جرائم أوروبا في إفريقيا: ناميبيا.. أول إبادة جماعية في القرن العشرين

قبل أن ترتبط كلمة “الإبادة الجماعية” بذاكرة أوروبا في القرن العشرين، كانت إفريقيا الجنوبية الغربية – ناميبيا اليوم – قد شهدت واحدة من أبشع جرائم الاحتلال في التاريخ الحديث. هناك، نفّذت ألمانيا أول إبادة جماعية موثّقة في القرن العشرين بحق شعبي الهيريرو والناما، لكنها أُخفيت طويلًا خلف ستار الصمت الدولي.

احتلال الأرض وسحق الإنسان

في عام 1884، أعلنت الإمبراطورية الألمانية سيطرتها على ناميبيا تحت مسمى “إفريقيا الجنوبية الغربية الألمانية”. لم يكن الاحتلال مشروع إدارة أو شراكة، بل عملية نزع شامل للأرض والموارد، وتحويل السكان الأصليين إلى قوة عمل قسرية في خدمة المستوطنين الألمان.

صودرت المراعي، وسُرقت الماشية، وفُرض نظام تمييز عنصري مبكر جعل من السكان الأصليين غرباء في أرضهم، ومع تراكم القمع، تحوّل الوجود نفسه إلى معركة بقاء.

انتفاضة اليأس وردّ الإبادة

في يناير 1904، انتفض شعب الهيريرو دفاعًا عن حقه في الحياة. لم يكن التمرّد عسكريًا منظمًا، بل صرخة وجود في وجه الإلغاء. لكن الرد الألماني جاء قرارًا بالإفناء الكامل، لا بالقمع.

أُرسل الجنرال لوثَر فون تروثا بصلاحيات مطلقة، فحوّل المستعمرة إلى مسرح قتل مفتوح، وأصدر أمرًا رسميًا بالإبادة، يقضي بقتل كل من ينتمي إلى شعب الهيريرو داخل الأراضي الخاضعة للاحتلال، دون استثناء.

الصحراء كسلاح

بعد معركة واتربيرغ، حاصرت القوات الألمانية الهيريرو ودفعَتهم عمدًا نحو صحراء أوماهيكي القاحلة. جرى تسميم الآبار، وقطع طرق العودة، وتحويل الصحراء إلى أداة قتل جماعي. آلاف الرجال والنساء والأطفال ماتوا عطشًا، في واحدة من أوضح حالات الإبادة البيئية المتعمّدة في التاريخ.

وتشير التقديرات إلى مقتل ما يقارب 80% من شعب الهيريرو خلال سنوات قليلة، قبل أن يتعرض شعب الناما لاحقًا للمصير ذاته.

معسكرات الاعتقال: النموذج الأول

من نجا من الصحراء، نُقل إلى معسكرات اعتقال، أبرزها جزيرة شارك، حيث مورست سياسة الإبادة البطيئة: الجوع، الأمراض، الأشغال القسرية، والتجارب العنصرية. لم تكن تلك المعسكرات استثناءً، بل تجربة مبكرة لمنظومة ستتكرّر لاحقًا في أوروبا بصور أكثر تنظيمًا.

حتى الموتى لم يُتركوا بسلام؛ فقد نُقلت جماجم الضحايا إلى ألمانيا لاستخدامها في “أبحاث علمية” هدفت إلى تبرير التفوق العرقي الأبيض.

جريمة بلا محاسبة

انتهى الاحتلال الألماني لناميبيا بعد الحرب العالمية الأولى، لكن الجريمة بقيت بلا عقاب. لم تُقدَّم أي محاكمات، ولم تُعاد الأراضي، وبقيت الإبادة خارج الذاكرة الرسمية لعقود طويلة، وكأن الضحايا لا يستحقون الاعتراف.

وفي عام 2021، اعترفت ألمانيا رسميًا بأن ما حدث إبادة جماعية، وقدّمت اعتذارًا متأخرًا، رافقته تعهدات دعم مالي. غير أن ممثلي أحفاد الضحايا اعتبروا ذلك اعترافًا ناقصًا، لا يرقى إلى مستوى العدالة التاريخية.

لم تكن إبادة الهيريرو والناما حادثة في سجل الاحتلال، بل مختبرًا مبكرًا لسياسات الإبادة الجماعية التي سيشهدها العالم لاحقًا. واستعادة هذه القصة اليوم ليست فعل إدانة للماضي فحسب، بل تحذير من أن الجرائم التي لا تُحاسَب… تتكرّر بأشكال جديدة.

أعده: عبدالرحمن الحمران

قد يعجبك ايضا