قراءة في بيان السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حول المستجدات الأخيرة في الصومال
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
يأتي بيان السيد القائد العلَم عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ بشأن تطورات الأوضاع في الصومال، في توقيت بالغ الحساسية، تشهد فيه المنطقة تصعيدًا متدرجًا في محاولات العدوّ الصهيوني التمدد خارج نطاق الاحتلال المباشر لفلسطين، باتجاه الجغرافيا العربية والإفريقية، ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا، تحت العنوان الذي يرفعه الغرب والكيان الصهيوني: «تغيير الشرق الأوسط».
تشخيص واضح لطبيعة التحرك الصهيوني
يقدّم البيان توصيفًا دقيقًا للتحرك الصهيوني المتمثل في إعلان الاعتراف بإقليم «أرض الصومال» ككيان منفصل، باعتباره خطوة عدوانية مركبة، لا تقتصر أبعادها على الشأن الصومالي الداخلي، بل تمتد لتطال أمن البحر الأحمر وخليج عدن، واليمن، والدول الإفريقية المطلة على هذا الممر البحري الحيوي.
ويركّز السيد القائد على أن هذا الاعتراف لا يحمل أي قيمة قانونية أو شرعية، كونه صادرًا عن كيان مغتصِب لا يملك أصلًا مشروعية وجوده، ما يجعل محاولته «منح الشرعية» لكيانات انفصالية فعلًا باطلًا سياسيًا وقانونيًا.
هذا الطرح يعيد التذكير بأن المشروع الصهيوني يقوم تاريخيًا على تفكيك الدول لا الاعتراف بها، وعلى صناعة الكيانات الهشة لخدمة مصالحه الأمنية.
الصومال في قلب معادلة البحر الأحمر
يتجاوز البيان النظرة التقليدية للصومال كدولة إفريقية تعاني أزمات داخلية، ليضعه في قلب الصراع الإقليمي والدولي حول التحكم بالممرات البحرية الاستراتيجية، فالصومال، بموقعه الجغرافي المشرف على خليج عدن والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، يمثل هدفًا مغريًا للكيان الصهيوني الباحث عن موطئ قدم يتيح له تهديد خطوط الملاحة الدولية، ومراقبة حركة التجارة والطاقة، ومحاصرة القوى المناهضة له، وعلى رأسها اليمن.
ومن هذا المنطلق، يربط السيد القائد بين استهداف الصومال واستهداف اليمن، باعتبار أن أي وجود صهيوني في القرن الإفريقي سيشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن اليمني، ويمنح العدو قدرة إضافية على الضغط العسكري والأمني في البحر الأحمر، ضمن سياق المواجهة المفتوحة على خلفية العدوان على غزة.
التحذير من نموذج التفتيت وتعميمه
أحد أخطر ما في البيان هو التحذير من أن ما يجري في الصومال ليس حالة استثنائية، بل نموذج قابل للتكرار في دول أخرى، فالكيان الصهيوني، بحسب البيان، يسعى إلى تعميم تجربة التفكيك عبر دعم النزعات الانفصالية، وتوظيف الخونة والعملاء المحليين، بما يؤدي إلى إنهاك الدول من الداخل، وتحويلها إلى ساحات نفوذ متنازع عليها.
هذا التحليل يتقاطع مع تجارب سابقة في المنطقة، من السودان إلى العراق وسوريا وليبيا، حيث لعب العامل الخارجي دورًا محوريًا في تغذية الانقسامات، تحت شعارات زائفة مثل «تقرير المصير» و«حقوق الأقليات»، بينما الهدف الحقيقي هو إضعاف الدولة المركزية وضمان تفوق العدو الاستراتيجي.
موقف حازم يتجاوز الإدانة السياسية
يمتاز بيان السيد القائد بأنه لا يكتفي بالإدانة أو التحذير، بل ينتقل إلى تحديد الموقف العملي، فإعلان اعتبار أي وجود إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» هدفًا عسكريًا للقوات المسلحة اليمني، يشكّل تحولًا نوعيًا في التعاطي مع التهديدات الإقليمية، ويبعث برسالة واضحة بأن أمن البحر الأحمر خط أحمر، وأن اليمن لن يسمح بتطويق استراتيجي جديد يخدم العدو الصهيوني.
هذا الموقف يعكس قناعة راسخة بأن المعركة مع الكيان الصهيوني لم تعد محصورة في فلسطين، بل باتت معركة دفاع عن سيادة الدول واستقلالها وأمن شعوب المنطقة، وأن التهاون مع التمدد الصهيوني في أي ساحة سيؤدي حتمًا إلى انتقال الخطر إلى ساحات أخرى.
دعوة للأمة بين المسؤولية والتقصير
يوجّه البيان خطابًا مباشرًا إلى العالم العربي والإسلامي، محمّلًا إياه مسؤولية تاريخية في الوقوف إلى جانب الصومال، سياسيًا ودبلوماسيًا وشعبيًا، وإفشال محاولات الاختراق الصهيوني.
ويشدّد على أن الصمت أو التخاذل لا يعني الحياد، بل يفتح الباب واسعًا أمام العدو لمواصلة مؤامراته.
وفي هذا السياق، يربط السيد القائد بين دعم الصومال ودعم القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن التخلي عن فلسطين هو المدخل الطبيعي لتمادي العدو على بقية الدول، وأن المعركة واحدة، وإن تعددت ساحاتها.
ختاما: يمكن القول إن بيان السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ يشكّل وثيقة سياسية واستراتيجية، تتجاوز الحدث الآني إلى رسم ملامح الصراع القادم في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ويكشف طبيعة المشروع الصهيوني، ويحدّد ساحات الخطر، ويضع الأمة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما المواجهة الواعية والمسؤولة، أو دفع ثمن التفكك والاستباحة.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، يقدّم هذا البيان قراءة استباقية لما يُحاك للمنطقة، ويؤكد أن المعركة مع العدو الصهيوني هي معركة وجود وسيادة، لا تقبل أنصاف المواقف ولا سياسة الانتظار.