مع “فلسطين2”.. لا حديث عن نصر أو تفوق، بل عن مأزق، ورعب، ومستقبل أسود
منذ انطلاق الطوفان، والكيان الإسرائيلي يواجه جبهة لم يكن يتوقعها يوماً ” جبهة اليمن”. من أرض يفرض عليها الحصار، ومن جبال وأودية ظنّها العدو بعيدة عن مراكز ثقله الحساسة، جاء اليمن بصواريخه وطائراته المسيرة ليضع الكيان الصهيوني في معادلة جديدة لا مكان آمن له فيها؛ فكل جغرافيا فلسطين المحتلة تحت النيران اليمنية. ومع كل عملية عسكرية يمنية يتعاظم القلق الصهيوني ويزداد، وتتراكم الاعترافات بأن لا طائل من هذه المواجهة، فكل العلوم العسكرية فشلت في فك الشيفرات اليمنية.
مساء الجمعة الماضية الـ22 من أغسطس الجاري، دوّى في سماء فلسطين المحتلة صاروخ يمني غير مألوف. الدفاعات الجوية الإسرائيلية التي وُضعت على أهبة الاستعداد لم تستطع التعامل معه. ليس لأنه صاروخ بعيد المدى وحسب، بل لأنه حمل سلاحاً جديداً: رأساً حربياً متشظياً، ينقسم إلى قنابل صغيرة تتساقط كالمطر على منطقة واسعة، الأمر الذي أربك كل رادار واعتراض.
اعترف جيش العدو على مضض بعد إجرائه التحقيقات اللازمة في أسباب وحيثيات فشل الاعتراض، لتخرج التقارير الأولية بأن ما أُطلق من اليمن كان “عنقودياً” و”متشظياً”، وأن هذه هي المرة الأولى التي يواجهون فيها سلاحاً كهذا من صنعاء. صحيفة “يديعوت أحرونوت” وصفت ما جرى بالفشل المدوي للمنظومات الدفاعية الخمس بمختلف تشكيلاتها، مؤكدة أن الرأس الحربي انفصل إلى قنابل لم تتمكن الأنظمة من التعامل معها. “جيروزاليم بوست” العبرية اعتبرت الحدث “تطوراً مقلقاً”، فيما كتبت “إسرائيل هيوم” أن “صنعاء أجبرت تل أبيب على مأزق استراتيجي غير مسبوق”، بعد أن فشلت كل الغارات الجوية والبحرية في وقف هذه الضربات.
ويوم الخميس، تكشفها القناة 12 الصهيونية صراحة: “الصاروخ الانشطاري اليمني الذي أطلق على “إسرائيل” احتوى على رأس حربي يحمل 22 قنبلة”.
القناة 12 الصهيونية نقلت عن ضابط في سلاح جو العدو أن اليمنيين ليسوا العدو الذي ظنه الكيان الصهيوني في بداية الحرب أما اليوم فأصبح الكيان يعي تمامًا أن هناك تهديدًا حقيقيًا له، مضيفاً أن الضربات في الساحة اليمنية رحلة طويلة ومعقدة للغاية وليس من السهل تنفيذها.
يقول الضابط الصهيوني للقناة:” أنا كرئيس قسم في سلاح الجو لا أستطيع التعايش مع هذا التهديد من اليمن”، وتصريح مثل هذا يحمل دلالات عميقة تؤكد فشل كل أوراق العدو الصهيوني أمام التقنيات اليمنية، فهذا الاعتراف ليس تحليلاً صحفياً بل هو صادر من شخص على معرفة بمدى تقنيات العدو، وعلى اطلاع بمدى الصعوبات التي واجهها الكيان الصهيوني من الأسلحة اليمنية طوال 22 شهراً من المواجهة.
يضيف الضابط الصهيوني: “هناك عدو يحمل رايته شعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود” لا أعرف ضابطًا في الجيش يرى راية كهذه ويقول أستطيع التعايش مع هذا بسلام”. ليؤكد مجدداً أنه لا يمكن تجاهل اليمنيين، فهذه مشكلة متفاقمة وهم (يعني اليمنيين) عدو قوي يتعلم بسرعة ويعتمد على بناء قدراته الذاتية. مشيراً إلى أن اليمنيين يطورون قدرات مستقلة و”إن لم نرد الآن ونزيل التهديد فسنواجه التهديد نفسه بعد بضع سنوات بمئات الصواريخ”.
يكشف الضابط الصهيوني أن “الجيش الإسرائيلي” يكثف بأكمله جهوده في الساحة اليمنية ويجري تحقيقات ويهاجم بطرق مختلفة. لكنه يقر في نهاية المطاف بأن اليمنيين عدو يقاتل منذ سنوات مع السعوديين والأمريكيين، والكيان يحاول التعلم واستخلاص العبر، فهذا عدو مختلف، وفي هذه الجزئية يؤكد الضابط الصهيوني بشكل غير مباشر أن الكيان الصهيوني برغم ما لديه من تقنيات فقد أعاده اليمن إلى متعلم جديد في ميدان التكنولوجيا العسكرية.
كما نقلت القناة 12 عن خبير في الصواريخ القول: “لقد رأينا أن الضرر الناجم عن صاروخ واحد لم يُعترض يمكن أن يكون هائلاً حتى لو لم يُصب أحدٌ إصابة مباشرة. الصاروخ اليمني الذي أصاب مطار “بن غوريون” قطع تقريبًا جميع الاتصالات مع العالم عبر شركات الطيران الأجنبية. مؤكداً أن ثمن إخفاق الصاروخ الصهيوني الاعتراضي أو صاروخ الأمريكيين في إصابة هدفه يمكن أن يكون باهظًا للغاية.
“فلسطين2” المتشظي يدخل الخدمة رسمياً
بعد أسبوع من الضربة النوعية بالصاروخ المتشظي، جاء الإعلان الأوضح من السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي في كلمته المتلفزة الخميس: “القوات الصاروخية زفت لنا البشرى بالإنجاز النوعي الذي أقلق الأعداء الصهاينة، في صناعة الرؤوس الانشطارية لصواريخ فلسطين2، هذه الرؤوس تنقسم إلى عدة رؤوس حربية، وهو إنجاز مهم جداً أربك العدو وفضح عجز منظوماته الدفاعية”.
بهذا التصريح، انتقل اليمن من خانة “المتهم” باستخدام سلاح جديد إلى خانة “المعلن” عن تطوير استراتيجي واضح: إدخال تقنية الرؤوس الانشطارية في صاروخ فرط صوتي، قادر على الانشطار إلى شظايا نارية، وجعل كل اعتراض عملية شبه مستحيلة.
لم يكن الإعلان اليمني مجرد استعراض تقني، بل رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد. فاليمن الذي يقبع تحت حصار اقتصادي وعسكري خانق منذ سنوات، أثبت أنه قادر على تطوير تكنولوجيا معقدة، وأنه حاضر في المعادلة الإقليمية الكبرى إلى جانب فلسطين.
أكثر من ذلك، فإن الإعلان جاء بعد سلسلة من الهجمات التي أوقفت الطيران في مطار اللد “بن غوريون”، وضربت قلب “تل أبيب”، وأغلقت ميناء “إيلات” وشلت الحركة الاقتصادية في الكيان. ومع كل ضربة جديدة، يتضح أن اليمن لا يطلق صواريخه عبثاً، بل وفق استراتيجية تراكمية تهدف إلى استنزاف الدفاعات وإرباك صانع القرار الإسرائيلي.
اعترافات العدو، انهيار الثقة بالمنظومات
تفاصيل التحقيق الإسرائيلي كانت صادمة. خمس منظومات دفاعية ـ “السهم”، “حيتس” “آرو”، “مقلاع داوود”، “القبة الحديدية”، و”ثاد” ـ حاولت التعامل مع الصاروخ، لكنها عجزت. بعض التقارير أشارت إلى أن الصاروخ حمل 22 قنبلة فرعية انفجرت في الجو، فيما قالت قناة (آي 24) العبرية: إن الدفاعات اضطرت لإطلاق صواريخ احتياطية ضد أجزاء متناثرة، في مشهد عبّر عن الارتباك أكثر مما عبّر عن السيطرة.
أما “إسرائيل هيوم” فكتبت بصراحة: “الدفاع ليس محكماً، واليمنيون استطاعوا تطوير سلاح نوعي يكسر الحصار الدفاعي حول الكيان”. وأكدت الصحيفة أن عشرات الضربات السابقة ـ التي وصلت إلى “تل أبيب ” ومطار” بن غوريون” ـ لم تنجح الدفاعات في إيقافها، وأن هذه العملية الأخيرة أظهرت أن القادم أخطر.
ووفقاً لتقارير نشرتها وسائل إعلام عبرية مثل “معاريف” و “يديعوت أحرنوت” و”القناة العبرية الثانية عشرة” فقد أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ،يوم الأحد، أن تحقيقا أولياً لسلاح الجو أكد أن الصاروخ الذي أطلق من اليمن يوم الجمعة كان “عنقودياً”، ويحمل “رأساً حربياً متشظياً”، مشيراً إلى أن “هذه هي المرة الأولى التي يطلق فيها الحوثيون صاروخاً من هذا النوع على إسرائيل”.
وبحسب صحيفة “معاريف” فإن الجيش الإسرائيلي “اعترف بفشل صواريخ منظومة السهم (حيتس3) في اعتراض الصاروخ” مشيراً إلى أن “الصاروخ تفكك قبل أن تصيبه المنظومة، وهذا الوضع أجبر القوات الدفاعية على تفعيل صواريخ احتياطية ضد أجزاء الصاروخ المتناثرة، ولهذا الغرض، تم إطلاق صواريخ من منظومتي (مقلاع داوود) و(القبة الحديدية)”.
ونقلت القناة العبرية الثانية عشرة عن التحقيق أن “الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون من اليمن كان يحتوي على رأس حربي به 22 قنبلة صغيرة، تنفجر عندما تسقط من الجو، وهذا صاروخ مماثل للصاروخ الذي أطلقه الإيرانيون على الأراضي الإسرائيلية في يونيو الماضي”.
وبحسب تقرير نشره موقع “واللا” العبري فقد كشفت مصادر في سلاح الجو الإسرائيلي أنه “بعد إطلاق الصاروخ من اليمن يوم الجمعة تم العثور على مجموعة متنوعة من العناصر في المنطقة، وفي البداية، كان يعتقد أن هذه أجزاء اعتراضية، ولكن بعد مسح وتحليل مسار طيران الصاروخ الباليستي، تم الاشتباه في أن “الحوثيين” استخدموا لأول مرة رأساً حربياً قتالياً يمكن أن ينقسم إلى ثلاثة رؤوس حربية مختلفة قبل أن يصطدم بالأرض، مما يجعل الاعتراضات أكثر صعوبة”.
ووفقاً للموقع فقد “اكدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الحوثيين يمتلكون قدرة محلية على تطوير وتصنيع الصواريخ”. وأضاف: “التقديرات في إسرائيل هي أنه إذا تبين أن رأساً حربياً متشظياً قد استخدم بالفعل، فستكون هناك حاجة إلى إعادة النظر في سياسة الاعتراض”.
اليمن يكسر الحصار الدفاعي حول الكيان
قالت صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية: إن الصاروخ العنقودي الذي أطلقه الجيش اليمني مساء الجمعة أربك منظومات الدفاع الصهيونية حيث فشلت محاولات الاعتراض المتكررة رغم استخدام منظومة “أرو 3” المتطورة. وأوضحت الصحيفة أن الرأس الحربي انفصل إلى قنابل فرعية في الجو، وهو ما فسّرته أنظمة الكشف على أنه تفكك للصاروخ نفسه، فوقع الإرباك وعجزت بطاريات الدفاع عن التعامل مع القذائف المنهمرة.
مضيفة أن هذه التقنية الصاروخية ليست جديدة على الساحة الإقليمية، لكنها المرة الأولى التي يستخدمها اليمنيون في معركتهم المباشرة ضد كيان العدو.
وأشارت إلى أن الصاروخ يحوي شحنة متفجرة كبيرة إضافة إلى عشرات القنابل الصغيرة التي تُطلق من ارتفاع سبعة كيلومترات، وتغطي مساحة واسعة دون قدرة على التمييز، الأمر الذي يضاعف القلق لدى جيش العدو.
وأكدت الصحيفة أن ما حدث كشف تطورًا نوعيًا في قدرات صنعاء. مشيرة إلى أن إحدى القنابل فقط أصابت فناء منزل في “موشاف جينتون”، لكنها كانت كافية لإثارة الذعر وإظهار هشاشة الدفاعات الجوية التي روّج العدو لها طويلاً.
وختمت يديعوت بالقول: إن الرسالة الأوضح هي أن اليمنيين باتوا يمتلكون وسيلة جديدة لكسر الحصار الدفاعي حول الكيان، وإن أي جولة قادمة قد تحمل لهم المزيد من المفاجآت التي لا تقوى منظومات العدو على صدها.
أكدت صحيفة “جيروزاليم بوست” الصهيونية أن استخدام اليمنيين للصواريخ الباليستية الانشطارية ضد “إسرائيل” يمثل تطوراً كبيراً ومثيراً للقلق. وأوضحت الصحيفة في تقرير لها أن إطلاق الصواريخ الانشطارية عبر وسيلة باليستية يزيد بشكل ملحوظ من نطاق التهديد ويعقد عملية الاعتراض ويجعل المعالجة بعد الاصطدام أكثر صعوبة.
وخلصت الصحيفة إلى أن فشل الدفاعات الجوية “الإسرائيلية” في اعتراض الصاروخ اليمني يثير تساؤلات حرجة حول محدودية شبكة الدفاع الجوي متعددة الطبقات.
مأزق استراتيجي في الكيان الإسرائيلي
صحيفة “إسرائيل هيوم” قالت: إن العدو الصهيوني يواجه مأزقاً استراتيجياً غير مسبوق بعد نحو عامين من المواجهة المباشرة مع اليمن، حيث فشلت كل عملياته العسكرية في إيقاف وتيرة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقها الجيش اليمني. وأشارت الصحيفة إلى أن “ما يزيد على مائة صاروخ بعيد المدى وأكثر من ضعف ذلك من الطائرات المسيرة قد استهدفت عمق الكيان، بعضها أصاب أهدافاً حساسة مثل “تل أبيب” ومطار “بن غوريون”، الأمر الذي أربك المنظومة الأمنية وأدى إلى شلل جزئي في حركة الطيران الأجنبية لأشهر طويلة”.
وأضافت أن الاعتقاد السائد لدى صناع القرار في “تل أبيب” بأن التهديد “روتيني” لم يعد في محله، خاصة بعد أن استطاعت المسيّرات اليمنية اختراق الدفاعات وقتل مدني داخل شقة في قلب “تل أبيب”، إلى جانب سقوط صواريخ قرب المطار المركزي للكيان، مؤكدة أن “الدفاع ليس محكماً” وأن العدو يبقى عرضة لضربات متكررة.
وبحسب ما نشرته الصحيفة العبرية، فإن الردود العسكرية الإسرائيلية على اليمن لم تحقق أي نتيجة، إذ اقتصر الأمر على نحو 15 غارة جوية وبحرية استهدفت بنى تحتية يجري ترميمها سريعاً، دون أن يتغير شيء في طبيعة عمل القوات اليمنية التي “تعد وتفي”، كما وصفتها. ورأت أن الاستمرار في النهج ذاته بات عديم الفائدة، داعية إلى تغيير شامل في الاستراتيجية.
وتحدثت “إسرائيل هيوم” عن الحاجة إلى حملة طويلة المدى ترتكز على بنك أهداف استخبارية واسع وضربات متواصلة ضد قدرات الإنتاج العسكري اليمني، كما شددت على ضرورة محاولة تجنيد الدول العربية المتضررة من نفوذ اليمن، وعلى رأسها السعودية ومصر، لتشكيل تحالف جديد، إضافة إلى دعم قوى المعارضة في الداخل اليمني وتدريبها عسكرياً لاستكمال ما وصفته بـ”العملية الداخلية”.
غير أن الصحيفة أقرت بخطورة الوضع، محذرة من أن أي وقف لإطلاق النار في غزة قد يقود إلى توقف مؤقت للهجمات اليمنية، إلا أن هذا لا يعني زوال التهديد، بل إن أنصار الله ـ بحسب تعبيرها ـ يمتلكون طموحات إقليمية ويستمدون ثقة متزايدة من معركتهم الطويلة مع السعودية والولايات المتحدة”، وأكدت أن اليمن سيظل يوجّه بوصلته نحو “إسرائيل”، وأن ما وصفته بـ”الرقصة اليمنية” ستجبر “تل أبيب” على إعادة صياغة عقيدتها الأمنية والعسكرية بالكامل لما بعد حرب غزة، لأن العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر باتت مستحيلة.
لا جدوى من الغارات الإسرائيلية
طوال الفترة الماضية لم يفلح التحالف الأمريكي البريطاني الإسرائيلي في ثني اليمن عن إسناد غزة، لينتهي التحالف في نهاية المطاف إلى التفكك وطلب المجرم ترامب الهدنة مع اليمن بعد تنفيذه ما يزيد عن (1.700) غارة وقصف بحري، وبالتالي فإن الغارات الإسرائيلية بشكل منفرد بالتأكيد لن تغير من المعادلة شيئاً، وهذا ما أقر به العدو نفسه.
وقالت قناة “كان” العبرية: إن الضربات الإسرائيلية لم تؤدِّ إلى مكاسب حاسمة وإن استهداف قيادات بارزة في اليمن باء بالفشل رغم تكرار المحاولات. مضيفة أن احتمال إطلاق صاروخ جديد من اليمن قائم في أي لحظة ما يعني أن وتيرة الرد اليمني لم تتأثر بالعدوان الإسرائيلي الأخير.
وحذرت القناة ذاتها من الاستهانة بخطورة الجبهة اليمنية معتبرة أن الصواريخ التي وصلت إلى مناطق وسط الكيان بما في ذلك مطار “بن غوريون” ويافا وعسقلان تؤكد أن المواجهة لم تعد محصورة في قطاع غزة بل باتت متعددة الجبهات.
أما القناة الـ13 فأشارت إلى أن العدوان الإسرائيلي على اليمن لم يتجاوز كونه تكراراً لنمط سابق، لافتة إلى أن الغارة الأخيرة كانت الخامسة عشرة منذ بداية التصعيد ومع ذلك ما تزال صنعاء تحتفظ بزمام المبادرة وتواصل عملياتها العسكرية بكفاءة عالية.
وفي السياق ذاته، اعترفت القناة الـ12 بأن القيادة الإسرائيلية باتت تدرك ضرورة الربط بين معركة غزة والهجمات التي تنفذها قوات صنعاء، محذرة من أن غياب خطة شاملة لمواجهة التهديدات المتعددة يجعل الكيان أمام مأزق استراتيجي. وأضافت القناة أن قوات صنعاء أثبتت أنها قوة صلبة وأن قدرة “إسرائيل” على كبح عملياتها بالضغط العسكري المباشر تبدو محدودة.
ووفقاً لتقرير نشره موقع “والا العبري” الأحد، قالت مصادر سياسية إسرائيلية: إن “إسرائيل لا تستطيع تحمل مواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من اليمن، لأن ذلك يعرض الجبهة الداخلية الإسرائيلية للخطر”.
وفيما أشارت المصادر إلى أن “أجهزة المخابرات الإسرائيلية تبذل جهوداً كبيرة لبناء بنك أهداف واسع النطاق لضرب مراكز ثقل الحوثيين”، فقد ذكر التقرير أن “كبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي أوضحوا في الأشهر الأخيرة أن إيذاء الحوثيين يمثل تحدياً لأن معظم مراكز ثقلهم تحت الأرض، وبعضها غير معروف للمخابرات الإسرائيلية”.
وقالت المصادر: إنه “بمجرد أن يبدأ الجيش الإسرائيلي المناورة باتجاه مدينة غزة، سيعمل الحوثيون على توسيع نطاق إطلاق الصواريخ”، مشيرة إلى أن “على الجيش الإسرائيلي أيضاً التفكير في استخدام أساليب جديدة ضد الحوثيين”.
ومع ذلك، ذكّر التقرير بنتائج الحملة التي شنتها إدارة ترامب ضد اليمن، والتي نفذ فيها الجيش الأمريكي أكثر من ألف غارة في أقل من شهرين، مشيراً إلى أنه “خلال الحملة، التي تقدر تكلفتها بمليارات الدولارات، تم إسقاط ما لا يقل عن سبع طائرات كبيرة من طراز (إم كيو-9 ريبر) بتكلفة حوالي 30 مليون دولار لكل منها، بالإضافة إلى سقوط طائرات (إف-18) من حاملة طائرات”.
وأضاف: “لقد أظهر الحوثيون قدرة مدهشة على التعافي واستمروا في إطلاق الصواريخ والمركبات الجوية بدون طيار” لافتاً إلى أن “الأمريكيين واجهوا صعوبة في تحديد مواقع المنشآت الواقعة تحت الأرض، وبسبب الخوف من الأضرار الاقتصادية وفقدان طائرات إضافية، فضلت الإدارة الأمريكية السير في طريق المفاوضات التي انتهت بوقف إطلاق النار، دون إشراك إسرائيل”.
ونقل الموقع عن مصادر مطلعة في “إسرائيل” قولها: إن “رئيس الولايات المتحدة فضل تقليص الخسائر من خلال وقف العملية، وذهب لإغلاق القصة مع الحوثيين من خلال مفاوضات بوساطة”. وأشار التقرير إلى أنه “نتيجة للإنجازات الضئيلة للعملية، فقد قائد القيادة المركزية المنتهية ولايته، الجنرال مايكل كوريلا، مكانه في البيت الأبيض”.
تداعيات استراتيجية على “تل أبيب”
وسائل الإعلام العبرية بدت صريحة في توصيف المأزق: “الرقصة اليمنية”، كما وصفتها “إسرائيل هيوم”، ستجبر “تل أبيب” على إعادة صياغة عقيدتها الأمنية والعسكرية لما بعد غزة. لم يعد بالإمكان العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر. فالجبهة اليمنية لم تعد هامشية، بل صارت جزءاً أصيلاً من معادلة الردع.
من جانب آخر، التحذيرات التي نقلتها إذاعة (103 إف إم) العبرية على لسان قادة عسكريين كشفت حجم القلق: “الحوثيون يملكون القدرة على إنتاج الصواريخ محلياً، ويجب التعامل معهم”. هذا الاعتراف يعني أن العدو الإسرائيلي يواجه خصماً لا يمكن إنهاكه بالغارات الجوية، ولا إخضاعه بحصار طويل الأمد.
ما بعد فلسطين2.. إلى أين؟
اليوم، تتضح الصورة أكثر: صاروخ “فلسطين2” لم يكن مجرد تجربة ناجحة، بل إعلان بداية مرحلة جديدة. مرحلة يفقد فيها العدو الإسرائيلي الثقة بسلاحه الدفاعي، ويكسب اليمن موقعه في قلب معركة الأمة ضد العدو.
لقد انكسر “حيتس” أمام “فلسطين2″، وتكشّفت أسطورة “السماء المحصّنة” لتظهر كسراب. أما اليمن، فقد رسخ حضوره بقدرته على الصمود والتطوير، ليقول بلسان واضح: أنتم تحاصروننا في الأرض، لكننا نحاصركم في السماء.
إنها لحظة كاشفة، لحظة يهتز فيها ميزان القوى، حين تعجز مليارات الدولارات من التكنولوجيا الغربية عن صدّ صناعة محلية خرجت من تحت ركام الحصار. من صنعاء المحاصرة، تتفكك أسطورة “الدفاع الجوي الإسرائيلي”، وتتعرّى أسلحة أمريكا أمام تصميم شعب لم ينحنِ.
اليوم، وبعد “فلسطين2″، لم يعد العدو يتحدث عن نصر أو تفوق، بل عن مأزق، ورعب، ومستقبل أسود لا يعرف كيف يواجهه. أما اليمن، فقد رسّخ معادلة جديدة: من البحر إلى فلسطين.. السماء لنا، واليد الطولى بيدنا.