ـ سقوط سردية “الضربة الخاطفة”: إيران تكسر عنجهية ترامب وتثبت أن الميدان أقوى من “تغريدات” النصر

ـ من الغارات الجوية إلى “مستنقع” الاستنزاف: الأوراق الإيرانية الثقيلة التي لم يحسب لها البيت الأبيض حساباً

ـ بين “نشوة” التصريحات و”واقع” الميدان: هل سقطت إدارة ترامب في فخ الرواية المضللة؟

الحقيقة ـ جميل الحاج

في وقت يتصاعد فيه الغبار العسكري في سماء المنطقة، يبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب منشغلة بمعركة لا تقل ضراوة عن القصف الجوي؛ وهي معركة السيطرة على “الرواية الإعلامية”.

فبينما يصر ترامب على أن الولايات المتحدة حققت “انتصاراً ساحقاً” في الحرب التي اندلعت مع إيران في مطلع مارس 2026، تتراكم المؤشرات الميدانية والسياسية التي توحي بعكس ذلك. من الضغوط الداخلية المتزايدة جراء قفزات أسعار الطاقة، إلى التوسل الدبلوماسي للحلفاء لتأمين مضيق هرمز، يبدو أن واشنطن عالقة في فجوة عميقة بين خطاب “صناعة الأوهام” وواقع الاستنزاف على الأرض.

“إرهاب” التراخيص.. محاولة خنق الحقيقة

برز التوتر بين السلطة والإعلام بوضوح من خلال تصريحات رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC)، بريندان كار، الذي هدد بسحب تراخيص محطات التلفزة المحلية إذا استمرت في نشر ما وصفه بـ”الأخبار المزيفة” حول مسار الحرب على إيران.

هذا التهديد، الذي يصفه خبراء القانون بأنه “فارغ” من الناحية التنفيذية لصعوبة تحقيقه قانونياً، يحمل دلالة سياسية مرعبة؛ فهو يعكس رغبة الإدارة في فرض رقابة صارمة لضبط سردية الحرب، والمفارقة هنا تكمن في أن “المنتصر” عادة لا يحتاج لإسكات الصحافة، فالنجاحات العسكرية تفرض نفسها ولا تحتاج لتهديدات إدارية لتثبيتها في الوعي العام.

لغة الأرقام.. تضخيم الإنجاز لإخفاء الفشل

اعتمد الخطاب الرسمي الأمريكي، الذي قاده وزير الدفاع “بيت هيغسيث”، على لغة الأرقام الفلكية لإبهار الجمهور.. في مؤتمره الأخير، تحدث هيغسيث عن:

استهداف أكثر من 15,000 هدف خلال أسبوعين.

تدمير 90% من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية.

شلّ حركة البحرية الإيرانية بنسبة 95%.

لكن المحللين العسكريين يشككون في هذه “النشوة الرقمية”، فاستهداف آلاف المواقع التكتيكية لا يعني بالضرورة تدميراً استراتيجياً، خاصة مع اعتماد إيران على عقيدة “الحرب غير المتناظرة”. والتناقض الأكبر ظهر عندما أقر المسؤولون أن إيران لا تزال قادرة على إغلاق مضيق هرمز، مما يعني أن “تحييد القدرات” الذي يتحدث عنه البنتاغون لم يحقق الهدف الاستراتيجي الأهم: تأمين تدفق النفط.

معضلة مضيق هرمز.. هل حُسمت الحرب حقاً؟

قبل أيام فقط، أبلغ ترامب بريطانيا بأنه “لا داعي لإرسال سفن” لأنه حسم الأمر، لكنه عاد لاحقاً ليطالب الناتو، وحتى الصين، بالتدخل للمساعدة في فتح المضيق. هذا التناقض يطرح سؤالاً محرجاً: إذا كانت أمريكا قد انتصرت، فلماذا تحتاج إلى “قوات دولية” لإنهاء الحرب؟

في الواقع، نجحت طهران في تحويل المضيق إلى ورقة ضغط ثقيلة، مما أدى إلى:

أزمة طاقة عالمية: قفزت أسعار البنزين في الداخل الأمريكي بنسبة 25%.

ضغوط اقتصادية: تضاعفت تكاليف الأسمدة للمزارعين الأمريكيين، مما يهدد القاعدة الشعبية لترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

تردد الحلفاء: تظهر دول أوروبا تردداً واضحاً في الانخراط في “تحالف بحري” جديد، خوفاً من الانجرار إلى مستنقع حرب لم يتم التخطيط لنهايتها.

“الأوراق الثقيلة” وخطر الانزلاق البري

رغم الحديث عن تدمير البرنامج النووي، لا تزال التقارير الاستخباراتية تشير إلى امتلاك إيران يورانيوم عالي التخصيب.. وتبرز هنا مخاوف من اضطرار ترامب لإرسال “قوات خاصة” للسيطرة على المنشآت النووية أو جزيرة “خرج” النفطية. أي عملية إنزال بري من هذا النوع تعني انتقال الحرب من “ضربات خاطفة” إلى “مواجهة استنزاف” قد تسقط مئات الجنود الأمريكيين، وهو السيناريو الذي وعد ترامب مراراً بتجنبه.

كما دخل البعد السيبراني على خط المواجهة، حيث تعرضت شركات أمريكية كبرى مثل “سترايكر” للأجهزة الطبية لهجمات عطلت أنظمتها، مما نقل الحرب إلى العمق الأمريكي وأضاف عبئاً أمنياً جديداً على الإدارة.

فجوة الثقة والذاكرة المثقوبة

داخل الولايات المتحدة، يواجه ترامب شكوكاً متزايدة. فالديمقراطيون، بقيادة شخصيات مثل بيت بوتيجيج، يذكرون الأمريكيين بحروب العراق وأفغانستان التي بيعت للشعب بحجج مماثلة.

غياب الخطة: لا توجد مخارج دبلوماسية واضحة، ومطالب ترامب بـ “الاستسلام غير المشروط” لم تجد صدى في طهران، خاصة مع تعيين “مجتبى خامنئي” مرشداً جديداً، ما يعكس إصرار النظام على المواجهة.

رهان السقوط: راهن ترامب على انتفاضة شعبية تسقط النظام مع أول غارة، لكن ذلك لم يحدث، مما ترك القوات الأمريكية عالقة في إطار زمني مفتوح.

الحسم “بالشعور” أم بالواقع؟

عندما سُئل ترامب عن موعد إعلان النصر، أجاب بأنه سيقرر ذلك “حسب شعوره في قرارة نفسه”، لكن “الشعور” الرئاسي لا يغير من واقع الأمر شيئاً؛ فالمنتصر لا يتوسل الحلفاء لتأمين الممرات المائية، ولا يهدد إعلامه الوطني بالرقابة، ولا يراقب عجز ميزانيات مواطنيه بسبب أسعار الوقود.

المشكلة الحقيقية اليوم ليست في تغطية الإعلام، بل في “الفجوة السحيقة” بين رواية انتصار متخيلة، ووقائع أرضية تشير إلى أن واشنطن قد انزلقت بالفعل في أكبر فخ استراتيجي في القرن الحادي والعشرين. الحرب لم تُحسم، بل بدأت تأخذ شكلها الأكثر تعقيداً وكلفة.

قد يعجبك ايضا