من المذبحة إلى الاستقلال: الجرائم البريطانية في السودان
يحمل التاريخ الأوروبي في إفريقيا سجلًا بالغ السواد، وصفحات مثقلة بالمآسي, لم يتورع المحتل الأوروبي، في سعيه لنهب خيرات الشعوب والسيطرة على أوطانها، عن سفك الدماء وارتكاب المجازر وجرائم الإبادة الجماعية بأبشع الوسائل وأقسى الأساليب, يقول السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في محاضرته الرمضانية الـ19 – 1445هـ: ” في التاريخ المعاصر من جهة الأوروبيين، ما ارتكبوه من جرائم الإبادة، والقتل، والظلم للشعوب، في قارة آسيا، وقارة أفريقيا، وقارة أمريكا اللاتينية، جرائم إبادة للملايين، أبادوا في الجزائر مليوني جزائري مسلم، من أطفال، ونساء، وكبار، وصغار، أبادوا ثلث الشعب الليبي، ثلث السكان أبادوهم، أبادوا في بقية المجتمعات، في بقية الدول، ما مجموعه ملايين من البشر، قتلوهم وأبادوهم”.
وفي هذا التقرير نسلط الضوء على جرائم بريطانيا في السودان, ففي مطلع سبتمبر 1898 استفاق السودانيون على مدافع الجيش البريطاني تُطلق رصاصها بلا توقف على قوات المهدية في أم درمان، في معركة وصفها المؤرخون بأنها كانت “عملية قتل واسعة”, خلال ساعات قليلة فقط سقط أكثر من عشرة آلاف سوداني مضرجين بالدماء، في واحدة من أكبر المجازر التي دشّنت بداية الاحتلال البريطاني للسودان، والذي امتد من 1898 حتى 1956.
منذ تلك اللحظة، دخل السودان في دوامة من السياسات الاحتلالية التي مزّقت نسيجه الاجتماعي، ونهبت موارده، وعمّقت أزماته، وخلّفت جراحًا لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.
بداية الاحتلال: قتل بلا حدود
دخلت القوات البريطانية بقيادة اللورد كتشنر السودان بقوة السلاح، مستخدمة أحدث الأسلحة الرشاشة في ذلك الوقت، وعلى رأسها مدفع الـ”ماكسيم” الذي حوّل مناطق القتال إلى ساحات ذبح مفتوح. لم تحاول بريطانيا إخفاء نواياها؛ فقد كان الهدف واضحًا: إخماد الدولة المهدية واستعادة السيطرة على وادي النيل مهما كلّف الأمر.
لكن المشهد الذي تلا المعركة كان أكثر فظاعة. إذ اقتحم كتشنر قبة الإمام المهدي، القائد الروحي والسياسي للثورة، وقام بنبش قبره وإزالة رفاته وإلقائها في النيل، في خطوةٍ فسّرها السودانيون بأنها لم تكن مجرد إهانة لرمزهم ، بل محاولة متعمدة لكسر إرادة الشعب وتدمير رمزيته التاريخية.
لماذا شاركت مصر في الاحتلال؟!
كانت مشاركة مصر نتيجة مباشرة لكونها هي نفسها واقعة تحت الاحتلال البريطاني منذ عام 1882.
الجيش المصري لم يكن جيشًا مستقل القرار، بل أداة تُحركها القيادة البريطانية لخدمة أهدافها في وادي النيل، سواء في تأمين منابع النهر أو منع قيام دولة سودانية قوية قد تُهدد مصالح ما يسمى ب”الإمبراطورية” وهكذا تحمّلت مصر تكلفة بشرية ومالية ضخمة في مشروعٍ لم تجنِ منه شيئًا، بينما استخدمته بريطانيا لإخفاء طبيعة الاحتلال الحقيقية, رغم أنه كان في الواقع احتلالًا بريطانيًا صرفًا بغطاء مصري مفروض.
حكمٌ بقبضة الحديد والنار
لم يأتِ الاحتلال لبناء دولة، بل لفرض سلطة. أُخضع آلاف السودانيون لنظامٍ قاسٍ من العمل الإجباري في إنشاء الطرق والسكك الحديدية ومشاريع القطن تحت أشعة الشمس الحارقة، بينما كان الضباط البريطانيون يشرفون عليهم بالسياط.
ولم تكن العقوبات مجرد وسيلة ردع، بل لغة إدارة يومية: الضرب، السجن، الإهانات، ومصادرة الممتلكات كانت جزءًا من الحياة تحت الحكم الاستعماري.
الاقتصاد في خدمة الإمبراطورية
يقول السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في إحدى كلماته الأسبوعية المناصرة لغزة وفي سياق حديثه عن سياسة التجويع التي يفرضها العدو الإسرائيلي على أبناء غزة: “البريطاني كم نهب وكم سرق؟! أقام ثروته، اقتصاده، إمكاناته، على ما سرقه ويسرقه وينهبه من مختلف الشعوب في أفريقيا، في البلدان العربية، في دول كثيرة في أمريكا اللاتينية، هذا هو حال الأمريكي والأوروبيين، هم يعتمدون على نهب ثروات الآخرين بشكل جائر وظالم، ثم هم من يفرضون سياسات اقتصادية تدميرية، ومضرة بالشعوب الأخرى، وعقوبات اقتصادية، لا يتوقَّفون دائماً عن عقوبات اقتصادية، ويستهدفون بها مَنْ؟ الشعوب، الذي يتضرر دائماً من عقوباتهم الاقتصادية هي الشعوب”.
فموقف بريطانيا مما يجري في غزة ما زال ذلك الوجه البشع وإن كانت قدمت نفسها في احتلال السودان كقوة إصلاحية، فإن سياساتها الاحتلالية قادت إلى نهب منظم لموارد السودان.
جرى إلزام المزارعين السودانيين بزراعة القطن وحده، وحُصرت أرزاقهم في نظام يُشبه الإقطاع، بينما تذهب الأرباح الحقيقية إلى خزائن لندن.
أما بقية المشاريع الاقتصادية، فقد صُممت لإنتاج مواد أولية رخيصة تُنقل إلى الموانئ ثم إلى بريطانيا، دون أي محاولة حقيقية لبناء اقتصاد وطني سوداني مستقل.
القمع العنيف لكل الأحرار
شهد السودان خلال فترة الاحتلال سلسلة ثورات وانتفاضات محلية كان مصيرها القمع العنيف.
خرج الطلاب والجنود والعمال بقيادة علي عبد اللطيف 1924 مطالبين بالاستقلال، فواجه الاحتلال المظاهرات بالرصاص الحي، وسقط العديد من الشهداء في الخرطوم وأم درمان. أُعدم بعض القادة سرًا، ونُفي آخرون إلى خارج البلاد.
وفي الأقاليم، استخدمت القوات البريطانية المدفعية الثقيلة لإخماد مقاومة القبائل، وأُحرقت قرى بأكملها، واعتُقِل شيوخ وزعماء قَبَليون ظلوا صامدين أمام محاولات السيطرة.
تدمير الهوية الثقافية
لم يُخفِ الاحتلال محاولته تغيير هوية السودان, وتقليص التعليم العربي، ودعم الإرساليات التبشيرية في الجنوب، والتضييق على المدارس الوطنية.. كلها سياسات هدفت إلى خلق جيلٍ بعيد عن جذوره الثقافية والدينية.
وفي الجنوب بالذات، سعت بريطانيا إلى خلق هوية منفصلة تمامًا، عبر إبعاد اللغة العربية، ومنع اللباس العربي، وتشجيع إرساليات الكنائس, لقد كان ذلك جزءًا من خطة طويلة الأمد لتأسيس صراعٍ اجتماعي وثقافي يجعل السودان ضعيفًا حتى بعد خروجها.
نهاية الاحتلال
عندما وصل جمال عبد الناصر ورفاقه للسلطة في مصر، تغيرت سياسة مصر تجاه السودان من المطالبة بالوحدة القسرية إلى القبول بحق السودانيين في تقرير المصير.
تصاعد الضغط السوداني على الاحتلال البريطاني فخرج من السودان في 1 يناير 1956، تاركُا إرثًا ثقيلًا من الانقسام، والاقتصاد المشوّه، والحدود المصطنعة، والمناطق المهمشة، والصراعات التي انفجرت لاحقًا بين الجنوب والشمال والشرق والغرب.
ومع ذلك، ظل الشعب السوداني قادرًا على الصمود، متمسكًا بحقه في الأرض، واللغة، والتاريخ، والذاكرة.
إن استعادة تلك الذاكرة ليست مجرد سرد للتاريخ، بل هي خطوة ضرورية لفهم تحركات تلك الدول الاستكبارية اليوم في الشرق الأوسط وأنها تمثل الامتداد الحقيقي لتاريخهم الأسود..
أعده للحقيقة: عبدالرحمن الحمران