غارات الضالع واختفاء الزبيدي.. كواليس الصراع السعودي الإماراتي الذي حوّل جنوب اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات
ـ بين المخططات الصهيونية والأطماع السعودية: الجنوب اليمني في مهب “الفوضى الممنهجة” وصنعاء تتوعد المحتل بالرحيل
ـ معركة كسر العظم” في جنوب اليمن: صراع الأجندات الإقليمية يُشعل المحافظات المحتلة ويُطيح بأدواتها
الحقيقة ـ جميل الحاج
تعيش المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة قوى الاحتلال السعودي والإماراتي فصلاً جديداً ودموياً من فصول الصراع البيني، حيث انتقلت شرارة الفوضى من أطراف المهرة وحضرموت لتضرب قلب مدينة عدن والضالع.
يأتي هذا التصعيد في ظل استراتيجية سعودية جديدة تهدف إلى إزاحة ما يسمي بـ “المجلس الانتقالي” وتفكيك أذرعه العسكرية، لصالح قوات “درع الوطن” والمليشيات التابعة للرياض، غطاء جوي مكثف حوّل سماء الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
في هزيمة عسكرية وصفت بأنها الأقسى منذ عام 2017، اضطر “المجلس الانتقالي الجنوبي”، المدعوم من أبوظبي، إلى إخلاء مواقعه العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة.
ووفقاً لتقارير دولية، فإن قوات “درع الوطن” الموالية للرياض تمكنت من السيطرة على مدينة المكلا بعد سقوط مقر المنطقة العسكرية الأولى في سيئون.
الانسحاب لم يكن سلمياً في كافة المناطق؛ فقد كشفت مصادر ميدانية أن غارات جوية سعودية استهدفت تجمعات لمقاتلي الانتقالي، مما أسفر عن مقتل 80 مقاتلاً على الأقل وإصابة المئات. هذا الانكسار العسكري أجبر قيادة الانتقالي على الإقرار بالهزيمة، والقبول بحوار “جنوبي – جنوبي” برعاية الرياض، وهو ما وصفه مراقبون بأنه “استسلام تحت النار”.
في قلب هذا المشهد المتسارع، يبرز التساؤل الأكبر حول مصير عيدروس الزبيدي. فبينما كان من المفترض أن يتوجه إلى الرياض، غادرت الطائرة بدونه، ليعلن “مجلس القيادة” التابع للاحتلال إسقاط عضويته وإحالته للنائب العام بتهمة “الخيانة العظمى”.
وتتضارب الأنباء حول مكان تواجده، وتبرز ثلاثة سيناريوهات:
البقاء في عدن: تحت حماية ما تبقى من قواته في ظل ارتباك أمني شديد.
الاحتماء بالضالع: حيث رُصدت تحركات عسكرية ثقيلة باتجاه مسقط رأسه، والتي تعرضت لاحقاً لغارات سعودية عنيفة استهدفت منزل القيادي “سيف سكرة”.
الهروب بحراً: وهو السيناريو الأكثر تداولاً، والذي يتحدث عن فراره عبر زورق صغير باتجاه السواحل الصومالية للإفلات من قبضة الطيران السعودي.
لم يكتفِ الطيران السعودي بالضغط السياسي، بل انتقل إلى الاستهداف المباشر.. ففي محافظة الضالع، نفذ العدوان سلسلة غارات طالت منزل “سيف سكرة”، قائد اللواء السادس وأحد أبرز أذرع الزبيدي.
الغارات التي قالت السعودية أنها استهدفت مخازن أسلحة، أسفرت بحسب شهود عيان عن تدمير منازل مدنيين ومقتل نساء وأطفال، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات في المناطق المحتلة.
بموازاة الصراع العسكري، تعيش عدن ولحج حالة من الانفلات الأمني غير المسبوق.. فقد طالت عمليات النهب منازل المواطنين والمحلات التجارية، وصولاً إلى السيطرة على القنوات الفضائية التابعة للانتقالي.
وفي محافظة لحج، تعرض السجن المركزي في منطقة “صبر” لهجوم مسلح عنيف في محاولة لتهريب سجناء، مما يعكس انهيار المنظومة الأمنية بالكامل في ظل صراع “الأدوات”.
كشف المشهد الحالي عن هشاشة التحالفات داخل معسكر المرتزقة؛ فمع اشتداد الضغط السعودي وانسحاب الإمارات من خط المواجهة المباشر، سارعت قيادات كانت تنادي بالانفصال وتقدح في الرياض إلى تغيير بوصلتها.
شخصيات مثل طارق صالح، وأبو زرعة المحرمي، وفرج البحسني، سارعوا إلى “تبديل الشريحة” من إماراتية إلى سعودية لضمان بقائهم في المشهد، تاركين الزبيدي وحيداً في مواجهة العاصفة.
ولا ينفصل ما يحدث في الجنوب اليمني عن المخططات الدولية للمنطقة.. حيث أقرّ الباحث الإسرائيلي “إيدي كوهين” صراحة بوجود مصلحة لكيان الاحتلال في دعم مشاريع الانفصال وتفتيت اليمن إلى كيانات متناحرة.
ويرى محللون أن واشنطن وتل أبيب تهدفان إلى تحويل جنوب اليمن إلى “بيئة فاشلة” ومضطربة، لإشغال القوات المسلحة اليمنية في صنعاء بالوضع الداخلي، ومنعها من الاستمرار في عملياتها الإسنادية لقطاع غزة ولبنان، وهي الورقة التي تؤرق مضاجع الاحتلال وحلفاءه.
في خضم هذا الصراع بين “أدوات الاحتلال”، تظل صنعاء هي الرقم الصعب في المعادلة.. فبينما تنشغل الرياض وأبو ظبي بنهب الثروات النفطية وبناء السجون في المحافظات الشرقية والجنوبية، تؤكد القوات المسلحة اليمنية جهوزيتها العالية لتطهير كل شبر من أرض الوطن.
إن استمرار “العربدة” السعودية في انتهاك السيادة اليمنية واستثمار دماء المدنيين كأوراق تفاوضية لن يمر دون رد.
فالحقيقة التي يغيبها إعلام العدوان هي أن الرياض وأبو ظبي وجهان لعملة واحدة في تدمير اليمن، وأن مصير المرتزقة مهما تعددت ولاءاتهم هو السقوط في سلة مهملات التاريخ.
ختاما: إن الجنوب اليمني يقف اليوم على مفترق طرق؛ فإما الاستمرار في دوامة الفوضى التي يغذيها الاحتلال، أو التحرك الشعبي والالتحام بخيار التحرر الوطني الذي تقوده صنعاء.
والأيام القادمة كفيلة بكشف زيف الادعاءات السعودية بالحرص على أمن اليمن، فمن يعتبر أمن حدوده “خطاً أحمر” لا يحق له استباحة دماء اليمنيين وسيادتهم.