مطار صنعاء.. بوابة السيادة وكسر الحصار

في لحظة تاريخية فارقة، تقف صنعاء اليوم شامخةً كعنوانٍ للكرامة الوطنية التي لا تقبل المساومة، مُعلنةً بصوتٍ عالٍ أن زمن الإملاءات الخارجية قد ولّى إلى غير رجعة.

إن قرار استئناف الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء الدولي، دون انتظار أذونات من قوى العدوان، ليس مجرد إجراء فني أو إداري، بل هو تجسيد حي لمبدأ السيادة الذي دفع الشعب اليمني من أجله أثماناً باهظة من دماء أبنائه وصمود بنيته التحتية.

لقد أثبتت حكومة صنعاء من خلال هذا التحرك أنها لا تكتفي بفرض معادلات الردع العسكري في الميدان فحسب، بل تمتلك القدرة والجرأة على انتزاع الحقوق المدنية والإنسانية من فك الحصار الذي استمر لسنوات.

إن هذا التحدي الصريح يضع النظام السعودي أمام مرآة الواقع، حيث لم تعد لغة التهديد والوعيد قادرة على كسر إرادة شعب اتخذ قراره النهائي بإنهاء الهيمنة، وأدرك أن الطريق إلى الاستقرار الحقيقي يمر عبر فرض الحقائق على الأرض، لا عبر دهاليز الدبلوماسية العقيمة التي لم تجلب لليمن سوى المزيد من المعاناة، مما يجعل من فتح المطار خطوة رمزية واستراتيجية نحو كسر الطوق الذي حاول عبثاً عزل اليمن عن عمقه الإقليمي والعالمي.

السيادة حق لا استجداء

تتجاوز قضية فتح مطار صنعاء مجرد كونها مطلباً إنسانياً لتسهيل حركة المسافرين أو المرضى، فهي في جوهرها قضية سيادة وطنية يمنية لا تقبل التجزئة أو التفاوض.

إن إصرار حكومة صنعاء على تشغيل المطار دون استئذان يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة التعامل مع قوى العدوان؛ إذ انتقلت صنعاء من موقع المطالب بفك الحصار إلى موقع الطرف الذي يفرض الواقع بقوة الحق والقانون.

هذا التوجه يعكس نضجاً سياسياً في إدارة الملفات الاستراتيجية، حيث أدركت القيادة في صنعاء أن المجتمع الدولي والمنظمات الأممية لم تفلح طوال سنوات في إيجاد مخرج للأزمة، مما حتم المبادرة الذاتية لكسر الأغلال.

إن كل طائرة تهبط في صنعاء اليوم هي رسالة واضحة لكل المراهنين على ركوع الشعب اليمني، مفادها أن السيادة اليمنية مستمدة من إرادة الشعب لا من قرارات التحالف أو رغبات الرياض. وبذلك، تتحول المطارات والموانئ إلى ساحات مواجهة سيادية، حيث لا يعود المطار مرفقاً خدمياً فحسب، بل رمزاً لانتصار الدولة اليمنية على محاولات تفتيت هويتها الوطنية، وتثبيتاً لحق أصيل في إدارة مقدرات البلاد وشؤون مواطنيها بعيداً عن أية وصاية أجنبية أو تدخل في القرار السيادي الوطني.

معادلات الردع.. رهان الاستقرار العالمي

لم تكن التحذيرات التي أطلقتها حكومة صنعاء للسعودية مجرد تصريحات استهلاكية، بل هي تذكير دائم بمعادلات الردع التي نجحت صنعاء في ترسيخها على مدى سنوات الصراع. إن الربط بين استمرار الحصار على مطار صنعاء وبين استهداف المنشآت الاقتصادية والحيوية في العمق السعودي يمثل تحذيراً استراتيجياً موجهاً للرياض بأن “الأمن مقابل الأمن”.

لقد بات واضحاً أن أي محاولة لتعطيل الملاحة الجوية في صنعاء ستكون لها ارتدادات كارثية على الاقتصاد السعودي، ليس فقط على مستوى الاستقرار الإقليمي، بل على مستوى التزام الرياض بوعودها في رؤية 2030 التي تعتمد في جوهرها على بيئة استثمارية آمنة. إن التهديدات المباشرة التي أطلقها المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، يحيى سريع، تضع المرافق الاقتصادية السعودية، بدءاً من أرامكو ووصولاً إلى الموانئ والأسواق المالية، في مرمى الرد اليمني المشروع.

هذا التوازن الرعب هو الضمانة الوحيدة التي ستجبر الرياض على إعادة حساباتها، لأنها أدركت أن كلفة استمرار الحصار باتت تتجاوز بكثير أي مكاسب سياسية أو عسكرية كانت تأمل في تحقيقها، مما يدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة عنوانها أن أمن اليمن واستقراره هما الممر الوحيد لأمن واستقرار الجزيرة العربية بأكملها.

تضليل الرأي العام.. سقطات الرياض الإعلامية

في محاولتها اليائسة لتغطية فشلها في مواجهة إرادة صنعاء، تعمد آلة الدعاية التابعة للتحالف السعودي إلى تحريف الحقائق ومحاولة تضليل الرأي العام الدولي. إن لجوء الرياض إلى وصف تحركات صنعاء بأنها “انتهاكات للسيادة” ليس إلا مفارقة مضحكة ومثيرة للسخرية، خاصة وأنها هي الطرف الذي شن عدواناً شاملاً وفرض حصاراً خانقاً على اليمن منذ أكثر من عقد من الزمن. إن محاولات التحالف تصوير الأمر كصراع قانوني هو محاولة لتشتيت الأنظار عن حقيقة أنها المعتدي والطرف المسؤول عن هذه المأساة الإنسانية. صنعاء، في خطابها الإعلامي والسياسي، تفوقت بوضوح من خلال كشف هذه الأكاذيب وتعريتها أمام العالم، موضحاً أن السيادة اليمنية لا تنتهكها طائرة تقل يمنيين، بل تنتهكها الطائرات المقاتلة التي تقصف المدن والمدنيين. إن هذا التضليل الإعلامي يعكس حالة الارتباك التي يعيشها النظام السعودي، حيث لم يعد يملك من الأدوات سوى بيانات إنشائية خاوية من المضمون. وفي المقابل، تواصل صنعاء خطابها المباشر والقوي، مدركةً أن الرأي العام اليمني والإقليمي أصبح يمتلك الوعي الكافي للتمييز بين من يدافع عن حقه في الحياة والحرية، وبين من يغلف إجرامه بمفاهيم قانونية يفسرها وفقاً لمصالحه الضيقة والانتهازية.

مستقبل اليمن في ظل تحول المعادلات

نحن اليوم أمام مشهد جديد يرسمه الشعب اليمني بيده، مشهد تتغير فيه المعادلات الجيوسياسية وتنبثق فيه دولة ذات سيادة كاملة على أجوائها ومياهها. إن خطوة إعادة فتح مطار صنعاء الدولي، بما حملته من دلالات سياسية وعسكرية، تمثل حجر الزاوية في بناء يمن المستقبل، يمن لا يعتمد على الغير في تحركاته ولا يخشى التهديدات في مطالبه. إن استمرار هذا النهج في فرض الأمر الواقع سيضع المجتمع الدولي أمام حقيقة لا مفر منها، وهي أن اليمن قد خرج من عباءة الوصاية، وأصبح طرفاً فاعلاً في صياغة قراره الوطني.

لقد أثبت الشعب اليمني، من خلال صموده تحت الحصار وتصميمه على كسر القيود، أنه شعب لا ينكسر ولا يستسلم، وأن مستقبله لا يُكتب في عواصم الخارج بل في صنعاء. إن الأيام القادمة ستحمل معها الكثير من التغييرات، حيث سيتضح للجميع أن زمن الأحادية القطبية في اليمن قد ولى، وأن النظام الجديد الذي تفرضه صنعاء هو الوحيد القادر على تأمين مصالح اليمنيين. إننا نشهد ولادة جديدة لليمن كقوة إقليمية حرة، تمتلك إرادتها وتقرر مصيرها، وهو ما يمهد الطريق لإنهاء العدوان وتحقيق السلام العادل الذي يحفظ كرامة وسيادة البلاد، بعيداً عن أية شروط مذلة، لتنطلق نحو مرحلة من الاستقلال الوطني الحقيقي والنهضة الشاملة.

الوقت التحليلي

قد يعجبك ايضا