من بنما إلى فنزويلا: الاستباحة والاختطاف كعقيدة سياسية.. هل سقطت سيادة الدول أمام البلطجة الأمريكية؟

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ 

في مشهدٍ بدا وكأنه مستقطع من حقبة “الحرب الباردة” أو أفلام الإثارة السياسية، استيقظ العالم يوم الثالث من يناير 2026 على نبأ اختطاف القوات الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى مركز احتجاز في “بروكلين” بنيويورك، تمهيداً لمحاكمته في مانهاتن.

هذا الحدث لم يكن مجرد إجراء قضائي عابر، بل كان الزلزال الذي هدم ما تبقى من أعمدة “حصانة رؤساء الدول” ووضع النظام الدولي برمته تحت مقصلة القوة الأحادية.

بينما تروّج إدارة ترامب لرواية “العدالة العابرة للحدود” وتتحدث عن “تطهير المنطقة من تجارة المخدرات”، يرى مراقبون وقانونيون أن ما حدث هو “عملية اختطاف دولية” متكاملة الأركان، تعيد التذكير بسجل حافل لواشنطن في استباحة سيادة الدول وتحويل الرؤساء إلى “مطلوبين للعدالة” في المحاكم الفيدرالية الأمريكية.

تاريخ من “البلطجة” السياسية: المختبر اللاتيني

لم تكن واقعة اعتقال مادورو وليدة الصدفة، بل هي حلقة في سلسلة تاريخية طويلة اتخذت فيها واشنطن من القارة اللاتينية “حديقة خلفية” ومختبراً لعمليات تغيير الأنظمة واختطاف القادة.

بنما 1989 (القضية العادلة): تظل عملية اعتقال الزعيم البنمي مانويل نورييغا هي السابقة الأبرز، فبذريعة مكافحة المخدرات، شنت واشنطن غزواً عسكرياً شارك فيه 27 ألف جندي، انتهى باختطاف نورييغا من سفارة الفاتيكان ونقله للسجون الأمريكية.

نورييغا، الذي كان يوماً حليفاً للـ (CIA)، تحول إلى “مجرم” بمجرد خروجه عن الخط الأمريكي.

تشيلي 1973: ورغم أن واشنطن لم تعتقل الرئيس سلفادور أليندي، إلا أنها هندست الانقلاب الدموي الذي أطاح به، مما أسس لقاعدة أن “الشرعية” تُمنح وتُسحب من واشنطن.

غواتيمالا 1954: الإطاحة بـ جاكوبو أربينز بتدبير مباشر من الاستخبارات الأمريكية، لإجهاض إصلاحاته التي مست مصالح الشركات الأمريكية.

النمط المتكرر: كيف يتم “شيطنة” الضحية؟

تفكيك الخطاب الأمريكي يكشف عن “كتالوج” ثابت تستخدمه واشنطن قبل كل عملية اختطاف أو تدخل عسكري:

الشيطنة الإعلامية: تصوير القائد كديكتاتور أو “بارون مخدرات”.

العقوبات الخانقة: عزل الدولة اقتصادياً لإثارة السخط الشعبي.

الغطاء القضائي: إصدار مذكرات توقيف من محاكم أمريكية محلية لإعطاء صبغة “قانونية” لعملية عسكرية.

التدخل المباشر: استخدام القوة العسكرية أو الأمنية لاختطاف الهدف تحت جنح الظلام أو عبر غزو شامل.

في حالة مادورو، يبدو أن الثروات الهائلة لفنزويلا (أكبر احتياطي نفط في العالم) هي المحرك الحقيقي، تماماً كما كانت قناة بنما المحرك في عام 1989.

زلزال بروكلين: ترامب ونسف القانون الدولي

يصف المقرر الأممي المعني بالنظام الدولي، جورج كاتروغالوس، ما جرى لمادورو بأنه “انتهاك صارخ لا تبرره أي ذريعة”.

ويؤكد كاتروغالوس أن حصانة رؤساء الدول هي الركيزة التي تمنع الفوضى العالمية، وأن تحويل القضاء الوطني الأمريكي إلى “شرطي عالمي” يحاكم قادة الدول ذات السيادة هو إعلان رسمي عن موت ميثاق الأمم المتحدة.

الأخطر في “عقيدة ترامب” الحالية هو إعلان نية واشنطن إدارة شؤون فنزويلا مباشرة، وهو ما اعتبره قانونيون عودة فجة لمنطق الاستعمار القديم، وربطاً مباشراً بما يحدث في غزة ولبنان من استباحة كاملة لأرواح المدنيين وسيادة الدول دون محاسبة.

قائمة “المغضوب عليهم”: صدام، ميلوسيفيتش، وهيرنانديز

انضم مادورو إلى قائمة سوداء من الزعماء الذين طالتهم اليد الأمريكية بوسائل مختلفة:

صدام حسين: الرئيس العربي الوحيد الذي تعرض لغزو شامل انتهى باعتقاله وإعدامه في مشهد درامي، في ذروة الغطرسة الأمريكية عام 2003.

سلوبردان ميلوسيفيتش: الذي سُلم بضغط أمريكي إلى لاهاي، ليموت في زنزانته بعيداً عن وطنه.

خوان أورلاندو هيرنانديز: رئيس هندوراس السابق الذي سُلم لمحاكم مانهاتن في 2022، قبل أن يفاجئ ترامب الجميع بإصدار عفو رئاسي عنه في 2025، ما يثبت أن “العدالة الأمريكية” ليست سوى ورقة سياسية تُستخدم للمساومة.

هل السيادة “وهم”؟

إن إيداع رئيس دولة في زنزانة ببروكلين يطرح تساؤلاً وجودياً على المجتمع الدولي: هل تلاشت السيادة أمام منطق القوة؟ إن “الفوضى القانونية” التي تديرها واشنطن اليوم تنذر بنظام عالمي لا تحكمه المعاهدات، بل تحكمه “مذكرات التوقيف” الصادرة من مانهاتن.

وإذا استمر هذا المسار، فإن السؤال لن يكون “لماذا حدث هذا؟” بل “من هو الرئيس القادم الذي سيُساق إلى سجون نيويورك؟”.

بين النفط في فنزويلا، والموقع الاستراتيجي في بنما، والقرار المستقل في العراق، تظل الحقيقة ثابتة: في غابة النظام الدولي الجديد، القوة هي القانون، والسيادة مجرد وجهة نظر أمريكية.

المواقف الدولية الرسمية

أثار اعتقال القوات الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من يناير 2026 زلزالاً دبلوماسياً قسم العالم إلى جبهات متصارعة، حيث تراوحت الردود بين الإدانة العنيفة، والقلق الحذر، والترحيب المشروط ومن أبرز الردود الأتى:

1ـ جبهة الرفض القاطع: عدوان مسلح واختطاف

قادت القوى العظمى المنافسة لواشنطن وبعض دول الجوار اللاتيني تياراً قوياً يصف العملية بأنها “بلطجة دولية”:

روسيا: وصفت وزارة الخارجية الروسية العملية بأنها “عدوان مسلح غير مبرر” وفعل إجرامي، وطالبت واشنطن بالإفراج الفوري عن مادورو وزوجته، مؤكدة أن ما حدث ينسف مبدأ سيادة الدول ويحول العالم إلى “غابة”.

الصين: أعربت بكين عن “صدمتها العميقة” ونددت باستخدام القوة ضد دولة ذات سيادة، معتبرة أن اعتقال رئيس دولة يمثل “خرقاً فادحاً للقانون الدولي” وتهديداً للسلم والأمن في أمريكا اللاتينية.

كوبا وإيران: وصفتا العملية بأنها “إرهاب دولة”، وحذرتا من أن هذه السابقة تضع جميع قادة العالم “المستقلين” في دائرة الاستهداف الأمريكي.

2ـ الموقف الأممي: سابقة خطيرة

الأمم المتحدة: عبر المتحدث باسم الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، عن “قلقه البالغ”، واصفاً التدخل العسكري الأمريكي واعتقال مادورو بأنه “سابقة خطيرة” في النظام الدولي.

مجلس الأمن: بطلب من فنزويلا ودعم من روسيا والصين، تقرر عقد جلسة طارئة (اليوم الاثنين 5 يناير) لمناقشة تداعيات العملية، وسط توقعات بصدام دبلوماسي حاد بين واشنطن وموسكو.

3ـ الموقف الأوروبي: انقسام بين الشرعية والوسيلة

اتسم الموقف الأوروبي بالارتباك، حيث حاول الموازنة بين عدم اعترافه بمادورو ورفضه لأسلوب اعتقاله:

الاتحاد الأوروبي: صرحت “كاجا كالاس” (مسؤولة السياسة الخارجية) بأن الاتحاد لم يعترف بشرعية مادورو، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة “احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة” في كل الظروف.

فرنسا وإسبانيا: في حين أبدت باريس ترحيباً ضمنياً بـ “نهاية الديكتاتورية”، أكدت مدريد رفضها لأي تدخل عسكري ينتهك السيادة الوطنية، داعية إلى حل سياسي سلمي.

4ـ أمريكا اللاتينية: بين الابتهاج والذعر

كولومبيا: أعلن الرئيس “غوستافو بيترو” حالة الاستنفار على الحدود تحسباً لموجات نزوح، مندداً بـ “العدوان على سيادة القارة”.

التيارات اليمينية: في المقابل، شهدت بعض العواصم (مثل بوغوتا وميامي) احتفالات لمؤيدي المعارضة الفنزويلية، الذين اعتبروا العملية “تحريراً” طال انتظاره.

قد يعجبك ايضا