قراءة في خطابات السيد القائد: حتمية المواجهة وتحولات المرحلة القادمة
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
شكّل خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ في مناسبة جمعة رجب محطة مفصلية في توصيف طبيعة المرحلة المقبلة، وفي رسم ملامح المسار الذي يتجه إليه الصراع في المنطقة.
لم يأتِ الخطاب بوصفه قراءة ظرفية مرتبطة بتطورات آنية، بل قدّم رؤية متكاملة تؤكد أن عودة المواجهة مع معسكر الشر والطغيان الأمريكي الصهيوني مسار حتمي تفرضه طبيعة الصراع وتراكماته، وليس خيارًا مؤجَّلًا أو احتمالًا قابلًا للتبدل.
في الخطاب، وضع السيد القائد الاستعداد العسكري في إطاره الصحيح، باعتباره جزءًا أصيلًا من الاتجاه الإيماني للأمة، لا مسارًا منفصلًا أو طارئًا، فالتصنيع، والتطوير، وبناء القدرات، كلها ـ كما أكد ـ تنطلق من توجه إيماني راقٍ وأصيل، يهدف إلى ترسيخ الهوية الإيمانية لدى كل أبناء الشعب، بمختلف فئاتهم وأعمارهم.
وهذا النشاط الواسع والمستمر ليس مجرد عمل عسكري، بل فعل ثقافي وأخلاقي وقيمي، يعكس انطلاقة مبدئية قرآنية، ويجسد وعي أمة تدرك طبيعة المعركة التي تواجهها.
وأكد السيد القائد أن هذا التوجه يترافق مع ثبات لا يتزعزع في نصرة الشعب الفلسطيني، والاستعداد الجاد للجولة القادمة من المواجهة. فاليقظة، والانتباه، والاهتمام، والاستعداد، صفات لا غنى عنها لأمة تنتمي للإيمان والقرآن، ولا يليق بها أن تغمض عينيها عما يُحاك ضدها.
واستحضار الآية الكريمة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} لم يكن توظيفًا وعظيًا، بل تأكيدًا على أن الإعداد واجب شرعي واستراتيجي في آن واحد.
وفي سياق حديثه، ربط السيد القائد بين قدسية مناسبة جمعة رجب، وما تذكر به من معانٍ إيمانية عظيمة، وبين واقع العدوان الأمريكي السافر نصرةً للعدو الصهيوني.
فقد بذلت الولايات المتحدة، كما أوضح، كل ما بوسعها لمنع اليمن من مواصلة إسناده لغزة، مستخدمة مختلف أنواع الأسلحة والعمليات الجوية والبحرية، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا، لم تتمكن تلك القوة الهائلة من إيقاف عمليات القوات المسلحة اليمنية، سواء الصاروخية أو بالطائرات المسيّرة، أو العمليات البحرية، التي استمرت حتى إعلان اتفاق وقف إطلاق النار.
ويعزو السيد القائد هذا الفشل إلى طبيعة السلاح ذاته، فهو سلاح بأيدي أمة معتمدة على الله، متوكلة عليه، تنطلق من منطلقات قرآنية وإيمانية وأخلاقية، وليس مجرد أدوات مادية خاضعة لحسابات القوة المجردة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد أن ما عجز عنه العدو بالأمس، سيعجز عنه مستقبلًا، لأن معادلة القوة هنا لا تُقاس فقط بالتكنولوجيا والنار، بل بالإرادة والإيمان والالتزام بالمبادئ.
وفي كلمة سابقة له بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد 1447هـ، كان السيد القائد قد شدد على أهمية الاستمرار في البناء على أساس الاستعداد للجولة القادمة من المواجهة مع العدو ومن يتورط معه.
وأشار إلى أن الموقف اليمني في نصرة الشعب الفلسطيني كان موقفًا عظيمًا ومشرفًا، ضد الإبادة الجماعية والإجرام الذي هزّ ضمير العالم. هذا الموقف لم يكن رمزيًا، بل تجسد في فعل عسكري مؤثر، ونشاط شعبي واسع، بالتوازي مع عملية متواصلة لبناء القدرات.
وأكد أن اليمن خرج من تلك الجولة أقوى مما كان عليه في كل المراحل السابقة، سواء على مستوى القدرات العسكرية، أو التدريب والتأهيل، أو الجهوزية العامة، أو حتى على مستوى الخبرة العملية والتعامل مع التقنيات والتكتيكات الغربية.
هذه التراكمات، بحسب السيد القائد، تؤسس لمرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الوضوح والاستعداد، لا المفاجأة والارتجال.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، حسم السيد القائد الموقف بقوله إن المنطقة مقبلة حتمًا على جولة مواجهة جديدة مع العدو الإسرائيلي، مؤكدًا أن الحديث عن أمن أو استقرار أو سلام في ظل استمرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين ليس إلا وهمًا سياسيًا.. فالمشروع الصهيوني بطبيعته مشروع عدواني توسعي، يستهدف الأمة كلها، وليس الفلسطينيين وحدهم.
وعلى المستوى العسكري والاستراتيجي، تؤكد الوقائع أن كيان العدو الإسرائيلي، ومعه الولايات المتحدة، لا يتحركان باتجاه السلام، بل يوظفان فترات خفض التصعيد، ولا سيما في قطاع غزة، لإعادة التموضع وترميم مواطن الفشل، تمهيدًا لجولات عدوانية أوسع.
ويُعد اليمن، في هذا السياق، أحد المحاور الأساسية في حسابات العدو، نظرًا لدوره المتصاعد في معادلة الصراع الإقليمي.
غير أن هذه التحركات، بقدر ما تكشف عن نوايا عدوانية، تعكس في جوهرها مأزق العدو أكثر مما تعكس قوته.. فالعجز عن تحقيق إنجاز حاسم دفعه إلى إدارة الصراع وتدويره، على أمل كسب الوقت وترميم الانكسار الاستراتيجي الذي تعرض له في الجولات السابقة.. إلا أن هذا الرهان يصطدم اليوم بواقع جديد، يتمثل في صعود جبهات محور المقاومة، وفي مقدمتها اليمن.
لقد استطاع الشعب اليمني وقواته المسلحة، بفضل الله تعالى، أن ينتقلوا من موقع التأثير المحدود إلى موقع الفعل الاستراتيجي الشامل، خصوصًا خلال معركة الإسناد.. وأصبح اليمن لاعبًا فاعلًا في معادلة الردع الإقليمية، لا يمكن تجاوزه أو تحييده.
وفي هذا السياق، تأتي التهديدات الأخيرة التي أطلقها مجرم الحرب نتنياهو ضد اليمن، بوصفها امتدادًا لمخطط أمريكي صهيوني مستمر، يسعى إلى استئناف الحرب عبر أدوات جديدة، من بينها توريط الأنظمة الخليجية العميلة، كالسعودية والإمارات، ومرتزقتها في الداخل، واستخدامهم كرأس حربة في أي عدوان قادم.
وتشير المؤشرات إلى توسع واضح في دائرة التعاون والتنسيق بين كيان العدو وهذه الأنظمة، ومحاولة دمج الموارد العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية تحت إدارة أمريكية إسرائيلية مشتركة.
أمام هذه التحديات، يتعامل اليمن من موقع الثقة بالله تعالى، وبالواقع الميداني الذي صنعه خلال سنوات من الصمود والمواجهة.. فتبني القيادة، ممثلة بالسيد القائد، لحتمية المواجهة والاستمرار في الإعداد للحرب، لم يكن تقديرًا ظرفيًا، بل رؤية دقيقة ذات بعد قرآني، ومنظومة متكاملة من التوجيهات الاستراتيجية نحو البناء والتطوير ورفع الجاهزية الشاملة.
وما يميز الموقف اليمني اليوم هو امتلاك رؤية واضحة، وتنويع مصادر القوة، وعدم الارتهان لنمط واحد من الإمكانات.. فقد وصل الشعب اليمني وقواته المسلحة إلى مستوى متقدم من الوعي والجاهزية، وترسانة بحرية وبرية وجوية أكثر تطورًا، تتيح التعامل مع طيف واسع من السيناريوهات بكفاءة واقتدار.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة لن تكون تكرارًا للماضي. اليمن اليوم أكثر قوة وتماسكًا، يمتلك خيارات كبرى في القتال وإدارة الحرب، تكتيكيًا واستراتيجيًا، وسيبقى الميدان هو الفيصل، كاشفًا حجم التحولات والمفاجآت القادمة، فما بعد هذه المرحلة لن يكون كما قبلها، لا في حسابات العدو، ولا في موازين القوة على مستوى المنطقة بأسرها.