسكريةً مغلقة بعمق خمسة كيلومترات، وهو مؤشر على تحضير لعمليات هجومية أو لوجستية كبرى. الأرجح أن الغاية هي إنشاء مناطق حشد آمنة لاستقدام قوات جديدة، ومحاولة كسر الاستعصاء على محور الناقورة – البياضة حيث تعاني الألوية الإسرائيلية من استنزاف حاد. غير أن هذا الإجراء ينطوي على فخّ مميت بالنسبة للعدو؛ إذ إن حشر قوات وآليات في بقعة جغرافية ضيقة ومكشوفة سيجعل منها أهدافاً مثالية لأسراب المسيّرات وصواريخ المقاومة الثقيلة، لا سيما أن المقاومة أثبتت يوماً بعد يوم امتلاكها سيطرة بصرية ونارية كاملة على هذا المحور.

شهادات العدو على نفسه

لم يكن لافتاً ما فعلته المقاومة بقدر ما أقرّ به العدو ذاته؛ فقد كشفت قناة “كان” العبرية أن إسرائيل “وجدت نفسها في حرب مع حزب الله لا تعرف كيف تنهيها”. وأدلت قائدة سرية في لواء غيفعاتي بشهادة صريحة قالت فيها إن “المحلّقات المتفجرة تحمل تكنولوجيا متطورة وخطيرة للغاية ولا يمكن الاستهانة بها”. أما المحلل العسكري يوآف ليمور فأقرّ بأن “الضرر في الشمال يمثل إنجازاً استراتيجياً هائلاً لحزب الله”. وكشفت القناة 12 عن حالة إحباط متزايدة داخل الجيش “بسبب الجمود الميداني واستمرار النزيف”، مسجّلةً سقوط سبعة قتلى وأربعة وثلاثين جريحاً بحالات خطيرة ومتوسطة منذ بدء “الهدنة”.

أسقطت المقاومة الإسلامية في هذا اليوم، بالنار والميدان، الأوهامَ الإسرائيلية والأمريكية بإمكانية فرض وقائع سياسية تحت الضغط العسكري. والعدو بات عالقاً في مأزق مركّب: قواته تتعرض لاستنزاف يومي متصاعد، ومستوطناته الشمالية لا تزال تحت مرمى المسيّرات، وجبهته الداخلية تفقد ثقتها. والمرجح أن المقاومة ستواصل سياسة التصعيد المتدرج لرفع كلفة بقاء العدو في القرى اللبنانية إلى مستوى لا يحتمله، فيما يجد الاحتلال نفسه عاجزاً عن تطوير المناورة البرية، ومضطراً للبحث عن مخارج تُنقذه من حرب استنزاف تتفوق فيها المقاومة تكتيكياً واستراتيجياً.

الخنادق

قد يعجبك ايضا