قراءة في أبعاد الصراع ومصير المخطط الصهيوني

الحقيقة –

في لحظة تاريخية مفصلية، تبدو فيها المنطقة وكأنها تخرج من ذروة حرب عدوانية اشعلها اللوبي الصهيوني بقيادة أمريكا لا يمكن قراءة ما يجري مد وجزر بوصفه انتقالًا إلى حالة حرب إلى حالة استقرار، بقدر ما هو تحوّل من طورٍ إلى طور، ومن شكلٍ من أشكال الصراع إلى شكلٍ آخر لا يقل خطورةً ولا تعقيدًا عن مشهد الحرب.. فالهدنة التي أُعلن عنها، في ظاهرها، قد توحي بانفراجٍ نسبي، لكنها في عمقها تكشف عن حالة من إعادة التموضع، فرضتها نتائج الميدان، وأملتها حسابات الخسارة قبل أن تصوغها إرادة السلام.

في كلمته حول آخر التطورات، قدّم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي قراءةً لا تكتفي بتوصيف الحدث، بل تعيد إدراجه ضمن سياقه الأشمل، حيث لا تعود المواجهة مجرد عدوان محدود على دولة بعينها، بل حلقة ضمن مشروع ممتد يسعى، منذ سنوات، إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق معادلات القوة والهيمنة، تحت عناوين براقة تخفي خلفها جوهرًا صراعا واضح المعالم.

تأتي أهمية هذه الكلمة تكمن في قدرتها على ربط المسارات العسكرية بالمسارات الفكرية والعقائدية، وتفكيك المخطط الصهيوني الذي يسعى لتحويل المنطقة إلى “حديقة خلفية” للمصالح الغربية قد اصطدم بجدار صلب من الوعي الشعبي والقدرة العسكرية المتنامية، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الصراع تكون الكلمة العليا فيها لمن يمتلك النفس الطويل والإيمان الراسخ بالقضية.

المواجهة الكبرى.. صراع المحاور والهوية

يرسم السيد القائد معالم الصراع الوجودي، مؤكداً أن ما يحدث اليوم في المنطقة ليس مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة أو النزاعات الحدودية العابرة، بل هو تجلٍ لمواجهة كبرى بين مشروعين متناقضين تماماً في الأهداف والوسائل والمنطلقات. المشروع الأول هو محور “الإسلام والجهاد والمقاومة”، الذي ينطلق من قدسية الدفاع عن الأرض والعرض والسيادة، ويمثل تطلعات الشعوب الحرة في التحرر من التبعية. أما المشروع الثاني، فهو المحور “الأمريكي–الإسرائيلي” الذي ينفذ ما أسماه السيد بـ “المخطط الصهيوني” الشامل. هذا المخطط لا يستهدف فلسطين فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة الهوية الثقافية والسياسية والجغرافية للمنطقة بأكملها تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد”. يوضح السيد أن الهدف الحقيقي لهذا التحرك المعادي هو تحويل الدول العربية والإسلامية إلى كيانات تابعة ومسخ فاقدة للإرادة، تدار من قبل مراكز القوى الصهيونية العالمية. إن هذا الصراع، بحسب الرؤية القيادية، يتطلب وعياً يتجاوز التفاصيل العسكرية ليشمل فهم طبيعة العدو التاريخية وأهدافه بعيدة المدى، حيث أن المعركة هي معركة “إرادات وقيم” قبل أن تكون معركة طائرات ومدافع. ومن هنا، يشدد السيد على أن محور المقاومة يمثل الدرع الحصين الذي يحمي الأمة من الذوبان في المشاريع الاستعمارية التي تسعى لاجتثاث جذورها واستباحة مقدراتها.

الفشل الاستراتيجي في إيران.. انكسار أوهام الهيمنة

في تحليل دقيق وعميق، استعرض السيد القائد نتائج العدوان والمؤامرات التي استهدفت الجمهورية الإسلامية في إيران، مبيناً أن كافة الرهانات الغربية والصهيونية قد باءت بفشل ذريع، لقد كان الهدف الاستراتيجي المعلن والمضمر هو إسقاط النظام الإسلامي أو على أقل تقدير إخضاع الشعب الإيراني وتفكيك نسيجه الداخلي. ومع ذلك، أثبت الواقع أن هذه الأهداف اصطدمت بصخرة الصمود الإيراني، مما كبد الأعداء خسائر هائلة لا تقتصر على الجانب البشري من جنود وضباط، بل امتدت لتشمل تدمير هيبة التكنولوجيا العسكرية الغربية من طائرات وقواعد ومعدات متطورة. والأهم من ذلك، هو النزيف الاقتصادي الحاد الذي عانى منه المحور المعتدي، حيث تم إنفاق تريليونات الدولارات دون تحقيق أي نتيجة ملموسة، مما أدى إلى تضخم واضطرابات في الأسواق العالمية، ويخلص السيد القائد إلى أن القبول بالهدنة أو التراجع النسبي في وتيرة التصعيد لم يكن خياراً “أخلاقياً” من جانب واشنطن أو تل أبيب، بل كان “خياراً اضطرارياً” نابعاً من الفشل في تحقيق أي من الأهداف الأساسية. إن هذا الانكسار يمثل نقطة تحول كبرى، حيث أثبتت إيران أنها قادرة على تحويل الضغوط القصوى إلى فرص لتعزيز الاكتفاء الذاتي والقوة الردعية، مما جعل العدو يدرك أن تكلفة الاستمرار في المواجهة المباشرة ستكون كارثية على مصالحه الحيوية واستقراره الداخلي.

خديعة التفاوض الأمريكي والسيادة المنتهكة

يكشف السيد القائد عن الوجه الحقيقي للدبلوماسية الأمريكية، معتبراً أن التفاوض في القاموس السياسي لواشنطن ليس بحثاً عن حلول عادلة أو مستدامة، بل هو مجرد “أداة ضغط بديلة” تستخدم حين تعجز الخيارات العسكرية عن تحقيق غاياتها، هذا السلوك الأمريكي في جولات التفاوض، ـ كما أشار إليه السيد القائد ـ يقوم على منطق “الإملاءات” وفرض الشروط المسبقة التي تستهدف صلب السيادة الوطنية للدول. إن واشنطن تسعى من خلال طاولات الحوار إلى انتزاع تنازلات سياسية وأمنية تمس ثوابت المقاومة وتفرغها من مضمونها القتالي.

ويوضح السيد عبد الملك أن فشل الجولة الأولى من المفاوضات في عدة ملفات إقليمية يعود إلى وعي الطرف المقاوم الذي يدرك أن القبول بالشروط الأمريكية يعني انتحاراً سياسياً وتسليماً طوعياً للرقبة، إن التفاوض الأمريكي، كما وصفه السيد، يهدف إلى “تجميد” الصراع في اللحظة التي تخدم العدو، ومن ثم الانقضاض مجدداً حين تتوفر الظروف المواتية، ولذلك، يحذر السيد من الركون إلى هذه الوعود الزائفة، مؤكداً أن السيادة لا تُمنح على طاولات المفاوضات بل تُؤخذ بالثبات والميدان وهو ما يتطلب حالة استنفار سياسي دائم، حيث يجب التعامل مع كل مبادرة ديبلوماسية كحقل ألغام يتطلب الحذر الشديد والتمسك بالحقوق المشروعة دون مواربة أو مهادنة.

وحدة الساحات .. المعادلة الجيوسياسية الجديدة

يعد محور “وحدة الساحات” من أبرز المضامين التي تناولها السيد القائد، حيث كرس فكرة أن الصراع الحالي هو صراع ممتد ومتصل لا يمكن تجزئته، ويؤكد أن التلاحم بين جبهات اليمن، لبنان، فلسطين، سوريا، وإيران قد خلق “معادلة ردع” جديدة لم يعهدها العدو الصهيوني من قبل. أي استهداف لأي جبهة من هذه الجبهات، هو استهداف مباشر للمحور بأكمله. هذه الرؤية حولت الساحات المشتعلة من جزر معزولة إلى منظومة عسكرية وسياسية متكاملة تتبادل الأدوار وتنسق العمليات بدقة متناهية، ويشرح السيد القائد كيف أن هذا الترابط قد أفقد العدو الصهيوني القدرة على الاستفراد بكل طرف على حدة، وهو الأسلوب الذي دأب عليه لعقود. الآن، يجد الكيان نفسه مجبراً على توزيع قدراته الدفاعية والهجومية على جبهات متعددة، مما ينهكه عسكرياً ويشتت تركيزه الاستراتيجي. ويشدد السيد القائد على أن اليمن، بموقعه الاستراتيجي وقدراته الصاروخية والبحرية، قد أصبح ركناً أساسياً في هذه المعادلة، حيث لم يعد مجرد متعاطف بل شريك ميداني مؤثر. إن “وحدة الساحات” ليست مجرد شعار، بل هي واقع يترجم يومياً من خلال العمليات المشتركة وتبادل المعلومات والتكامل في الأهداف، مما يجعل مصير المنطقة مرتبطاً بصمود هذه الجبهات مجتمعة في وجه المخطط الصهيوني-الأمريكي.

اليمن كنموذج للمسؤولية والوعي الجهادي

كما تطرق السيد القائد إلى النموذج اليمني الفريد في المواجهة، مركزاً على بعدين أساسيين: “الوعي الشعبي” و”المد الجهادي” فما حققه اليمن من ثبات ليس مجرد صدفة، بل هو ثمرة لارتباط عقائدي وثيق بقضايا الأمة الكبرى وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ويشيد السيد القائد بالحضور المليوني للشعب اليمني في الساحات، معتبراً إياه “جزءاً أصيلاً من الجهاد” وعاملاً حاسماً في صنع القرار السياسي والعسكري. هذا الزخم الشعبي يعطي القيادة الشرعية والقوة للمضي قدماً في خيارات التصعيد المبارك ضد الأعداء. كما يشدد السيد على ضرورة تحصين المجتمع من محاولات التضليل الإعلامي التي تمارسها الأنظمة العميلة، والتي تسعى لتحميل المقاومة مسؤولية الدمار وتبرئة العدو الصهيوني. إن النموذج اليمني، بحسب السيد، يقدم درساً لكافة الشعوب العربية والإسلامية في كيفية تحويل المعاناة والحصار إلى قوة بناء وقدرة على التحدي. ويؤكد السيد القائد أن خيار الجهاد هو الطريق الوحيد المضمون للنصر والكرامة، وأن المراهنة على الحلول الاستسلامية لن تجلب إلا الذل والتبعية. إن اليمن اليوم يقف في طليعة القوى الحية التي ترفض “المخطط الصهيوني”، مجسداً تلاحماً منقطع النظير بين القيادة الحكيمة والقاعدة الشعبية الواعية التي تدرك أن ثمن الحرية باهظ لكنه أرخص بكثير من ثمن العبودية.

قد يعجبك ايضا