قراءة في كلمة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في ذكرى يوم الفرقان

مدرس بدر الكبرى دروس في سنن النصر ومواجهة الطغيان المعاصر

صادق البهكلي
في لحظة فارقة تمر بها الأمة الإسلامية، ومع تصاعد حدة المواجهة بين قوى التحرر وقوى الاستكبار العالمي، جاءت كلمة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة ذكرى “غزوة بدر الكبرى” ليضع النقاط على الحروف، محولاً الذكرى التاريخية المهمة إلى دليل عمل واستراتيجية مواجهة شاملة، فيوم الفرقان لك يكن مجرد واقعة حربية انتهت بانتصار عسكري، بل كانت “زلزالاً وجودياً” أعاد صياغة كينونة الإنسان المسلم، ورسم خطاً فاصلاً بين عهد الاستضعاف وعهد التمكين، وفي سياقنا المعاصر، يغدو هذا الربط ضرورةً مصيرية لأمةٍ تجد نفسها اليوم وجهاً لوجه أمام “طغاة العصر”، في مواجهةٍ يصفها السيد بأنها “امتدادٌ طبيعي” للصراع الأزلي بين الحق والباطل.

معركة بدر الكبرى.. المحطة الفارقة وهندسة “التحول الإلهي”
تعد غزوة بدر الكبرى الحدث الأعظم والأكثر دلالة في تاريخ الإسلام، فهي أول مواجهة عسكرية مباشرة وحاسمة بين جيش الإسلام بقيادة خاتم الأنبياء، وبين قوى الكفر والطغيان ممثلة في قريش،
يصف السيد عبد الملك غزوة بدر بأنها “النعمة العظيمة” التي أسست لبقاء الإسلام، والمحطة الفارقة التي تجلت فيها رعاية الله حين كان المسلمون “أذلة” في الميزان المادي، لكنهم كانوا “أعزة” بيقينهم، فـ “يوم الفرقان” كان فارقاً في واقع الأمة ما قبلها وما بعدها؛ فما قبل بدر كان زمناً للتوجس والمطاردة، وما بعدها أصبح زمناً لتثبيت دعائم الرسالة الإلهية وطمأنة المستضعفين.
إن عظمة هذا الحدث، كما يراها السيد، تكمن في أنه كشف زيف “القوة المادية” أمام “القوة الإيمانية”، فحين خرجت قريش ببطرها ورئائها، كانت تعتمد على تفوقها العددي والعتادي، لكن التدبير الإلهي كان يجهز لمرحلة جديدة يهلك فيها من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة كما قال سبحانه وتعالى في سورة الأنفال: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} فهي لم تكن مجرد صدفة أو مناوشة حدودية، بل كانت مشهداً مقصوداً لتثبيت دعائم الإيمان في القلوب، وإقامة الحجة على الخلق، وإظهار قدرة الله في نصر أوليائه رغم قلة عدهم وعدتهم، إن نتيجة هذه المعركة، التي انتهت بنصر ساحق للمسلمين ومقتل صناديد قريش، أحدثت صدمة هائلة في بنية الكفر الجاهلي، وأسست لمرحلة جديدة من تمكين الإسلام في الجزيرة العربية، ومهدت الطريق لفتح مكة ودخول الناس في دين الله، هذا التأصيل التاريخي يهدف إلى تجريد “طغاة العصر” الحاليين من هيبتهم المصطنعة، والتذكير بأن السنن الإلهية التي نصرت القلة المؤمنة في بدر، هي ذاتها السنن التي تحكم صراع اليوم.

مدرسة بدر.. دروس في القيادة والإيمان والثبات
يشير السيد القائد إلى أن غزوة بدر مدرسة قرآنية نبوية متكاملة، تقدم للأمة الإسلامية منهجاً في التفكير والتحرك ومواجهة الأعداء. يمكن استخلاص عدة دروس استراتيجية كبرى من هذه الملحمة:
• القيادة الربانية والأسوة الحسنة:
كان رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) هو النموذج الأعلى في القيادة الرشيدة، تحركه بالرسالة، وثباته على المبدأ، وتوكله على الله، ومشاورته لأصحابه، كلها كانت دروساً في فن القيادة في أصعب الظروف، لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان معلماً ومربياً وقدوة، يجسد القرآن الكريم في كل موقف. إن ارتباط الأمة بسيرته ونهجه هو الضمان الوحيد لعدم التوهان في متاهات الأفكار المضللة والدعايات المغرضة التي يطلقها أعداء الإسلام وأذنابهم من المنافقين والمغفلين. لقد كان الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) هو “أزكى بشر وأهدى بشر”، وتحركه بالرسالة الإلهية التي هي رحمة للعالمين، يفرض نفسه كحجة دامغة على الخلق، حتى على المكذبين الذين يدركون في قرارة أنفسهم أن هذا هو الحق.

• تحديد الخيارات: لا بديل عن الجهاد:
أمام عدوان قوى الطغيان والظلم، لم يكن أمام المسلمين خيار سوى الجهاد في سبيل الله، لم تكن الدبلوماسية وحدها، ولا المساومات، ولا الاستسلام، لتجدي نفعاً مع قوم “مجرمين” لا يعرفون إلا لغة القوة ولا يحترمون أي عهد أو ميثاق { وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ } تؤكد أن إحقاق الحق يتطلب مواجهة حاسمة تقطع دابر الباطل، لقد أثبتت التجارب عبر التاريخ، وصولاً إلى عصرنا الحالي، أن الركون إلى الخيارات الأخرى كالارتماء في أحضان الأعداء أو الاعتماد على المواثيق الدولية الوهمية، لم يزد الأمة إلا ضعفاً وتمكيناً لأعدائها. قوى الطغيان، ممثلة اليوم بأمريكا وإسرائيل، لا تفهم لغة سوى لغة القوة، ولا تقدم تنازلات إلا تحت وطأتها، إن دروس بدر تؤكد أن استعادة الحقوق المسلوبة لا تكون إلا بالجهاد والبذل والتضحية، مهما بدت الموازين غير متكافئة.

• الثبات على الحق وعدم الخضوع للإغراءات والترهيبات:
واجه المسلمون قبل بدر تحديات نفسية كبيرة، تمثلت في خوف البعض وكرههم للمواجهة، كما وصف القرآن: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}. هنا يبرز درس عظيم في ضرورة تجاوز الحسابات المادية الضيقة والخضوع للرعب الذي يبثه الأعداء والمنافقون، فالثبات على الحق يعني اتخاذ القرارات بناءً على ميزان الإيمان، وليس بناءً على إغراءات مادية أو مكاسب سياسية زائلة، ولا بناءً على ترهيب العدو وجبروته؛ إن تحديد الموقف الصحيح يتطلب رؤية واضحة للحق الذي نمثله، والباطل الذي يمثله العدو، مهما تعددت الأسماء والأشكال، هذا هو معيار “الفرقان” الذي يجب أن تمتلكه الأمة، والذي يمكنها من التمييز بين الحلفاء والأعداء، وبين المصالح الحقيقية والوهمية.

تشخيص “طاغوت العصر”: ملامح المشروع الصهيوني الأمريكي
ينتقل السيد عبدالملك للربط بين طبيعة العدو الذي واجهه المسلمون في غزوة بدر، وطبيعة العدوان الذي تواجهه الأمة اليوم فكما كانت قريش هي رأس الشرك والطغيان في ذلك الزمان، فإن أمريكا وإسرائيل تمثلان اليوم “أئمة الكفر” وقادة قوى الضلال والطغيان في العالم. إن توصيف القرآن لهم بأنهم “مجرمون” هو التوصيف الأكثر دقة، فالجرائم التي يرتكبها هذا المحور ضد الأمة الإسلامية، من إبادة جماعية في غزة إلى عدوان صريح على لبنان وسوريا واستهداف إيران، تكشف عن نفسية إجرامية لا تعترف بقانون ولا أخلاق.
لقد كشف العدوان الأخير على الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي تزامن مع ذكرى غزوة بدر، عن الوجه الحقيقي لهذا الطغيان فاستهداف الشعب الإيراني المسلم وقادته ومقدساته، ليس مجرد اعتداء على بلد معين، بل هو حلقة في سلسلة الحرب المفتوحة على الإسلام والمسلمين، بهدف إذلال الأمة ونهب ثرواتها ومسخ هويتها، واستبدال أوامر الله بأوامر “نتنياهو” و”بن غفير”، فالتصريحات الأمريكية والإسرائيلية عن “الشرق الأوسط الجديد” و”إسرائيل الكبرى”، هي مخططات معلنة لفرض واقع استعبادي جديد على المنطقة بأسرها.

في مقابل هذا الطغيان، تبرز قوى المقاومة في الأمة، من إيران حكومة وشعباً، إلى حزب الله في لبنان، والمقاومة في العراق، والموقف اليمني الأصيل، كامتداد طبيعي لروح بدر. هؤلاء هم أحرار الأمة الذين يرفعون راية الجهاد في وجه المشروع الصهيوني الأمريكي، ويدافعون عن كرامة الأمة وحقوقها. إن موقفهم الثابت هو الترجمة العملية لدروس بدر، حيث يواجهون إمكانات هائلة بإيمان لا يتزعزع، ويصرون على أن النصر حليفهم مهما طال الزمن، استناداً إلى سنة الله

لماذا يستهدفون “قلعة الأحرار”؟
يفرد السيد مساحة واسعة لتحليل الاستهداف الأخير للجمهورية الإسلامية في إيران، رابطاً بينه وبين المخطط الصهيوني الأوسع للسيطرة على “الشرق الأوسط ، فالجمهورية الإسلامية ـ حسب رأي السيد القائد ـ تمثل “العائق الأكبر” أمام مشروع “إسرائيل الكبرى” نظراً لما تمتلكه من قدرات وإرادة سيادية مستقلة.
إن العدوان على إيران، واستهداف قادتها ومرشدها السيد علي الخامنئي، ليس شأناً إيرانياً داخلياً، بل هو “حرب على الإسلام والمسلمين” قاطبة، يحلل السيد النوايا الأمريكية والإسرائيلية الصريحة المعلنة على لسان “نتنياهو وترامب”، والرامية إلى إسقاط النظام الإسلامي تمهيداً للاستفراد ببقية شعوب المنطقة.
المواجهة اليوم بين إسلام وكفر
ويؤكد السيد القائد أن المواجهة اليوم باتت مواجهة صريحة بين (إسلام وكفر) وعلى هذا يجب أن يكون الموقف محذرا من عملية التلبيس والتشويش التي يقوم بها المنافقون لضرب وعي الشعوب العربية والإسلامية وتثبيطهم عن الموقف الصحيح وتصوير ما يحدث مواجهة بين كيانات لا علاقة بالإسلام وذلك لتقديم خدمة مجانية للمجرمين زمرة الشيطان اليهود الصهاينة المجرمين داعيا الأمة الإسلامية إلى وحدة المصير الإيماني، و الاصطفاف خلف “أحرارها” في إيران ولبنان واليمن والعراق، لمواجهة “زمرة الشر الشيطانية” التي تريد أن يكون قرار الأمة بيد المجرمين “بن غفير” و”نتنياهو” بدلاً من أن يكون بيد القرآن والرسول.

فضيحة “الجنود الصغار”
يرسم السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي في هذا السياق ملامح واحدة من أخطر الانتكاسات السياسية والعسكرية في التاريخ العربي المعاصر، وهي مرحلة تحول بعض الأنظمة من حالة “التخاذل الصامت” إلى “المشاركة العملياتية” كأدوات وظيفية أو “جنود صغار” في خدمة المشروع الصهيوني. إن هذا المصطلح الذي استخدمه السيد لا يعبر فقط عن صغر القيمة السياسية، بل عن حالة الاستلاب الكامل للإرادة، حيث لم يعد الأمريكي والإسرائيلي يكتفيان من هذه الأنظمة بالموقف السلبي أو الصمت المطبق تجاه جرائم الإبادة في غزة، بل دفعوا بها لتقوم بدور “المكرّس” أو “الترس الدفاعي” الذي يتلقى الضربات نيابة عن العدو.
تتجلى هذه التبعية في أبشع صورها حين تتحول القواعد الأمريكية الجاثمة على الأراضي العربية من “حامٍ مفترض” لتلك الأنظمة إلى “عبء وجودي” يستنزف مقدراتها؛ إذ يُطلب من الجندي والطيار العربي اليوم أن يبذل غاية جهده في اعتراض الصواريخ والمسيرات التي تستهدف القواعد الأمريكية أو عمق الكيان الصهيوني، في مفارقة تاريخية تجعل من المقدرات العربية سياجاً أمنياً لقتلة الأطفال ومجرمي الحرب، إن وصف “الجنود الصغار” يمتد ليشمل توريط هذه الأنظمة في عداء مباشر وصدام هجومي مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو ما يعتبره السيد “فضيحة كبرى” وخيانة للمقدسات، حيث يتم الزج بجيوش كانت تُعد نفسها للدفاع عن سيادتها، لتكون في خدمة أجندة “نتنياهو وبن غفير”.
علاوة على ذلك، يفكك السيد القائد وهم “الحماية الأمريكية”، موضحاً أن هذه القواعد تحولت إلى “فخ استدراج”؛ فالأنظمة التي ظنت أنها اشترت أمنها وبقاء عروشها بفتح أراضيها للأمريكي، تكتشف اليوم أنها أصبحت مكلفة بحماية “الحامي” نفسه، والأخطر من ذلك هو ما كشفه السيد عن لجوء العدو الصهيوني لضرب مصالح حيوية (نفطية وغيرها) لبعض هذه الدول العربية “بشكل خفي” لإيهامها بأن المصدر هو إيران، بهدف جرها قسراً إلى مواجهة عسكرية شاملة تخدم المشروع الصهيوني حصراً.

“معركة الأمة” في مواجهة مثلث الاستكبار
في تحليلٍ استراتيجيٍّ عميق لموازين القوة، يضع السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي الإصبع على “التحول الكبير” في فاعلية جبهات المقاومة، مؤكداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد اشتباكات حدودية، بل هي “معركة الأمة بكلها” ضد مثلث الاستكبار. يبرز هذا المحور ككتلة صلبة تتحرك برؤية موحدة لإفشال مخطط “الاستباحة” الذي يسعى العدو لفرضه كقدرٍ محتوم على شعوب المنطقة.
• الجمهورية الإسلامية.. القوة التي أرعبت “الطاغوت”:
يحلل السيد القائد الموقف الإيراني بوصفه “النموذج القوي” الذي كسر هيبة التواجد الأمريكي، فبينما كانت القواعد الأمريكية تمثل في السابق مصدر تهديد وترهيب للأنظمة، يصف السيد مشهداً سريالياً للاندحار الأمريكي؛ حيث “هرب الأمريكيون إلى الفنادق” وغادروا قواعدهم تحت ضربات الردع الإيراني، وهم في حالة من الذعر والرعب. إن هذا المشهد يمثل “سقوطاً استراتيجياً” لوظيفة القواعد الأمريكية، ويؤكد أن الحرس الثوري والجيش الإيراني نجحا في فرض معادلة جهادية فاعلة تمثل بالأعداء وتذيقهم ويلات غطرستهم.
• حزب الله: “عنفوان” يفاجئ التوقعات:
يتوقف السيد عند الأداء العسكري لحزب الله في لبنان، والذي وصفه بأنه فاجأ الأعداء والوسطاء على حدٍ سواء، ففي الوقت الذي راهن فيه العدو الصهيوني على إيصال المقاومة في لبنان إلى “نقطة الصفر” عبر التصعيد والاغتيالات والضغوط المستمرة، جاء الرد بـ “فاعلية وقوة وعنفوان” أثبتت أن الحزب يمتلك القدرة على إدارة المعركة بنَفَسٍ طويل. يشرعن السيد هذا التحرك كحقٍ مكفول للدفاع عن لبنان وشعبه الذي لم يتوقف العدو عن استهدافه، معتبراً أن المفاجأة التي أحدثها حزب الله هي التي أعادت خلط الأوراق وأربكت حسابات “تل أبيب”.
• وحدة الساحات.. من العراق إلى اليمن:
لا يغفل التحليل الدور المتنامي للمجاهدين في العراق، الذين يخوضون عمليات مستمرة “في الليل والنهار”، مؤكداً على حقهم المشروع في مواجهة قوى الشر الصهيوني، أما عن الموقف اليماني، فقد لخصه السيد بعبارة عسكرية حازمة: “أيدينا على الزناد”. إن اليمن، بموقفه المبدئي والصلب، لا يكتفي بالتضامن الإعلامي، بل يضع نفسه كجزء أصيل ومباشر في التصعيد العسكري، مستعداً للتحرك في أي لحظة تقتضيها التطورات الميدانية.

كسر معادلة “الاستباحة” وفرض معادلة “الحرب المفتوحة”

يضع السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي يده على “الجرح الاستراتيجي الغائر” في واقع الأمة الإسلامية، مشيرا إلى المعادلة التي اعتاد عليها العدو الأمريكي والصهيوني لعقود؛ وهي معادلة “الاستباحة المطلقة مقابل الأيدي المكبلة”، ويشير السيد القائد بمرارةٍ وواقعية كيف أن العدو حوّل منطقتنا إلى “بنك أهداف” مفتوح، مستفيداً من مفارقةٍ يندى لها الجبين؛ حيث تُمول ماكينة القتل الصهيونية بـ “تريليونات الدولارات” من خزائن أنظمة عربية، لتُعبأ بها مخازن السلاح الأمريكية بالقنابل والصواريخ ثم يتحين “الفرص السياسية” ليضرب بعنف وإجرام، ثم يسعى لفرض حالة من “الهدوء” بانتظار تجهيز عدوانٍ آخر، مستغلاً غياب الرد الحاسم ليبقى آمناً مطمئناً في مخابئه، فما يحدث في العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران ونظامها وقائدها كان “أعلى سقف للإجرام”، نُفذ بعد أن استكمل العدو حشد التمويل العربي والعتاد الغربي، و يشدد السيد القائد على أن “هذا ما لا ينبغي القبول به إطلاقاً”، معتبراً أن بقاء العدو في حالة أمان بعد كل جريمة هو الذي يشجعه على تكرارها، ويطرح السيد عبد الملك قاعدة “المعاملة بالمثل في شمولية الصراع”. فإذا كان العدو يريدها حرباً مفتوحة بلا ضوابط ولا حدود، فإن للأمة أيضاً الحق الكامل في اعتبار نفسها في حالة “حرب مفتوحة” تمنحها الحق في تنفيذ أي عمليات في أي وقت وأي مكان. إن هذه القاعدة تهدف إلى انتزاع “زمام المبادرة” من يد الأمريكي والصهيوني، ونقلهم من حالة “المعتدي المرتاح” إلى حالة “الهدف القلق”، بحيث يدرك العدو أن عدوانه لن يمر دون رد صاعق لا يخضع لتوقيته أو شروطه.
وينتقد السيد القائد التريليونات التي تضخها بعض الأنظمة العربية بأنها الوقود الذي يحرق الأمة، إنها عملية “انتحار جماعي” تقوم بها أنظمة تمول عدوها ليقتلها ويحتل أرضها. ينبه السيد إلى أن العدو يختار “التوقيت المناسب سياسياً” لاستغلال هذا الدعم المالي واللوجستي، مما يجعل من التصدي لهذه الأنظمة وفضح دورها جزءاً لا يتجزأ من معركة الاستقلال والكرامة.
لا يكتفي السيد بطرح معادلة الصراع مع العدو، بل يعيد ربط الأمة بوعيد الله في القرآن الكريم {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}، مؤكداً أن “الزوال المحتوم” للكيان الصهيوني هو حقيقة قرآنية قادمة، لكن هذا اليقين لا يعني الركون، بل يتطلب “العمل بجدية” والأخذ بأسباب النصر، ويرى السيد القائد أن الحل الصحيح والوحيد للأمة هو “التوجه الجاد” وإدراك أن المواجهة محتومة، ولا يمكن التهرب منها أو التنصل عن مسؤولياتها بذرائع واهية، لأن التهرب من المواجهة لا يجلب إلا مزيداً من الكوارث.

في الختام، فإن ما يمكن استيعابه من خلال كلمة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) هو إن إحياء ذكرى غزوة بدر الكبرى في هذا العام بالذات، هو أكثر من مجرد مناسبة دينية أو تاريخية، إنه استدعاء للروح الجهادية البدرية التي صنعت النصر الأول، واستنهاض للهمم لمواجهة معركة الوجود التي تخوضها الأمة اليوم، فالأمة الإسلامية اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تستلهم دروس بدر، فتثبت على الحق، وتتحد تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتواجه طغاة العصر بكل قوة وبسالة، وإما أن تستمر في حالة التخاذل والانبطاح، فتكون لقمة سائغة في أفواه المجرمين.

قد يعجبك ايضا