كيف يمهّد المنافقون الأرضية لمشروع «إسرائيل الكبرى»؟

كيف يمهّد المنافقون الأرضية لمشروع «إسرائيل الكبرى»؟
قراءة في كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة جمعة رجب١٤٤٧هـ

صادق البهكلي

في خطابه بمناسبة ذكرى جمعة رجب، لا يتوقف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي عند استحضار البعد التاريخي أو الاحتفائي للذكرى، بل ينفذ عميقاً إلى واحدة من أخطر القضايا التي تهدد الأمة من داخلها: النفاق بوصفه مشروعاً منظماً، وحالة ثقافية وسياسية، وحركة تعمل على تفريغ الانتماء الإيماني من مضمونه الحقيقي.
اللافت في الخطاب أن النفاق لا يُطرح كظاهرة أخلاقية فردية فقط، بل كـ منظومة متكاملة، لها أدواتها، وشبكاتها، ووظائفها، وتقاطعاتها مع الطاغوت والاستكبار العالمي، ما يجعلها أخطر من العدو الظاهر؛ لأنها تتحرك من داخل الجسد، لا من خارجه.

بذلك، تتحول قراءة السيد عبد الملك للنفاق من مجرد ملاحظة سلوكية أو انتقاد فردي إلى رؤية استراتيجية شاملة يفسّر جانبًا كبيرًا من حالة الوهن التي تعيشها الأمة، ويعيد طرح الإيمان بوصفه موقفًا عمليًا ومسؤولية تاريخية، لا مجرد انتماء لفظي أو هوية معلّقة بلا أثر.

كيف تصنع حركات النفاق أمةً مدجَّنة؟

يطرح السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في كلمته رؤية تحليلية عميقة لطبيعة الخطر الذي تواجهه الأمة من داخلها، محذرًا من نشاط منظم تقوده «حركة النفاق»، يستهدف تفريغ الانتماء الإيماني من مضمونه الحقيقي وتحويله إلى حالة شكلية لا أثر لها في الواقع. ويبيّن أن هذا المسار لا يقتصر على استهداف شعب بعينه، بل يعمل على إعادة تشكيل وعي الأمة ككل، بما يؤدي إلى تعطيل القيم التي يُفترض أن يولدها الإيمان في السلوك والمواقف والولاءات، وفي مقدمتها الحرية والكرامة والعزة والالتزام العملي بالتعاليم الإلهية. ويؤكد أن خطورة هذا التوجه تكمن في أنه لا يعلن عداءه الصريح للإيمان، بل يسعى إلى مسخه من الداخل، عبر فصل العقيدة عن مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وتحويل الأمة إلى كيان قابل للتطويع والخضوع.
وفي توصيفه لهذه العملية، يقدّم السيد عبد الملك تشخيصًا صريحًا لنتائجها الاستراتيجية على واقع الأمة، قائلاً حرفيًا:
«هناك- وللأسف الشديد- سعيٌ دؤوب من حركة النفاق في الأُمَّة، إلى مسخ الانتماء الإيماني للأُمَّة بشكلٍ عام، ليس فقط على مستوى الاستهداف للشعب اليمني، بحيث يتحوَّل الانتماء الإيماني في واقع المسلمين عموماً إلى انتماءٍ لا ينفع الأُمَّة بشيء، يفقد كل خواصه، كل مميَّزاته، على مستوى الروحية، على مستوى الأخلاق، على مستوى القيم، على مستوى المبادئ الكبرى والأساسية؛ فيتحوَّل واقع الأُمَّة الكبير- وهي أُمَّة كبرى- إلى أُمَّة فاقدة لكل مميَّزات الانتماء الإيماني، في مقدِّمتها: الحُرِّيَّة، الكرامة، العِزَّة، الاتِّباع للتعاليم الإلهية، القيم العظيمة، ويسعون إلى أن تتحوَّل إلى: أُمَّة مدجَّنة لأعدائها، خاضعةً للطاغوت والاستكبار… إلخ ».
ويكشف هذا الطرح، في بعده التحليلي، أن النفاق لم يعد ظاهرة فردية أو سلوكية محدودة، بل تحوّل إلى مشروع متكامل يسعى إلى إنتاج «انتماء فارغ»، لا ينعكس في مواقف الأمة ولا في خياراتها المصيرية. فالإيمان، حين يُفرغ من محتواه العملي، يصبح عاجزًا عن حماية الأمة من الهيمنة، ويفقد دوره كمرجعية للتحرر ومقاومة الطغيان.
ومن هنا يربط السيد عبد الملك بين هذا المسار وبين خضوع الأمة للطاغوت والاستكبار، وارتباطها بمصادر الفساد التي تعيد تشكيل وعيها وثقافتها بما يخدم أعداءها.
وفي هذا السياق، يضع السيد القائد هذا النموذج من التدين المشوَّه في إطار قرآني واضح، باعتباره امتدادًا لحالة النفاق التي حذّر منها القرآن الكريم، حيث يرفع المنافقون شعارات الإصلاح بينما يمارسون الإفساد فعليًا، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}.

النفاق في القرآن… من حالة خفية إلى حركة فاعلة

إن النفاق ليس مجرد ازدواجية بين القول والفعل، بل هو انتماء مزيف، يتغطى بالإيمان لفظاً، ويتحرك في الواقع وفق أجندات معادية له.
فالقرآن – كما يؤكد السيد القائد – لم يتعامل مع المنافقين باعتبارهم مجرد ضعفاء إيمان، بل كقوة تخريبية منظمة، لها ولاءات خارجية، وارتباطات فكرية ونفسية بشياطين الإنس والجن:
{وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} ،
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}[البقرة:8]
وهنا يكشف جوهر النفاق:
ازدواج الولاء
– ولاء معلن لله ولرسوله
– وولاء فعلي للطاغوت، وللقوى المفسدة، وللأعداء
وهذا ما يجعل النفاق، في الرؤية القرآنية التي يستند إليها الخطاب، مشروع خيانة داخلية، لا مجرد خلل تعبدي.

العدو واختراق وعي الأمة عبر أدوات النفاق

في سياق فضحه لمشروع الهيمنة الصهيوني-الأمريكي، يوضح السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أن العدو لا يعمل منفردًا، بل يعتمد بشكل أساسي على حركة النفاق داخل الأمة:
أنظمة وحكومات تتحدث باسم الإسلام، وتنفذ السياسات الأمريكية-الإسرائيلية.
• نخب ثقافية وإعلامية ترفع شعارات الإصلاح، بينما تبرر الاستباحة وتقم مبررات لجرائم العدو.
• منظمات ومؤسسات تعمل على فصل الأمة عن القرآن تحت عناوين براقة.
• دعاة “واقعية” و”عقلانية” يجرّمون أي موقف مقاوم، ويقدّسون الخضوع
بوصفهم الأداة الأخطر في تمرير مؤامرات العدو وتطبيع جرائمه. فالعدو – كما يقول السيد القائد – يعلن أهدافه بلا مواربة، ويتحدث صراحة عن «تغيير الشرق الأوسط» وعن مشروع «إسرائيل الكبرى»، في مسارٍ يستهدف إخضاع المنطقة وشعوبها لسيطرته الكاملة، وهي حالة يصفها السيد بأنها «كارثة أن تقبل الأُمَّة بذلك». غير أن الأخطر من العدوان نفسه هو الدور الذي تؤديه أدواته من أبناء الأمة، إذ لا يكتفون بالصمت، بل يعملون على تهيئة الوعي الجمعي لقبول معادلة الاستباحة، حتى يصبح القتل اليومي، والتدمير، والحصار، والتجويع، وانتهاك المقدسات، أمورًا عادية بلا رد فعل. ويكشف السيد عبد الملك بوضوح أن « الأمريكي والإسرائيلي يسعون إلى أن تقبل شعوبنا… بأن يكونوا أُمَّةً مستباحة»، وأن أدواتهم من المنافقين يسعون إلى جعل هذه الجريمة «مسألة مقبولة لدى الناس»، مع منع أي «ردة فعل صحيحة» وتجريم كل موقفٍ معترض أو مقاوم. وبهذا الدور الوظيفي، تتحول حركة النفاق إلى غطاء سياسي وإعلامي وأخلاقي لجرائم الاحتلال، تبرر القتل اليومي، والتعذيب، والتهجير، ونهب الثروات، وتدفع باتجاه التعايش مع عدو «مستمرٌ ومواصلٌ لإجرامه» في فلسطين ولبنان وسوريا وغزة، فيما يُراد للأمة أن تعتاد المشهد بلا غضب ولا موقف، وهو ما يكشف – في جوهره – أن النفاق لم يعد مجرد خلل أخلاقي، بل أداة مركزية في تنفيذ المؤامرة الكبرى ضد الأمة.

الجهاد بين الحماية والتجريم… كيف تعمل حركة النفاق على نزع قوة الأمة

في إطار تفكيكه لمنظومة الاستهداف الشامل التي تتعرض لها الأمة، يقدّم السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي الجهاد في سبيل الله بوصفه وسيلة دفاعية لحماية أمة مستباحة، لا أداة عدوان أو إثارة فتن كما تحاول قوى النفاق تصويره.

فالأمة – كما يصفها السيد القائد – تعيش واقعًا تُحتل فيه أوطانها، وتُنتهك أعراضها، وتُنهب ثرواتها، ويُقتل أبناؤها يوميًا، ومع ذلك يُراد لها أن تُجرَّد من حقها الطبيعي في الدفاع عن نفسها.
ويؤكد السيد عبد الملك أن الحديث عن الجهاد «ليس عنواناً في إطار تهجُّم، أو تسلُّط، أو إثارة فتن»، بل ضرورة تفرضها طبيعة العدوان، غير أن المأساة تكمن في أن قوى النفاق الموالية للأعداء تعمل على شيطنة هذا الخيار، وتروّج لوهم «الخضوع المطلق لأمريكا وإسرائيل» باعتباره الحل، وهو – كما يصفه السيد عبد الملك – «تصور باطل بكل ما تعنيه الكلمة». ويضيف أن هذه القوى لا تتحرك بدافع الجهل فقط، بل تؤدي دورًا وظيفيًا في صرف الأنظار عن الغطرسة الأمريكية والصهيونية، تلك الغطرسة «الظالمة، المجرمة» التي لا تحترم «أي مواثيق، ولا أي قيم، ولا أخلاق»، وتمارس النهب والقرصنة حتى خارج منطقتنا، كما في نموذج فنزويلا.
وفي مقابل هذا السلوك العدواني المكشوف، تعمل أدوات النفاق داخل الأمة على تبرير سياسات العدو، وتبنّي إملاءاته، وتحويل مطالبه – وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة – إلى مطالب داخلية، مع توجيه اللوم الدائم إلى «المظلومين» و«الأحرار». ويبيّن السيد عبد الملك أن معركة السلاح تكشف بوضوح هذه الشراكة؛ إذ يسعى الأمريكي والإسرائيلي إلى تجريد كل من «سيواجهون به أي عدوان أو تسلُّط وطغيان»، بينما يُسمح بالسلاح فقط لمن «يقبل بالإذعان» ليُستخدم في تفكيك الأمة من الداخل، لا في مواجهة العدو، وبهذا، يصبح تجريم الجهاد ونزع أدوات الحماية جزءًا أصيلاً من مؤامرة أكبر، هدفها إبقاء الأمة عزلاء، مستباحة، ومجردة من حقها في الدفاع عن نفسها، تحت غطاء النفاق والتضليل.

اليمن… نقيض مشروع النفاق

في مقابل هذا المشهد القاتم، يقدّم السيد القائد النموذج اليمني بوصفه نقضاً عملياً لمشروع النفاق.
فالشعب اليمني – كما تحدث عنه السيد عبد الملك – لم يكتفِ بالشعارات، بل:
• تحرك شعبياً دفاعاً عن القرآن
• ثبت على موقفه من فلسطين
• واجه الاستكبار دون مواربة
• ربط الإيمان بالموقف
• ورفض أن يكون أداة بيد الطاغوت
وهذا – في حد ذاته – ما يفسر شراسة الاستهداف، لأن النفاق لا يحتمل نموذجاً يفضحه.

معركة الوعي قبل معركة السلاح

في ضوء ما تقدّم، تبرز كلمة السيد القائد بمناسبة ذكرى جمعة رجب، بما تحمله من دلالات تاريخية وإيمانية، بوصفها خطابًا توجيهيًا جامعًا يؤكد أن المعالجة الحقيقية لمشاريع الاستهداف والنفاق تبدأ من ترسيخ الانتماء الإيماني بوصفه جوهر الهوية ومصدر القوة.
فهذا الانتماء، الذي عبّر عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «الإيمانُ يمان، والحكمةُ يمانية»، ليس وسام شرف فحسب، بل تكليف تاريخي يفرض مسؤوليات عملية في كل مرحلة. وانطلاقًا من ذلك، تقع على عاتق الجيل المعاصر مسؤولية واعية في تثبيت هذا الانتماء في النفوس، عبر التربية على القيم والمبادئ الإيمانية، وحذو الأسلاف النماذج، الذين كانوا نماذج إيمانية بشهادة القرآن، بشهادة الرسول “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم”، بشهادة سيرتهم، مواقفهم، تضحياتهم، عطاءاتهم
كما تفرض المرحلة ضرورة التصدي لكل محاولات الانحراف ومسخ الهوية، وحماية الأجيال من مسارات التضليل والتدجين، بالتمسك بالصراط المستقيم ومعالمه الواضحة ومبادئه الأصيلة. ومن خلال استلهام هذا الإرث الإيماني، يمكن للأمة – وللشعب اليمني على وجه الخصوص – أن تكون امتدادًا حيًا لمسيرة الإيمان، يتجلى أثرها في الأخلاق والسلوك والمواقف والولاءات والتوجهات، وفي الجهاد الواعي المسؤول، بما يعيد للانتماء الإيماني فاعليته كقوة تحرير وبناء، لا كشعارٍ مجرّد أو انتماءٍ فارغ.
و الخلاصة فالصراع اليوم لم يعد مجرد نزاع عسكري على الجغرافيا، بل هو «حرب وعي» تستهدف جوهر الإنسان المسلم، إن النفاق لم يعد مجرد ضعفٍ في النفوس، بل بات «جيشاً رديفاً» للاستكبار العالمي، مهمته نزع «روحية الجهاد» وتخدير الشعوب لتُذبح بصمت.
وعليه، فإن الرد العملي على مشروع التدجين لا يكون إلا باستعادة «الإيمان الفاعل»؛ ذلك الإيمان الذي لا يقبل الضيم، ولا يهادن الطاغوت، ويجعل من الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين سدّاً منيعاً تتحطم عليه كل مؤامرات الداخل والخارج.
المعركة هي معركة وعي.. والانتصار فيها يبدأ من صدق الانتماء

قد يعجبك ايضا