مليارات صعدة والجوف المنسية: لغز “الخامس عالمياً” في وثائق الـ CIA وصحافة الثمانينيات
بين أرشيف “السياسة” ووثائق “CIA”: لغز الـ 5 مليارات برميل.. كيف اختفى خامس أكبر حقل نفط في العالم من خارطة اليمن؟
الحقيقة ـ جميل الحاج
بينما كانت المنطقة تعيش على صفيح ساخن في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كان هناك سر جيولوجي يُطبخ تحت رمال شمال اليمن، سرٌّ لو قُدّر له أن يرى النور في وقته، لربما أعاد رسم خارطة القوى الاقتصادية والسياسية في شبه الجزيرة العربية برمتها.
نحن هنا بصدد قصة تبدأ من مانشيتات “السياسة” الكويتية عام 1980، وصولاً إلى وثائق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) التي رُفعت عنها السرية لاحقاً.
في صباح يوم الأحد، 23 مارس 1980، فجرت صحيفة “السياسة” الكويتية مفاجأة من العيار الثقيل. نقلت الصحيفة تقريراً حصرياً يتحدث عن اكتشاف نفطي مذهل في محافظتي صعدة والجوف، شمال الجمهورية العربية اليمنية (آنذاك).
لم يكن الاكتشاف عادياً؛ فقد تحدث التقرير عن حقل تُقدر احتياطياته بنحو 5 مليارات برميل، ووصفته الصحيفة بأنه قد يكون “خامس أكبر حقل بترولي في العالم” في تلك الحقبة.
وكانت الجهة المكتشفة كانت الشركة الفرنسية العريقة (Compagnie Française des Pétroles)، التي نعرفها اليوم باسم العملاق “توتال”.
هذا الرقم (5 مليارات) لم يكن مجرد إحصائية، بل كان يعني أن اليمن الشمالي يقف على بحيرة من الذهب الأسود تفوق في قدرتها العديد من الدول النفطية المستقرة، ولكن، وبشكل يثير الريبة، خفتت أصوات المحركات الفرنسية في صعدة والجوف، وطُوي الملف خلف جدران الصمت السياسية.
بعد أربع سنوات من تقرير “السياسة”، وتحديداً في 13 أبريل 1984، أعد مكتب تحليل الشرق الأدنى وجنوب آسيا في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مذكرة استخباراتية (نُشرت نسخة منقحة منها في سبتمبر 2009).
المذكرة أكدت وجود “دلائل قوية” على اكتشافات نفطية وشيكة في اليمن الشمالي بالقرب من الحدود السعودية.
ورغم أن الوثيقة حاولت “التهوين” من التأثير العالمي لهذا النفط، إلا أنها أقرت بتأثيره “الجوهري” على اقتصاد اليمن وسياسته الداخلية.
في حين تحدثت التقارير الفرنسية عن 5 مليارات برميل في صعدة، ذهبت الـ CIA في مذكرتها إلى تشبيه الرواسب النفطية في اليمن بتلك الموجودة في جنوب عمان (منطقة ظفار)، مقدرة الاحتياطيات بنحو مليار برميل من النفط الثقيل، وهو ما يسمح بإنتاج 120 ألف برميل يومياً لمدة عشرين عاماً.
وهنا يبرز التساؤل: هل كان التباين بين التقدير الفرنسي (5 مليارات) والأمريكي (مليار واحد) ناتجاً عن اختلاف المواقع الجغرافية بين صعدة والجوف، أم أنه كان محاولة أمريكية لتقليل الزخم حول الثروة اليمنية لأغراض سياسية؟
تكشف وثيقة الـ CIA عن قلقٍ ضمني من استقلال القرار السياسي اليمني، تقول المذكرة بصريح العبارة: “بمجرد بدء تدفق عائدات النفط، ستصبح صنعاء أقل ارتهاناً لموردي المساعدات الخارجية”.
كان الرئيس السابق علي عفاش يواجه وضعاً مالياً متزعزعاً، وسط فساد مستشري وكان النفط هو “طوق النجاة” لكن رضاة بالوصاية الخارجية وخضوعه للقيود والضغوط التي تمارسها الدول المانحة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.
الوثيقة توقعت أن النفط سيؤدي إلى:
استقرار الميزانية: إنهاء تهديد الوضع المالي لبرامج التنمية.
ضرب السوق السوداء: انخفاض عمليات التهريب نتيجة توفر النقد الأجنبي وتخفيف قيود الاستيراد.
تحفيز البنية التحتية: طفرة في قطاع الإنشاءات وجذب القروض الدولية بسهولة أكبر نتيجة “القدرة على السداد”.
تطرقت الوثيقة الأمريكية لنقطة اجتماعية غاية في الحساسية؛ وهي عودة المغتربين. قدرت الـ CIA وجود 700 ألف يمني يعملون في السعودية ودول الخليج آنذاك.
توقعت الوثيقة أن هؤلاء سيعودون فور سماع أخبار الطفرة النفطية، وهو ما وصفته بـ “النعمة المشوبة بالحذر”. فمن ناحية، سيوفرون عمالة جاهزة، ومن ناحية أخرى، سيشكلون ضغطاً هائلاً على البنية التحتية المتهالكة، فضلاً عن توقف تحويلاتهم المالية التي كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد اليمني قبل النفط.
المفارقة التاريخية الكبرى هي أن الإعلان الرسمي عن النفط في اليمن الشمالي لم يأتِ من صعدة والجوف (حيث الاكتشاف الفرنسي)، بل جاء في يوليو 1984 عبر شركة “هنت” الأمريكية من حوض مأرب، وبدأ الإنتاج فعلياً في 1987.
أين ذهب نفط صعدة والجوف المذكور في 1980؟ تشير القراءة الجيوسياسية إلى عدة أسباب محتملة لهذا “الاختفاء”:
الضغوط الحدودية: منطقة صعدة والجوف تقع على خط التماس مع السعودية. في تلك الحقبة، كانت الحدود غير مرسمة، وهناك تقارير تشير إلى تفاهمات قضت بترك هذه المناطق “مخزناً استراتيجياً” غير مستغل لتجنب الصراع الحدودي.
استبدال الأدوار: انسحاب الشركة الفرنسية (توتال) وظهور الشركة الأمريكية (هنت) يشير إلى صراع نفوذ دولي على الكعكة اليمنية، انتهى بتجميد حقول الشمال الأقصى والتركيز على حقول الوسط (مأرب).
التعقيد الجيولوجي مقابل السياسة: قد تتحجج الشركات بصعوبة الاستخراج، لكن وصف الحقل بأنه “الخامس عالمياً” ينفي أي عدم جدوى اقتصادية، مما يعزز فرضية “التجميد السياسي”.
إن الربط بين تقرير “السياسة” الكويتية ووثائق الـ CIA يكشف أن اليمن كان، ولا يزال، ضحية لموقعه الجغرافي وحجم ثرواته التي تتجاوز قدرة محيطه على الاستيعاب آنذاك.
خمسة مليارات برميل في صعدة والجوف لم تكن مجرد أوهام صحفية، بل كانت حقيقة جيولوجية رصدتها الأقمار الصناعية ومسوحات الشركات الفرنسية، لكنها اصطدمت بـ “فيتو” سياسي أبقاها مدفونة تحت الرمال لأكثر من أربعة عقود.
اليوم، ومع إعادة قراءة هذه الوثائق، يتضح أن أزمة اليمن الاقتصادية لم تكن يوماً بسبب “شحة الموارد”، بل بسبب “فقدان القرار” فوق تلك الموارد.
وهنا يبرز السؤال: إذا كان عام 1980 قد شهد كشف المستور عن نفط صعدة والجوف، وعام 1984 أكدته الاستخبارات الأمريكية كواقع جيوسياسي محتوم.. فمتى يحين الوقت ليخرج هذا النفط من “أدراج الأرشفة” إلى “أنابيب التصدير”؟
