هل تبتلع غطرسة “العدو الصهيوني” تفاهمات واشنطن وطهران؟

صادق البهكلي

يبدو المشهد في منطقتنا اليوم وكأنه مسرحية “عبثية” بامتياز؛ فبينما تضج العواصم بالحديث عن “انفراجة” تاريخية ومذكرة تفاهم أمريكية إيرانية وُصفت بأنها “طوق نجاة” للإقليم، تشتعل سماء لبنان بنيران الغارات الإسرائيلية التي لا تبقي ولا تذر، وتظل موانئ اليمن ترزح تحت وطأة حصار خانق يرفض أن يرحل برغم كل الوعود. نحن أمام مفارقة استراتيجية صارخة: “دبلوماسية ناعمة” تُطبخ في الغرف المغلقة بين واشنطن وطهران، و”وحشية مفرطة” في الميدان تقودها طائرات العدو الإسرائيلي – بضوء أخضر – من واشنطن نفسها.

هذا التقرير يسعى لتعرية هذا التناقض البنيوي، متسائلاً بلسان المواطن العربي المكتوي بنار هذه الحروب: هل ما جرى توقيعه هو “خارطة طريق” حقيقية للسلام، أم أنه مجرد “تخدير موضعِي” يمنح العدو الإسرائيلي وقتاً إضافياً لاستكمال مشروعها التدميري في المنطقة.

مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.. ومناورات اللحظة الأخيرة

لا يمكن للباحث المدقق أن يفهم ما جرى بين واشنطن وطهران بمعزل عن التحولات العميقة التي فرضتها نتائج المواجهة الأخيرة على الطرفين. فالإطار التفاهمي الذي عُرف إعلامياً بـ«تفاهمات إسلام آباد» لم يولد في لحظة توازن مريح أو من موقع تفوق أمريكي، بل جاء نتيجة مباشرة لفشل الحرب في تحقيق أهدافها المعلنة، وعجز واشنطن عن كسر الإرادة الإيرانية أو فرض شروطها بالقوة، مقابل رد إيراني نوعي ومفاجئ قلب كثيراً من الحسابات الاستراتيجية وأثبت أن كلفة استمرار المواجهة باتت أعلى من قدرة الأطراف على تحملها. ومن هنا، فإن المفاوضات التي جرت في كواليس العواصم المحايدة لم تكن تبحث عن «سلام عادل» بقدر ما كانت تبحث عن آلية لاحتواء التداعيات ومنع الانزلاق نحو فوضى إقليمية أوسع خرجت تدريجياً عن نطاق السيطرة. أما المذكرة التي تم توقيعها مؤخراً فلا ترقى إلى مستوى «الاتفاقية النهائية» بالمعنى القانوني الملزم، وإنما تمثل ما يمكن وصفه بـ«بروتوكول تهدئة» أو «اتفاق إطاري انتقالي» يهدف إلى إدارة مرحلة ما بعد المواجهة لا إنهاء أسبابها.

لقد توصل الطرفان إلى تفاهمات أولية تقضي بوقف التصعيد العسكري المباشر، وتجميد أجزاء حساسة من البرنامج النووي الإيراني مقابل انفراجة اقتصادية محدودة تشمل الإفراج عن بعض الأرصدة المجمدة وتخفيف جزء من القيود التجارية والمالية. غير أن ما يمنح هذه المذكرة أهميتها الحقيقية لا يكمن في بنودها المعلنة، بل في ملاحقها الإقليمية غير المعلنة، حيث تمتد خطوطها إلى ساحات الاشتباك المفتوحة من لبنان إلى العراق واليمن، وهي الساحات التي تشكل في الواقع الميدان الفعلي لاختبار صدقية أي تفاهم بين الطرفين.

وتكمن العقدة الأساسية في «مهلة الستين يوماً» التي جرى تحديدها كمرحلة انتقالية. فمن المنظور الاستراتيجي تمثل هذه المهلة فترة اختبار متبادل للنوايا؛ إذ تسعى إدارة ترامب إلى قياس مدى قدرة طهران على ضبط إيقاع حلفائها في المنطقة، بينما تحاول طهران التأكد من أن واشنطن ستلتزم عملياً بما تعهدت به من خطوات اقتصادية وسياسية، غير أن القراءة الصحفية المنحازة للحقيقة تكشف وجهاً آخر لهذه المهلة، فهي ليست مجرد فترة اختبار، بل نافذة زمنية شديدة الحساسية تمنح مختلف الأطراف فرصة لإعادة ترتيب الأوراق الميدانية وتعديل موازين القوة وفرض وقائع جديدة تحت النار قبل الوصول إلى أي صيغة أكثر استقراراً.

وعلى أن البنود المنشورة لم تركز بالأساس على موضوع البرنامج النووي أو إدراج من تسميهم واشنطن بحلفاء إيران في المنطقة وإنما ركزت على وفق اطلاق النار في كافة الجبهات بما في ذلك لبنان ورفع الحصار عن إيران واطلاق أموالها المحتجزة.. وعلى أن تكون مناقشة الملف النووي خلال مهلة الستين يوما..

أما أسباب احتمال تعثر هذا التفاهم فتبدأ من طبيعة الأطراف الراعية له، فالإدارة الأمريكية ما تزال تمارس ازدواجية صارخة؛ توقع تفاهمات للتهدئة من جهة، وتواصل توفير الغطاء السياسي والعسكري والدعم التسليحي للعدو الإسرائيلي من جهة أخرى، كما يتحمل اليمين الصهيوني المتطرف المسؤولية الأكبر عن تهديد هذا المسار، لأنه ينظر إلى أي تهدئة أمريكية ـ إيرانية باعتبارها انتقاصاً من مشروعه القائم على التفوق المطلق والحروب المفتوحة، وفشل ذريع لما أطلق عليه ” الشرق الأوسط الجديد” ولذلك يبدو هذا الاتفاق أقرب إلى تسوية هشة وُلدت تحت ضغط الهزيمة الأمريكية وتعقيدات الميدان أكثر من كونه نتاج قناعة استراتيجية راسخة، ما يجعله عرضة للاهتزاز عند أول مغامرة إسرائيلية تتجاوز سقف التفاهمات، وعندها ستجد واشنطن نفسها مجدداً في موقع المتهم الأول، سواء بالتواطؤ أو بالعجز عن ضبط حليفها.

السيادة اللبنانية عندما تتحول إلى “رهينة” على طاولة المساومات

إذا كانت المذكرة الأمريكية الإيرانية تنص صراحة على احترام سيادة لبنان ووقف الأعمال العدائية المتبادلة، وانسحاب القوات الصهيونية من جنوب لبنان فلماذا تواصل آلة القتل الإسرائيلية حصاد الأرواح في الضاحية والجنوب والبقاع؟ هنا تنكشف “حدود نفوذ ترامب” وتظهر الحقيقة العارية التي يحاول الإعلام الغربي تغطيتها: إسرائيل لا ترى نفسها ملزمة بتفاهمات “الكبار” إذا لم تضمن لها “تفكيك” روح المقاومة في الشعب اللبناني، وسلب المقاومة من سلاحها التي تدافع به عن لبنان.

تطرح القراءة التحليلية أربع فرضيات لتفسير هذا السعار الإسرائيلي المتواصل:

الفرضية الأولى: هي استراتيجية “قضم الميدان”؛ حيث يحاول العدو الإسرائيلي فرض واقع أمني مشدد (منطقة عازلة أو تفريغ سكاني) قبل أن تصبح بنود المذكرة أمراً واقعاً، رغبةً منها في تحويل أي اتفاق سياسي إلى صك اعتراف بمكاسبها العسكرية، الفرضية

الثانية: القلق الوجودي لمجرم الحرب نتنياهو من “المكاسب الاستراتيجية” لطهران؛ فالاتفاق يمنح إيران اعترافاً ضمنياً بدورها الإقليمي، وهو ما تعتبره إسرائيل هزيمة لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي لطالما تحدث عن المجرم نتانياهو بكل غرور…كما يخشى تبعات هذا الاتفاق على طموحه السياسي إذ يشكل في حال نجاحه بمثابة موت المجرم نتانياهو سياسيا وقد يقوده إلى خلف قضبان السجن بتهم فساد يحاول الهروب منها بإشعال الحرائق في المنطقة.

الفرضية الثالثة: التصعيد كأداة “ابتزاز تفاوضي”؛ فالعدو الإسرائيلي يريد تحسين شروطه، ليس في لبنان فحسب، بل في غزة والضفة أيضاً، عبر إظهار قدرتها على تخريب أي تهدئة لا تلبي سقف طموحاتها المتطرفة.

الفرضية الرابعة: وهي الأعمق، تكمن في “فجوة الإرادات” بين البيت الأبيض و” ومتطرفي الكيان الصهيوني” في الأراضي المحتلة. فبينما يريد ترامب “صفقة سريعة” يُسجلها كإنجاز دبلوماسي في مذكراته، يريد اليمين الصهيوني المجرم “حرباً مفتوحة” تستأصل الخصوم

وتغير خرائط المنطقة للأبد.

الخلاصة التي نضعها أمام القارئ هي أن الاعتداءات على لبنان ليست مجرد “خروقات أمنية” يمكن معالجتها عبر اليونيفيل، بل هي “مؤشر صراع إرادات” دولي. العدو الإسرائيلي بتمرده الحالي، يحاول إرسال رسالة لواشنطن مفادها: “أنا من يحدد سقف التهدئة، ولا سيادة للبنان ما دامت تتعارض مع رغبتي في الهيمنة”. إنها “بلطجة” دولية تتم تحت سمع وبصر العالم، وتجعل من شعارات واشنطن عن السلام مجرد “هراء” لا يساوي ثمن الحبر

الذي كُتبت به.

اليمن واستحقاقات ما بعد الحرب.. رفع الحصار وجبر الضرر بوابة الاستقرار في المنطقة

في غمرة الحديث وغبار معارك غزة وصواريخ إيران، ومسيرات لبنان الانقضاضية يُراد لليمن أن يظل “الملف المنسي” أو “الجائزة الهامشية” التي يمكن التضحية بها على مذبح المصالح الكبرى. لكن المنطق التاريخي الذي يتبناه الأحرار يؤكد أن اليمن هو “البوصلة لأي استقرار في المنطقة” ونجاح لأي اتفاق، فلا يمكن للعالم أن يتحدث عن “إغلاق ملف الحرب” بينما يظل الملايين من أبناء الشعب اليمني تحت مقصلة حصار خانق يمنع الدواء والغذاء والوقود؟ وهذا ما أعلنه قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي في بيانه الأخير بمناسبة العام الهجري الجديد حيث دعا الشعب اليمني بشقيه السياسي والشعبي الى الاستعداد لتطهير اليمن من الغزاة وأدواتهم ورفع الحصار وإنهاء المعاناة جراء العدوان الأمريكي السعودي.. والكرة الآن في ملعب واشنطن والسعودية وعليهما أن يختارا بين معالجة آثار الحرب في اليمن أو حرب قد تكون نتائجها أكثر وطأة على الاقتصاد العالمي من إغلاق مضيق هرمز نتيجة لموقع اليمن الاستراتيجي وسيطرته على أهم المضايق العالمية كما أن القدرات الصاروخية اليمنية باتت تصل البحر الأبيض المتوسط وإلى ما بعد المحيط الهندي وقد يكون اليمن قادرا على منع مرار أي سفن غربية لا من باب المندب ولا من رأس الرجاء الصالح كما أن اليمن قادر على وقف تصدير النفط من دول الخليج كافة.

قضية اليمن اليوم لم تعد مجرد “هدنة لا نهاية لها” كما تروج بعض المنصات الدبلوماسية،

بل هي “استحقاق شامل” يبدأ برفع الحصار ولا ينتهي عند إعادة الإعمار. الحرب التي

استمرت لسنوات طوال لم تكن نزهة، بل كانت عدواناً منظماً بضوء أخضر أمريكي

ومشاركة إقليمية واسعة، خلّفت دماراً في البنية التحتية وجروحاً غائرة في

النسيج الاجتماعي.

إن نقاط المعالجة التي يطرحها اليمنيون اليوم هي الحد الأدنى لأي سلام حقيقي:

  1. رفع الحصار الجوي والبحري والبري: وهو مطلب لا يقبل التفاوض، فالحصار “جريمة  حرب” مستمرة وتجويع الشعب هو “إبادة صامتة”.
  1. ملف الأسرى والتعويضات: لا يمكن الحديث عن “ما بعد الحرب” دون إطلاق سراح جميع

الأسرى على قاعدة (الكل مقابل الكل) والاعتراف بالمسؤولية القانونية عن الدمار الذي لحق بالبلاد.

  1. المسؤولية الأمريكية والسعودية: يدرك اليمنيون أن طائرات القتل كانت أمريكية

الصنع والإدارة، وأن التمويل كان إقليمياً، لذا فإن “جبر الضرر” ليس منحة من أحد، بل هو واجب قانوني وأخلاقي يقع على عاتق من أشعل النيران.

هنا نربط اليمن بمفهوم استراتيجي هام: “استحقاقات السلام لا تقتصر على صمت المدافع، بل تشمل إزالة آثار العدوان”. أي تفاهم أمريكي إيراني يتجاهل السيادة اليمنية الكاملة وحق الشعب في ثرواته وإعادة إعمار بلده، سيكون مجرد “تسوية فوقية” لن تصمد أمام إرادة شعب أثبت أنه “الرقم الصعب” في معادلة البحر الأحمر والمنطقة. إن السلام الذي لا يعيد لليمن عافيته وكرامته هو سلام “كاذب” ومرفوض جملة وتفصيلاً.

الشرق الأوسط بين مسارين.. صراع الإرادة والتبعية

نحن اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتصارع في جغرافية المنطقة رؤيتان متناقضتان تماماً:

المسار الأول: مسار التصعيد الصهيوني المتطرف: هذا المسار يقوده مجرمي الحرب في الأراضي المحتلة يعيشون على أوهام “العظمة” الصهيونية، مدعوماً بلوبي سلاح ومال في واشنطن، هدفه ليس “الأمن” كما يزعمون، بل “تفتيت” ما تبقى من دول وقوى مقاومة في المنطقة، واستباحة المنطقة بكلها، هذا الجناح يرى في استمرار الحروب وسيلة وحيدة لمنع ظهور “محور إقليمي” مستقل، وهو مستعد لإحراق المنطقة بأسرها (بما في ذلك لبنان وغزة واليمن، وإيران) من أجل الحفاظ على تفوقه النوعي، هذا المسار هو الذي يغذي الكراهية ويزرع الألغام في طريق أي تفاهم دبلوماسي.

المسار الثاني: مسار التسوية والندية الإقليمية: وهو المسار الذي تحاول بعض القوى الإقليمية، ومن خلفها قوى دولية صاعدة، الدفع باتجاهه، يقوم هذا المسار على فكرة “توازن المصالح” والاعتراف بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، هو مسار يسعى لخفض التوتر، وفتح الممرات التجارية، وإنهاء حقبة “الحروب بالوكالة”، لكن مشكلة هذا المسار أنه يصطدم دائماً بـ “الفيتو” الإسرائيلي وبالازدواجية الأمريكية التي تريد “سلاماً” بشروطها هي فقط. إن الصراع بين هذين المسارين هو الذي يحدد اليوم مصير الملايين. فبينما تقود دول محور الجهاد والمقاومة مسار الدفاع عن السيادة، تحاول واشنطن المناورة بين رغبتها في الانسحاب الهادئ من المنطقة وبين التزامها “المقدس” بحماية غطرسة العدو الإسرائيلي. هذا “التشوه الاستراتيجي” هو ما يمنع المنطقة من الوصول إلى شاطئ الأمان، ويجعل كل اتفاق بمثابة “مؤامرة مؤجلة” حتى إشعار آخر.

الخاتمة: لحظة الحقيقة.. شرق التسويات أم شرق الانفجار؟

في النهاية، نصل إلى الحقيقة المرة التي حاولنا تعريتها؛ المنطقة اليوم تقف على نصل سكين، واشنطن تتحدث بلغة “التسويات الكبرى” مع إيران لامتصاص الغضب وتمرير الوقت، بينما العدو الإسرائيلي يواصل اختبار حدود هذه التسويات بدم أطفال ونساء لبنان، وفي المقابل يقف يعلن اليمن التعبئة العامة، مطالباً بأن تتحول شعارات السلام إلى التزامات عملية ملموسة (رفع حصار، إعمار، سيادة).

إن الـ 60 يوماً القادمة ليست مجرد مهلة تفاوضية، بل هي “مخاض عسير” لولادة نظام إقليمي جديد. فإما أن ينتصر منطق “الحق والسيادة”، فتُرفع المظالم عن اليمن ولبنان وفلسطين، وإما أن تنجح الغطرسة الصهيونية في جر واشنطن إلى وحل حروب جديدة تُنهي أوهام “التفاهمات”.

بين هذه الملفات الثلاثة (المذكرة الأمريكية، والتمرد الإسرائيلي، والاستحقاق اليمني) يتحدد وجه الشرق الأوسط المقبل: فإما “شرق التسويات العادلة” الذي يحترم إرادة الشعوب، وإما “شرق الحروب المؤجلة” الذي يختبئ خلف الاتفاقات الورقية بانتظار شرارة الانفجار الكبير، والحق أقول، إن الأيام القادمة ستكشف أن السلام لا يُصنع في دهاليز واشنطن، بل تُنتزع استحقاقاته بصلابة الميدان ووعي الشعوب التي لن تقبل بعد اليوم بـ “أنصاف الحلول”.

قد يعجبك ايضا