ذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي عليه السلام   نهضة قرآنية لم تنطفئ جذوتها عبر العصور

مقدمة

في كل عام تتجدد ذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي بن الحسين، عليهم السلام، لتضع الأمة أمام مرآتها من جديد، ليست الذكرى استحضاراً لحدثٍ مضى وانطوى، بقدر ما هي مساءلة متجددة: أين نحن اليوم من ذلك الرجل الذي خرج، قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً، ليقول للطغيان: لا؟

في الخامس والعشرين من محرم من كل عام، يستعيد اليمنيون، وخلفهم أتباع مدرسة أهل البيت في مختلف الأصقاع، سيرة رجلٍ لم يكن مجرد فارسٍ استُشهد في معركة، بل كان عنواناً لمشروعٍ فكري وإصلاحي متكامل، امتد أثره عبر الأجيال حتى صار اسمه مرادفاً لمدرسة قائمة بذاتها: المدرسة الزيدية.

لقد تجاوزت شخصية الإمام زيد بن علي (عليهما السلام) حدود الانتماء المذهبي الضيق لتصبح رمزاً جامعاً يحظى بالاحترام والتقدير لدى مختلف مكونات الأمة. فالإمام زيد ليس مجرد اسم في سجل التاريخ، بل هو عنوان لمرحلة فارقة شكّلت وعي أجيال متعاقبة بمعنى الجهاد والثبات في وجه الاستبداد، وبأهمية العودة إلى الأصل: كتاب الله عز وجل.

الإمام زيد بن علي سليل بيت النبوة وحليف القرآن

ينتمي الإمام زيد بن علي (عليهما السلام) إلى البيت النبوي الطاهر، فهو ابن الإمام علي زين العابدين، سيد الساجدين، وحفيد الإمام الحسين بن علي، سبط رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، نشأ في بيت علم وعبادة وجهاد، وترعرع على القيم القرآنية التي أرستها هذه الأسرة المباركة عبر أجيالها المتعاقبة، برز بكماله الإيماني ومنزلته الرفيعة حتى غدا محل إجماع واحترام من مختلف فرق الأمة على اختلاف مشاربها ومذاهبها، وهذا في حد ذاته أمر لافت في تاريخ شخصيات كانت محل جدل واختلاف.

عُرف الإمام زيد(عليه السلام)  في المدينة المنورة بلقب “حليف القرآن”، وهو لقب لم يُطلق عليه جزافاً، بل جاء تتويجاً لصلة وثيقة نسجها مع كتاب الله، ومن كلامه “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في هذا السياق، قال “عَلَيْهِ السَّلَامُ”: ((وَأُوصِيكُم أَنْ تَتَّخِذُوا كِتَابَ اللهِ قَائِداً وَإِمَاماً، وَأَنْ تَكُونُوا لَهُ تَبَعاً فِيمَا أَحْبَبْتُم وَكَرِهْتُم، وَأَنْ تَتَّهِمُوا أَنْفُسَكُم وَرَأيَكُم فِيمَا لَا يُوافِقُ القُرْآن، فَإِنَّ القُرْآنَ شِفَاءٌ لِمَنِ اِسْتَشْفَى بِهِ، وَنُورٌ لِمَنِ اِقْتَدَى بِهِ، وَنُورٌ لِمَن تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَن تَبِعَهُ، مَنْ عَمِلَ بِهِ رَشِد، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَل، وَمَنْ خَاصَمَ بِهِ فَلَج، وَمَنْ خَالَفَهُ كَفَرَ، فِيْهِ نَبَأُ مَنْ قَبْلَكُم، وَخَبَرُ مَعَادِكُم، وَإِلَيهِ مُنْتَهَى أَمْرِكُم))، هكذا كان يسعى إلى أن تعود علاقة الأُمَّة بالقرآن الكريم: علاقة الاهتداء والاتِّباع؛ ليكون القرآن هو قائدها وإمامها، هكذا سعى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” وقد ظهر ذلك جليا في رسائله ومناظراته ولقاءاته العلمية، وفي نشاطه التوجيهي والتثقيفي الذي استهدف تبصير الأمة وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي روّج لها الحكم الأموي آنذاك. وقد وصلتنا كثير من هذه الرسائل موثقة ومطبوعة، تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل، من أهمها رسالته الشهيرة إلى علماء الأمة وهي شاهد حي على عمق العلاقة التي جمعت هذا الإمام بالنص القرآني، لا كنص يُتلى فحسب، بل كمنهج حياة يُتّبع ويُهتدى به في كل تفاصيل الوجود.

مرحلة الظلام الأموي ونهضة الإمام زيد (عليه السلام)

احتلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موقعاً محورياً في مشروع الإمام زيد بن علي عليه السلام، بوصفها الركيزة التي تحفظ للأمة الإسلامية هويتها الإيمانية، وتصونها من هيمنة الظلم والانحراف، وتعيد إليها دورها في إقامة الحق والعدل. وانطلق الإمام زيد من الفهم القرآني الذي يجعل هذه الفريضة معياراً لخيرية الأمة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، وقوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]. وفي المقابل، حذّر من أن تغييب هذه المسؤولية يفضي إلى انقلاب خطير في واقع الأمة، حيث يُحارب المعروف، ويُفرض المنكر، ويتحول الباطل إلى نهج سائد، كما وصف القرآن حال المنافقين بقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: 67].

وفي هذا السياق، جسّد الإمام زيد هذه الفريضة في مشروعه العملي، فلم يكتفِ بالدعوة إليها نظرياً، بل جعلها أساساً لتحركه في مواجهة الجور والطغيان، معتبراً أن الدين لا يكتمل إلا بالقيام بمسؤولية الإصلاح والتصدي للمنكر، وقد عبّر عن ذلك في كلمته المشهورة عندما خفقت رايات الجهاد فوق رأسه، فقال: (الحمد لله الذي أكمل لي ديني، أما والله لقد كنت أستحيي أن أقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة، ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنه عن منكر) ، في تأكيد واضح على أن ترك هذه الفريضة يمثل نقصاً في أداء الواجب الديني، وأن الإيمان الحق يقتضي الحضور في ميدان الإصلاح لا الاكتفاء بالشعارات.

ولم تكن هذه الرؤية مجرد موقف عابر، بل ظلت حاضرة في خطاب الإمام زيد عليه السلام، حيث كان يربط بين الالتزام بكتاب الله ورفض الصمت أمام الانحراف، قائلاً: (والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت، كيف أسكت وقد خولف كتاب الله، وتحوكم إلى الجبت والطاغوت)، كما كان يؤكد المعنى نفسه بقوله: (والله ما يدعني كتاب ربي أن أكف يدي)، في دلالة على أن القرآن يفرض على المؤمن مسؤولية عملية في مواجهة الباطل، وعدم الركون إلى الصمت أو المسايرة عندما تُنتهك أحكام الله ويُستبدل العدل بالظلم.

كما كشف الإمام زيد عن العلاقة الوثيقة بين التخلي عن مقاومة الطغيان وبين وقوع الأمة في الذل والهوان، محذراً من أن الخوف من المواجهة هو الذي يمنح الطغاة القدرة على الاستمرار، ولذلك قال كلمته الخالدة: (والله ما كره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا(، وهي مقولة تختصر فلسفة العزة في الإسلام، وتؤكد أن الأمم التي تتهيب التضحية والدفاع عن الحق تنتهي إلى الخضوع والاستسلام. وربط الإمام ذلك أيضاً بحب الدنيا والتعلق بالبقاء، فقال: (من استشعر حب البقاء، استدثر الذل إلى الفناء)، مبيناً أن التمسك بالحياة على حساب المبادئ يحول الإنسان إلى أسير للخوف، ويجعله يقبل بالهوان ويعجز عن أداء مسؤوليته في نصرة الحق.

ومن خلال هذه المبادئ، قدّم الإمام زيد نموذجاً للإصلاح القائم على المسؤولية القرآنية، مؤكداً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا مجرد وعظٍ أخلاقي، بل مشروع حضاري يحفظ للأمة دينها وكرامتها، ويحول دون هيمنة الظلم والفساد على واقعها، فكلما حضرت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وعي الأمة وسلوكها، بقي المعروف حاكماً في حياتها، وانحسر المنكر، واستعادت الأمة دورها في إقامة العدل والخير، أما إذا غابت، فإن الإسلام يتحول إلى طقوس وشعائر مجردة، بينما تمتلئ الحياة بالمظالم والجرائم والفساد، وهو الواقع الذي نهض الإمام زيد عليه السلام لمواجهته وإصلاحه، مستلهماً كتاب الله، ومجسداً في سيرته معاني المسؤولية، والعزة، والثبات في وجه الطغيان.

البصيرة والوعي القرآني كمشروع إصلاح

لم تكن نهضة الإمام زيد مجرد ثورة سياسية على سلطة ظالمة، بل كانت في جوهرها مشروعاً فكرياً وروحياً يهدف إلى إعادة ربط الأمة بالقرآن الكريم، لا كنص يُقرأ ويُحفظ، بل كمنهج حياة يُتّبع ويُطاع. ففي ظل هيمنة السلطة الأموية، تحولت علاقة كثير من المسلمين بالقرآن إلى علاقة شكلية، تقتصر على التلاوة والحفظ دون أن تمتد إلى الاهتداء والالتزام العملي بتعاليمه. وقد أدرك الإمام زيد أن هذا الانفصال بين النص وواقع الحياة هو جوهر أزمة الأمة، وأن استعادة العافية تبدأ من استعادة الصلة الحقيقية بكتاب الله.

من أبرز ما تركه الإمام زيد في هذا السياق وصيته الشهيرة التي دعا فيها إلى اتخاذ كتاب الله قائداً وإماماً، والانقياد له فيما يحب المرء ويكره، يقول عليه السلام: ((وَأُوصِيكُم أَنْ تَتَّخِذُوا كِتَابَ اللهِ قَائِداً وَإِمَاماً، وَأَنْ تَكُونُوا لَهُ تَبَعاً فِيمَا أَحْبَبْتُم وَكَرِهْتُم، وَأَنْ تَتَّهِمُوا أَنْفُسَكُم وَرَأيَكُم فِيمَا لَا يُوافِقُ القُرْآن، فَإِنَّ القُرْآنَ شِفَاءٌ لِمَنِ اِسْتَشْفَى بِهِ، وَنُورٌ لِمَنِ اِقْتَدَى بِهِ، وَنُورٌ لِمَن تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَن تَبِعَهُ، مَنْ عَمِلَ بِهِ رَشِد، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَل، وَمَنْ خَاصَمَ بِهِ فَلَج، وَمَنْ خَالَفَهُ كَفَرَ، فِيْهِ نَبَأُ مَنْ قَبْلَكُم، وَخَبَرُ مَعَادِكُم، وَإِلَيهِ مُنْتَهَى أَمْرِكُم))، هكذا كان يسعى إلى أن تعود علاقة الأُمَّة بالقرآن الكريم: علاقة الاهتداء والاتِّباع؛ ليكون القرآن هو قائدها وإمامها، هكذا سعى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”.

وقال “عَلَيْهِ السَّلَامُ”: ((فَلَعَمْرِي إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَعْلَمُهُم بِالقُرْآنِ، وَأَنَّ أَهْدَى النَّاس لَمَن عَمِلَ بِهِ، المُتَّبِعُ لِمَا فِيه، وَلَقَدْ قَالَ اللهُ “جَلَّ ثَنَاؤه”: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}[الإسراء:9])).

فالإمام زيد عليه السلام يرى أن جوهر الأزمة التي عصفت بالأمة الإسلامية يكمن في تراجع علاقتها بالقرآن الكريم، ليس على مستوى التلاوة فحسب، وإنما على مستوى الهداية والالتزام والتحاكم إلى تعاليمه، فكلما ابتعدت الأمة عن القرآن، ضعفت صلتها بالله سبحانه وتعالى، وتراجعت قيم الإيمان في واقعها، حتى وصلت إلى حالة من الانحطاط الشامل مست مختلف جوانب الحياة، وأصبح الظلم سياسةً تُدار بها شؤون الأمة، والجور منهجاً للحكم، والفساد ظاهرةً متغلغلة في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بينما تراجعت مكانة العدل، وغابت المسؤولية، وساد الصمت أمام المنكر، حتى تحولت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى عنوانٍ معطّل في حياة المسلمين.

مدرسة الإمام زيد… نهجٌ لم تُطفئه سيوف الطواغيت

لم يكن عطاء الإمام زيد بن علي عليه السلام حدثاً عابراً ارتبط بمرحلة زمنية محددة، بل شكّل مشروعاً إصلاحياً امتد أثره عبر الأجيال، ورسّخ مدرسةً للحق والمقاومة بقيت حاضرة في وجدان الأمة، تستمد قوتها من ثبات صاحبها وإخلاصه، وتتجدد في كل عصر. فعلى الرغم من اتساع دائرة التخاذل التي واجهها، وإحجام كثير من أبناء الأمة عن نصرته، لم يتراجع الإمام عن مسؤوليته، بل مضى ثابتاً على موقفه، مؤمناً بأن أداء الواجب لا يُقاس بكثرة الأنصار، وإنما بصدق الموقف والوفاء للتكليف الإلهي. وقد لخّص هذا المعنى في قوله: ((لو لم يخرج معي إلا ابني يحيى لقاتلتهم)، وهي مقولة تعكس حجم العزم الذي حمله، وإصراره على مواجهة الظلم مهما كانت التضحيات.

ولم تتوقف محاولات السلطة الأموية عند اغتيال الإمام زيد عليه السلام، بل سعت إلى محو أثره بالكامل؛ إذ صُلِب جسده الشريف أربع سنوات بعد استشهاده، ثم أُحرق حتى صار رماداً، ونُثر في البر والأنهار، في محاولة لإزالة كل ما يذكّر الناس به، وإخماد الرسالة التي حملها. غير أن تلك الممارسات تحولت إلى شاهد على عجز الطغيان عن إطفاء المبادئ، إذ بقيت سيرة الإمام حاضرة في الوعي الإسلامي، واتسع تأثيرها بدلاً من أن ينحسر.

وسرعان ما حمل ابنه الإمام يحيى بن زيد عليه السلام راية أبيه، مواصلاً الطريق نفسه في مواجهة الاستبداد، حتى نال الشهادة بعد أربع سنوات من استشهاد والده، لتتواصل مسيرة التضحية جيلاً بعد جيل. ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى بدأت الدولة الأموية تفقد قبضتها على الأمة، لتنتهي سيطرتها بعد نحو عشر سنوات من استشهاد الإمام زيد، مع اندلاع ثورة خراسان التي رفعت شعارات الثأر للإمام الحسين والإمام زيد والإمام يحيى عليهم السلام، معلنة نهاية مرحلة من أكثر مراحل الحكم الأموي قسوةً وظلماً.

وهكذا أثمرت تضحيات الإمام زيد عليه السلام نتائج تجاوزت حدود زمانه، فلم تسهم في تعجيل سقوط الحكم الأموي فحسب، بل أسست لامتداد دائم لخط الحق في الأمة. فقد تحولت ثورته إلى مصدر إلهام للأحرار، ورسخت ثقافة مقاومة الظلم، وأثبتت أن دماء المصلحين قد تُراق، لكن مبادئهم تبقى حيّة، تتناقلها الأجيال، وتظل قادرة على صناعة التحولات الكبرى في مسار التاريخ.

تتجدد في واقع الأمة اليوم الحاجة إلى المبادئ التي نهض من أجلها الإمام زيد بن علي عليه السلام، وفي مقدمتها العودة إلى القرآن الكريم بوصفه مصدر الهداية وبوصلة الإصلاح والتغيير. فابتعاد الأمة عن منهج القرآن لم ينعكس على جانبها الإيماني فحسب، بل امتد أثره إلى واقعها السياسي والاجتماعي والأخلاقي، حتى فقدت كثيراً من عناصر قوتها، وتراجع إحساسها بالمسؤولية تجاه قضاياها الكبرى. وفي ظل هذا الواقع، تبرز التحديات التي تواجهها الأمة، وفي مقدمتها السياسات الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدف – وفق هذا الطرح – أمنها واستقلالها وهويتها ومقدساتها، وتسعى إلى فرض الهيمنة عليها سياسياً وعسكرياً وثقافياً، بما يجعل العودة إلى المنهج القرآني ضرورة لاستعادة الوعي، وتعزيز الثقة بالله، وبناء موقف إيماني قادر على مواجهة مختلف أشكال العدوان، سواء في صورته العسكرية المباشرة أو عبر أدوات التأثير الفكري والثقافي والإعلامي. وتبرز المأساة الإنسانية في قطاع غزة بوصفها المشهد الأكثر إيلاماً في هذا السياق، حيث يواجه السكان أوضاعاً كارثية بفعل القتل والدمار والحصار ونقص الغذاء والدواء، بينما يعاني الأطفال من المجاعة وسوء التغذية في واحدة من أشد الأزمات الإنسانية المعاصرة. وفي مقابل هذه المأساة، تبدو حالة العجز والصمت في العالمين العربي والإسلامي دليلاً على حجم التراجع الذي أصاب الأمة في وعيها وشعورها بالمسؤولية، حتى غابت كثير من معاني النصرة والتكافل والشهامة، وأصبح التفرج على معاناة شعبٍ بأكمله مشهداً يكشف عمق الأزمة الأخلاقية والإنسانية التي تعيشها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة تعيد للأمة ارتباطها بكتاب الله، وتستنهض فيها روح المبادرة والتغيير، انطلاقاً من السنّة الإلهية التي تؤكد أن إصلاح الواقع يبدأ بإصلاح النفوس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وهي القاعدة التي تجعل من استعادة الوعي القرآني المدخل الأساس للنهوض بالأمة واستعادة دورها في مواجهة التحديات وصون كرامتها والدفاع عن قضاياها.

غزة اليوم.. المرآة التي تعكس حاجة الأمة إلى الوعي القرآني

تتجدد في واقع الأمة اليوم الحاجة إلى المبادئ التي نهض من أجلها الإمام زيد بن علي عليه السلام، وفي مقدمتها العودة إلى القرآن الكريم بوصفه مصدر الهداية وبوصلة الإصلاح والتغيير. فابتعاد الأمة عن منهج القرآن لم ينعكس على جانبها الإيماني فحسب، بل امتد أثره إلى واقعها السياسي والاجتماعي والأخلاقي، حتى فقدت كثيراً من عناصر قوتها، وتراجع إحساسها بالمسؤولية تجاه قضاياها الكبرى.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز التحديات التي تواجهها الأمة، وفي مقدمتها السياسات الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدف أمنها واستقلالها وهويتها ومقدساتها، وتسعى إلى فرض الهيمنة عليها سياسياً وعسكرياً وثقافياً، بما يجعل العودة إلى المنهج القرآني ضرورة لاستعادة الوعي، وتعزيز الثقة بالله، وبناء موقف إيماني قادر على مواجهة مختلف أشكال العدوان

لقد حملت نهضة الإمام زيد (عليه السلام) الكثير من الدروس التي الأمة بأمس الحاجة إليها، فالمأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، من حصار وتجويع وقتل ممنهج، تكشف عن حجم الفجوة الهائلة بين ما تقتضيه القيم الإيمانية والإنسانية وبين واقع التخاذل الذي يعيشه كثير من أبناء الأمة، فبين مئات الملايين من العرب ومليارات المسلمين، يبقى المشهد الفلسطيني معلقاً بلا نصرة حقيقية تليق بحجم المأساة، في مفارقة تستدعي تساؤلات عميقة حول مدى حضور الوعي القرآني في وجدان الأمة اليوم.

إن استعادة العلاقة الحقيقية بالقرآن الكريم، لا كنص يُتلى بل كمنهج يُطبق، تبقى الطريق الأقصر لاستعادة الأمة لكرامتها وقدرتها على مواجهة التحديات الكبرى التي تحيط بها، من الاستهداف الفكري إلى العدوان المباشر. وتبقى سيرة الإمام زيد بن علي  (عليهما السلام) شاهداً حياً على أن الثبات والوعي والشجاعة قادرة على تغيير مسار التاريخ، مهما بلغت قوة الطغيان وعتوّه.

قد يعجبك ايضا