كربلاء الخالدة.. معركة صنعت وعي الأمة ورسخت ثقافة المقاومة

 ـ الحسين مشروع أمة وثورة لا تموت.. من الطف إلى ميادين التحرر والمقاومة
ـ من كربلاء إلى غزة واليمن.. ثورة الحسين وقود الأحرار في مواجهة طغاة العصر

الحقيقة ـ جميل الحاج

في العاشر من محرم من كل عام، لا تستحضر الأمة الإسلامية مجرد ذكرى تاريخية مرت عليها قرون طويلة، بل تستحضر ملحمة إنسانية خالدة تجاوزت حدود الزمان والمكان، وتحولت إلى مشروع وعي وثورة مستمرة في وجه الظلم والاستبداد.

ففي يوم عاشوراء، انتصر الدم على السيف، وانتصرت القضية على القوة، وانتصر المبدأ على الجبروت، لتصبح ثورة الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) مدرسة للأحرار ومنهجاً ثورياً متجدداً تستلهم منه الشعوب معاني العزة والكرامة ورفض الخضوع للطغاة.

لقد تحولت واقعة كربلاء من حدث تاريخي إلى نهج حياة، ومن معركة عسكرية غير متكافئة إلى عنوان دائم للصراع بين الحق والباطل، وبين المستضعفين والمستكبرين.

وما أشبه طغاة اليوم بطغاة الأمس وإن اختلفت أسماؤهم ووسائلهم وشعاراتهم، فجوهر الاستبداد واحد، كما أن جوهر المقاومة والرفض الذي مثله الإمام الحسين لا يزال حياً في وجدان الأمة.

 الإمام الحسين خرج حاملاً مشروع الإصلاح في أمة جده

لم يخرج الإمام الحسين إلى كربلاء طلباً لسلطة أو سعياً وراء مكاسب دنيوية، ولم يكن خروجه أشراً أو بطراً، وإنما خرج حاملاً مشروع الإصلاح في أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن رأى الانحراف الخطير الذي أصاب مسار الأمة وتحول الحكم إلى أداة للظلم والفساد والاستبداد.

فبعد سنوات قليلة من رحيل الرسول الأعظم، بدأت ملامح التحول تظهر في واقع الأمة، حتى وصل الأمر إلى تسلط حكام جعلوا الدين وسيلة لتحقيق مصالحهم، وحوّلوا مقدرات الأمة إلى ملك شخصي، وصادروا إرادتها، وألبسوا الباطل ثوب الحق.

في ذلك الواقع المظلم لم يكن الحسين عليه السلام ليقف موقف المتفرج، بل رأى أن السكوت على الانحراف خيانة للمسؤولية الإلهية، وأن الصمت أمام الظلم يعني شرعنة الباطل ومنحه فرصة الاستمرار.

إعلان الثورة الخالدة

ومن هنا أعلن ثورته الخالدة، رافعاً شعار الحرية والكرامة، ومطلقاً صرخته التي بقيت تتردد عبر الأجيال: “ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة”. لم تكن تلك الكلمات مجرد موقف عابر، بل إعلاناً عالمياً بأن الإنسان الحر لا يمكن أن يقبل الخضوع للباطل مهما كانت التضحيات.

لقد أدرك الإمام الحسين منذ البداية طبيعة المواجهة التي يخوضها.. كان يعلم أن موازين القوة العسكرية ليست في صالحه، وأن خصومه يمتلكون الجيوش والسلاح والإمكانات، لكنه كان يحمل ما هو أقوى من ذلك كله: قوة المبدأ وعدالة القضية. ولذلك لم تكن معركة كربلاء معركة أرقام وعدة وعتاد، بل معركة قيم ومواقف، ولهذا السبب انتصر الحسين رغم استشهاده، بينما هُزم خصومه رغم تفوقهم العسكري.

 عالمية الثورة الحسينية

إن أعظم ما حققته ثورة الإمام الحسين أنها أسقطت الشرعية الأخلاقية والسياسية عن النظام الأموي، وفضحت زيف الشعارات التي كان يرفعها.

لقد أراد الطغاة أن يجعلوا الأمة تستسلم للأمر الواقع، لكن الحسين أثبت أن رفض الظلم واجب، وأن السكوت عن الانحراف أخطر من مواجهة السيوف.

ومن هنا جاءت عالمية الثورة الحسينية. فهي لم تكن مرتبطة بمرحلة زمنية محددة، بل أصبحت رمزاً إنسانياً لكل الأحرار في مختلف العصور.

فحين يواجه شعب الاحتلال، أو تقاوم أمة الاستبداد، أو يرفض إنسان الإذلال والمهانة، فإن روح كربلاء تكون حاضرة في ذلك الموقف، حتى وإن اختلفت الأسماء والعناوين.

لقد تجسدت أهداف ثورة الإمام الحسين ” علية السلام” في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحياء روح المسؤولية في الأمة، ورفض الخنوع للظالمين.

وهذه الأهداف هي ذاتها التي تحتاجها الشعوب في كل زمان ومكان، لأن الصراع بين الحق والباطل لم يتوقف، بل تغيرت أشكاله وأساليبه فقط.

ولعل أحد أبرز أبعاد الثورة الحسينية هو بعدها الديني العميق. فقد كانت ثورة لله ومن أجل الله، قائمة على أساس الإصلاح وحماية الدين من التحريف.

ثورة لم تكن حركة شخصية ولا مشروعاً سياسياً ضيقاً، بل كانت موقفاً إيمانياً يهدف إلى إنقاذ الأمة من الانحراف وإعادتها إلى قيم الإسلام الأصيلة.

وفي الوقت نفسه حملت الثورة بعداً سياسياً بالغ الأهمية، لأنها كشفت خطورة استخدام الدين لتبرير الاستبداد، وفضحت الأنظمة التي تحكم باسم الشرعية بينما تمارس الظلم والقهر بحق الشعوب.. ومن هنا بقيت كربلاء حاضرة في الوعي السياسي للأمة باعتبارها النموذج الأبرز لمواجهة الطغيان.

شعلة عاشوراء لم تخفت بل ازدادت حضوراً وتأثيراً

ومع مرور القرون، لم تخفت شعلة عاشوراء، بل ازدادت حضوراً وتأثيراً. فقد أصبحت ثورة الحسين مصدر إلهام لحركات التحرر والمقاومة في مختلف أنحاء العالم.

إن الفكر المقاوم الذي نشهده اليوم في مواجهة الاحتلال والاستكبار ليس منفصلاً عن الإرث الحسيني، بل هو امتداد طبيعي لذلك النهج الذي يرفض الخضوع ويؤمن بأن الكرامة تُنتزع ولا تُمنح.

فالمقاومة ليست رد فعل مؤقتاً على أزمة عابرة، وإنما هي ثقافة ووعي وموقف متجذر في ضمير الشعوب الحرة.. إنها امتداد لمدرسة الحسين التي علمت الناس أن مواجهة الظلم مسؤولية، وأن السكوت عن الباطل مشاركة غير مباشرة في ترسيخه.

النموذج اليمني

وعندما ننظر إلى واقع الأمة اليوم نجد أن مشاهد كربلاء تتكرر بأشكال مختلفة، فما زال هناك مستكبرون يسعون لفرض الهيمنة على الشعوب، وما زالت هناك قوى تستخدم القوة العسكرية والاقتصادية لإخضاع الأمم ونهب ثرواتها، وما زال هناك أحرار يرفضون الاستسلام ويرفعون راية المقاومة.

وفي هذا السياق يبرز النموذج اليمني بوصفه أحد النماذج المعاصرة التي تستلهم الكثير من معاني الثورة الحسينية.

فقد واجه الشعب اليمني سنوات طويلة من العدوان والحصار والاستهداف الممنهج، وقدم تضحيات جسيمة في سبيل الحفاظ على استقلاله وكرامته وسيادته.

وكما واجه الإمام الحسين جيشاً جراراً بإرادة صلبة وعقيدة راسخة، واجه اليمنيون تحديات هائلة وهم يتمسكون بحقهم في الحرية والكرامة.

ورغم حجم المعاناة والدمار والحصار، بقيت إرادة الصمود أقوى من كل أدوات الضغط والإخضاع.

كما أن ما تعيشه فلسطين اليوم يعيد إلى الأذهان الكثير من معاني كربلاء، حيث يواجه شعب أعزل آلة حرب ضخمة، ويتمسك بحقه رغم التضحيات الجسيمة. وكذلك الحال في مختلف ساحات المقاومة التي ترفض الهيمنة والاستكبار، وتصر على الدفاع عن حقوقها مهما كانت التكاليف.

الحسين استشهد في كربلاء، لكن قضيته انتصرت وبقيت

إن الدرس الأهم الذي تقدمه عاشوراء للأمة هو أن النصر لا يقاس بالمعايير العسكرية فقط. فالحسين استشهد في كربلاء، لكن قضيته انتصرت وبقيت، بينما اندثرت مشاريع خصومه وتحولت إلى صفحات سوداء في التاريخ. ولذلك أصبح يوم عاشوراء رمزاً لانتصار الدم على السيف، وانتصار الإرادة على القوة الغاشمة.

لقد أراد أعداء الحسين أن ينهوا صوته في صحراء كربلاء، لكن صوته تحول إلى صرخة خالدة تتردد عبر العصور.

وأرادوا أن يدفنوا قضيته، فإذا بها تتحول إلى مدرسة عالمية للحرية والكرامة والعدالة.. وأرادوا أن يخيفوا الأحرار، فإذا بالحسين يصبح رمزاً لكل الثوار والمقاومين في العالم.

عاشوراء: محطة لاستلهام الدروس وتجديد الالتزام بقيم الحق

إن عاشوراء ليست مناسبة للبكاء، بل محطة لاستلهام الدروس والعبر وتجديد الالتزام بقيم الحق والعدل والحرية، إنها دعوة دائمة إلى رفض الظلم والانحياز للمستضعفين ومواجهة الطغيان مهما بلغت قوته.

وسيظل الإمام الحسين عليه السلام حاضراً في وجدان الأمة بوصفه رمزاً خالداً للثبات والتضحية والإباء، وستبقى ثورته منارة تهدي الأحرار في كل زمان ومكان.. وما دام في الأمة رجال ونساء يحملون روح كربلاء ويرددون شعار “هيهات منا الذلة”، فإن رسالة الحسين ستبقى حية، وستظل عاشوراء مدرسة متجددة تربي الأجيال على الكرامة والعزة ومقاومة الظلم.

وهكذا أثبت التاريخ أن السيوف قد تنتصر في معركة، لكنها لا تستطيع أن تهزم فكرة عادلة أو قضية حق.

ومن كربلاء إلى كل ساحات المواجهة في عالمنا اليوم، يبقى الدرس الحسيني خالداً: قد يسقط الأحرار شهداء، لكنهم لا يُهزمون أبداً، لأن الدم الذي يُراق دفاعاً عن الحق يتحول إلى نور يضيء دروب الأجيال، وإلى ثورة متجددة لا تنطفئ حتى يتحقق العدل وتنتصر الكرامة الإنسانية.

قد يعجبك ايضا