عملية اغتيال قائد الرضوان: خرق فاضح.. وسيفشل الرهان الإسرائيلي

في جريمة غادرة تضاف إلى سجل الكيان المؤقت الحافل بالانتهاكات، امتدت يد الإجرام مساء الأربعاء، السادس من أيار/مايو 2026، لتستهدف وفق المزاعم الإسرائيلية قائد “قوة الرضوان” في المقاومة الإسلامية – حزب الله، في قلب ضاحية بيروت الجنوبية. هذا العدوان الآثم ليس مجرد عملية اغتيال لكادر عسكري، بل هو خرق فاضح لكل التفاهمات التي تم التوصل إليها منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

جريمة في “المناطق المحيّدة” وسكوت رسمي مريب

فاستهداف ضاحية بيروت الجنوبية، وهي منطقة مدنية غير قتالية جرى تحييدها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، يمثل ذروة الصلف الإسرائيلي والسكوت الرسمي المريب للسلطات اللبنانية المتفوقة ببيانات الاستنكار في كل ما لا يتعلق ببلادها. لأن هذا العدوان، لم يأتِ في سياق اشتباك ميداني، بل كان عملية هجوم اغتيال مدبرة في عمق المناطق السكنية، بما يجعلها جريمة حرب مكتملة الأركان واختراقاً لا لبس فيه للخطوط الحمر.

والأخطر من العدوان نفسه، هو البيئة السياسية التي سمحت بوقوعه. إذ لا يمكن فصل هذا التجرؤ الإسرائيلي عن سياسة “الصمت المطبق” التي تنتهجها السلطة اللبنانية تجاه الاختراقات اليومية منذ 27 تشرين الثاني 2024. فاستمرار السلطة في تقديم التنازلات المتتالية وصولاً الى قرار البدء بمفاوضات مباشرة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، دون الحصول على أي ضمانات حقيقية، يحوّل “اتفاقات وقف إطلاق النار” إلى غطاء يستغله العدو لتنفيذ مآربه وتصفية حساباته، وسط غياب تام للموقف الرسمي الذي كان يُفترض به أن يحمي سيادة البلاد وأرواح مواطنيها.

تعقيد مفاوضات إسلام آباد

وتأتي هذه العملية في توقيت سياسي حساس جداً، فكيان الاحتلال بشكل واضح، يسعى من خلال هذا التصعيد إلى تلغيم المسارات التفاوضية الجارية في “إسلام آباد”، وأبعد من ذلك، محاولة الإيحاء بأن مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية ليس مرتبطاً بالعدوان على لبنان ومسار وحدة ساحات المقاومة.

فالعدو من وراء هذه الجريمة، يحاول ممارسة أقصى درجات الضغط على محور المقاومة، مفترضاً امكانية تحصيله مكاسب سياسية عجز عن تحقيقها في الميدان.

وفي مسار متّصل، يعكس اختيار هذا التوقيت بالتحديد لاستهداف كادر بوزن “قائد قوة الرضوان”، حالة “الإفلاس” التي تعيشها قيادة الاحتلال، فيما وصفته الصحافة الإسرائيلية بالفخ الاستراتيجي في جنوبي لبنان، والذي تبرز فيه المحلّقات الانقضاضية كسلاح نوعي أرهق الجيش الإسرائيلي وأوقع فيه الخسائر الفادحة، واستعصى على كلّ إجراء حاول الإسرائيليون تطبيقه لصدّه.

وهنا لا بد الإشارة الى موضوع لافت لبعد مهم في العملية، وهو ما تحفره قوة الرضوان النخبوية، في الوعي الجمعي لكيان الاحتلال، بحيث بات اسمها يثير الرعب في قلوب جنود وقادة الاحتلال. فهي القوة التي كان لها الدور الكبير في لإجهاض العملية الهجومية البرية الكبرى التي كان يخطط لها العدو للوصول إلى نهر الليطاني. إن الفعالية العالية التي أبدتها “الرضوان” في الميدان، وتكبيدها الاحتلال خسائر فادحة على المستويات كافة، هي التي جعلت من كوادرها أهدافاً دائمة للغدر الصهيوني، بعدما ظنّوا سابقاً خلال أيلول/سبتمبر 2024، أنهم باغتيالهم لقائدها الجهادي الكبير الحاج إبراهيم عقيل “الحاج عبد القادر” قد استطاعوا إنهائها الى غير رجعة.

فما يغيب عن قادة الاحتلال، هو أن “المقاومة الإسلامية” تعمل وفق هيكلية مؤسسية صلبة، حيث يشغل القادة مواقعهم وهم يدركون أن الشهادة جزء من تكليفهم وانتصارهم وأرفع وسام سيحصلون عليه. وفي الوقت عينه، فإن لكل قائد في المقاومة “بدلاء قياديين” جرى إعدادهم وتدريبهم بمستوى عالٍ من الاحترافية، وهم يتسلمون مهامهم فوراً وبشكل آلي عند استشهاد أي كادر. لذلك على إسرائيل في مواجهتها للمقاومة في لبنان، أو في أي ساحة من جبهة محور المقاومة، أن تعي بشكل واضح بأن العمل الجهادي المقاوم يتّسم بالاستمرارية، والخطط الميدانية موضوعة سلفاً، والآلة العسكرية للمقاومة لا ترتبط بشخص، بل برؤية وإرادة جماعية لا تعرف الكلل ولا حدّ للتضحية عندها في سبيل تحقيق الأهداف.

لذلك، سواء تحقّق الاغتيال أم أخفق، لن يكون لجريمة الغدر الإسرائيلية أي تداعيات سلبية على المسار العسكري للمقاومة؛ بل على العكس تماماً، ستكون تأثيراته “تعبوية” بامتياز. بحيث ستزيد هذه العمليات من تماسك القاعدة الشعبية حول خيار المقاومة، وستعطي دفعاً معنوياً هائلاً للمقاومين يزيد من إرادتهم صلبة للانتقام وتحقيق النصر. وتثبت هذه العملية من جديد، أن الطريق الوحيد لإلزام هذا العدو ودفعه للتراجع هو “دحره من الأرض مهزوماً”، وجعل كلفة عدوانه أكبر بكثير من قدرته على الاحتمال. فلن يحمي لبنان الاتفاقات الورقية التي تُنتهك في وضح النهار، بل تحميه القوة المتجسّدة بالمقاومة، بسواعد رجالها وصواريخها وطائراتها المحلّقة والمسيّرة الانقضاضية وبكل وحداتها الدفاعية والهجومية. فالمقاومة أثبتت أنها الوحيدة القادرة على ردع العدوان مهما بلغت التضحيات.

الخنادق

قد يعجبك ايضا