عيد الله الأكبر..عيد الغدير الأغر وتجلي ولاية الحق والقيادة الإلهية
أحمد صلاح
*18ذي الحجة1447*
في يوم غدير خم تجلت أعظم حقيقة في مسار الرسالة، يوم أعلن الله فيه كمال الدين وتمام النعمة، فقال سبحانه: {ٱلۡیَوۡمَ یَىِٕسَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِن دِینِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینࣰاۚ}، فكان هذا اليوم إعلانًا إلهيًا بأن الدين لا يكتمل إلا بقيادة تحفظه، وولاية تقوده على هدى، فثبتت الحجة ويئس الكافرون حين استقرت معالم الامتداد الرسالي في خط واضح لا لبس فيه.
وقد جاء الأمر الإلهي الحاسم لرسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: {۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ یَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ}، وهذه الآية تكشف خطورة هذا البلاغ وعظيم شأنه، فربط الله تبليغه بكمال الرسالة كلها، وكأن تركه أو التهاون فيه يعني ضياع جوهر الدين، ولذلك طمأن نبيه بقوله: {وَٱللَّهُ یَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} ليؤكد أن هذا البلاغ قد يواجه رفضًا أو معارضة أو أذى، لكنه تحت الحفظ الإلهي، فلا يجوز التراجع عنه ولا الخوف في إعلانه، لأنه أمر إلهي فوق كل اعتبار.
أما ختام الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ} فيحمل تحذيرًا بالغ الخطورة، إذ يبين أن من يرفض هذا البلاغ الإلهي ويقف في مواجهته أو يحاول طمسه، فإنه يعرض نفسه للحرمان من الهداية والهلاك، لأن الهداية مشروطة بالقبول والتسليم لأمر الله، لا بالانتقاء والهوى، فالقضية ليست مجرد موقف تاريخي بل معيار إيماني يرتبط بمصير الإنسان في هدايته أو ضلاله.
وتتأكد هذه الحقيقة في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِیُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِینَ یُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَ كِعُونَ}، حيث تجلت في شخصية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الذي جمع بين العبادة والعدالة والعلم والجهاد ولم يهمل الحقوق حتى وقت ركوعه لله ، فكان ولي الله علي مع الحق والحق معه، ومع القرآن والقرآن معه، وبه تتجلى معاني الكمال الإيماني، إذ أن الارتباط به ارتباط بمنهج الحق الذي لا ينفصل عن كتاب الله.
وإذا كان الغدير يوم إعلان الولاية، فإنه أيضًا يوم ترسيخ لمدرسة القيادة التي يمثلها آل البيت عليهم السلام ، تلك المدرسة التي أثبتت عبر التاريخ أنها ليست مجرد رمزية، بل واقع حي يتجلى في ميادين المواجهة والثبات، حيث يمتزج الإيمان بالشجاعة، والحكمة بالتضحية، فيكون أهل هذا النهج في طليعة المواقف كلما اشتدت التحديات، من مواقف الإمام علي (عليه السلام) في ميادين الجهاد، إلى نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) التي جسدت أعظم دروس الكرامة ورفض الظلم، وصولًا إلى كل موقف يُرفع فيه صوت الحق في وجه طغيان الشيطان الأكبر، حيث يستمر هذا النهج كمدرسة تقدم المبدأ على المصلحة والعزة على الخضوع والذل.
ومن يتولَّ الله ورسوله وأولياءه الصادقين فإنه يدخل في دائرة الغلبة الإلهية، كما قال سبحانه: {وَمَن یَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَـٰلِبُونَ}، فالغلبة ثمرة طبيعية للارتباط بهذا الخط الإلهي الذي يصنع الرجال ويثبتهم في ميادين المواجهة.
اللهم إنا نتولاك ونتولى رسولك ونتولى أمير المؤمنين علي ونتولى أعلام الهدى من أوليائك، ونتبرأ إليك من أعدائك وأعداء رسولك وأعداء أمير المؤمنين علي وأعداء أوليائك، ونجدد العهد على الثبات في خط الولاية والسير على نهجهم.
وهنيئًا للمؤمنين عيد الله الأكبر، عيد الغدير الأغر، يوم اكتمال الدين وتمام النعمة، يوم الولاية والوفاء، وكل عام وأنتم على طريق الحق ثابتون.