من زنازين الطغاة إلى مقبرة الدبابات: طه المداني مسيرة وطن في حياة رجل
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في سجلات الأمم التي لا تنحني، ثمة رجالٌ لا يمرون عبر التاريخ كعابرين، بل يكتبونه بدمائهم، وينحتون ملامحه بصلابة مواقفهم.
وحين يُفتح سفر البطولة اليمنية المعاصرة، يبرز اسم الشهيد اللواء طه حسن المداني “أبو حسن”، ليس كقائد عسكري فحسب، بل كظاهرة استثنائية جمعت بين “بصيرة” الفيلسوف، و”حنكة” الدبلوماسي، و”بأس” المقاتل الذي لا يشق له غبار.
هو الرجل الذي قرأ خارطة المخاطر قبل وقوعها، ورسم بحدود عقله وقلبه سياجًا أمنيًا حمى وطنه في أحلك الظروف وأصعب المنعطفات.
لم تكن حياة المداني مجرد تعاقب للأيام، بل كانت سلسلة من الملاحم الوجودية؛ بدأت من محاريب العلم والمساجد، ومرت بزنازين الطغاة التي لم تزد شعلة إيمانه إلا توهجًا، وصولاً إلى قمم الجبال وصحاري المواجهة حيث تهاوت تحت ضربات تخطيطه أعتى الترسانات العسكرية. إننا أمام شخصية “موسوعية” في فنون الإدارة والقيادة؛ شخصيةٍ استطاعت أن تزاوج بعبقرية نادرة بين صرامة البدلة العسكرية ورحمة المنهج القرآني، وبين دقة العمل الاستخباراتي الصامت وعنفوان المواجهة الميدانية في خطوط النار الأولى.
طه المداني هو “المهندس” الذي وضع مداميك الأمن القومي اليمني في زمن كانت فيه الدولة تترنح تحت ضربات المؤامرات الدولية والخلايا الاستخباراتية العابرة للحدود.
هو الذي حوّل “صعدة” من مدينة أثخنتها الحروب إلى واحة للأمان والاستثمار يُضرب بها المثل، وهو الذي قاد “ثورة المؤسسات” خلف الكواليس ليحمي الجبهة الداخلية من التآكل.
في هذا التقرير، لا نسرد سيرة شخص، بل نقتفي أثر مدرسة في القيادة، ونستقرئ فلسفة رجلٍ آمن بأن “الأمن هو كرامة الإنسان”، فبذل روحه رخيصة ليبقى اليمن شامخاً، عزيزاً، ومستقراً.
وُلد طه المداني عام 1979م، في كنف أسرة يمنية عريقة عُرفت بالعلم والجهاد، نبت في بيئة إيمانية صلبة جعلت من المساجد مدرسته الأولى، ومن النهج القرآني بوصلته الوحيدة.
ومع بزوغ فجر “الصرخة” في وجه الاستكبار العالمي مطلع الألفية، كان المداني في طليعة الشباب الذين أدركوا مبكرًا حجم المؤامرات الدولية التي تستهدف الهوية اليمنية.
لم تكن شجاعته مجرد اندفاع، بل كانت موقفًا مبدئيًا كلّفه الاعتقال في أغسطس 2003م.. قضى في غياهب السجون سنوات لم تزده إلا صلابة ويقينًا، حتى خرج في أواخر عام 2006م، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته، لم يعد فيها الشاب الثائر فحسب، بل القائد الذي يضع استراتيجيات البقاء والمواجهة.
لم يكن خروج المداني من السجن للاستراحة، بل كان انطلاقًا نحو ميادين الشرف، في الحرب الرابعة عام 2007م، برز كفارس لا يشق له غبار، حيث أُصيب ثلاث مرات في مواجهات مباشرة، لتكون جراحه أولى الأوسمة التي تقلدها.
ومع اندلاع الحرب الخامسة في مايو 2008م، تجلت عبقريته في إدارة معركة “آل حميدان”. وسط صحراء مفتوحة وتضاريس تبدو مستحيلة الدفاع عنها، استطاع المداني بتخطيط محكم تحويل المنطقة إلى “مقبرة للدبابات”، حيث تهاوت أسطورة المدرعات الحديثة أمام إرادة المقاتل المؤمن.
لم يكن الشهيد يعتمد على القوة المفرطة، بل على فلسفة عسكرية تقول إن “الطلقة هي الضربة الأخيرة للعدو وليست الأولى”، في إشارة إلى أهمية المناورة والاستدراج والتخطيط.
في الحرب السادسة (2009م)، أُوكلت إليه مهمة الدفاع عن “صعيد صعدة”، هناك، أدار معركة “المقاش” بمستوى من الاحترافية الاستراتيجية التي تُدرس، حيث تمكن من صد زحوفات ألوية كاملة وجيوش نظامية وميليشيات “البشمرقة”، محافظًا على المناطق المحررة ومثبتًا نصرًا حاسمًا غيّر موازين القوى ميدانيًا.
قبل أن يكون قائدًا ميدانيًا، كان الشهيد المداني رجل الدولة والسياسة، امتلك حنكة نادرة جعلته “سفير القيادة” لدى العلماء، والأحزاب، والمشايخ. كان السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) يضع ثقته الكاملة فيه لإدارة الملفات الدقيقة والحساسة.
لم يكن دور المداني في التفاوض مجرد نقاش، بل كان يقدم نموذجًا للحلول الذكية التي تدمج بين الفكر والواقع.
كان يعرف متى يفرض الوجود بالقوة المتعقلة، ومتى يفتح أبواب الحوار، مما جعله “رجل الحلول” الذي يلجأ إليه الجميع في الأزمات المعقدة.
بعد انتهاء الحرب السادسة، انتقل الشهيد إلى معركة بناء “الأمن الداخلي”، أوكلت إليه مهمة تأسيس الدائرة الأمنية بشكل مستقل، فوضع أسسًا لا تعتمد على القمع، بل على “الوعي والأخلاق”.
تحت إدارته، تحولت محافظة صعدة إلى نموذج عالمي في الأمان؛ حيث تناقل الناس أخبار السيارات التي تظل مفتوحة في الشوارع، والهواتف الضائعة التي تعود لأصحابها دون تأخير. هذا الاستقرار الأمني جذب رؤوس الأموال والمستثمرين، مما حول المحافظة إلى قبلة اقتصادية وتجارية بعد سنوات من الدمار، ليثبت المداني أن الأمن هو حجر الزاوية في بناء أي نهضة.
في مارس 2011م، وفي مواجهة الظلم الذي مارسه ما كان يُعرف بـ “التحالف القبلي”، كُلّف المداني بتحرير مدينة صعدة، في عملية خاطفة استغرقت يومين فقط، استطاع السيطرة على المدينة دون خسائر تذكر، موازنًا بعبقرية بين الأداء العسكري الحاسم والحرص المطلق على سلامة المدنيين.
ولم تتوقف مواهبه عند الأمن والعسكرة، بل امتدت لتشمل “فن إدارة الحشود”، أشرف الشهيد على تنظيم الفعاليات الكبرى كالمولد النبوي الشريف في عامي 1432هـ و1433هـ. وتحت إشرافه، تدفقت الملايين إلى صعدة في انسيابية تامة وأمن مطلق، في تجربة تنظيمية وصفتها تقارير بأنها مثال يُدرس في الأكاديميات المتخصصة.
مع انتصار ثورة 21 سبتمبر 2014م، تولى المداني مسؤولية حماية مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الداخلية.. بصفته عضوًا في اللجنة الأمنية العليا، قاد جهودًا جبارة لتفكيك منظومات التجسس والعمالة التي زرعتها الاستخبارات الدولية لسنوات طويلة.
خلال ستة أشهر من العمل الصامت والدقيق، نجح فريقه في إفشال مئات المخططات الإجرامية والخلايا الإرهابية التي كانت تهدف لضرب الثورة في مهدها.
وحين بدأ العدوان السعودي الأمريكي في مارس 2015م، لم يكتفِ بالإدارة من المكاتب، بل عاد إلى حيث ينتمي: إلى خطوط النار الأمامية، مقاتلاً ومخططاً ومشرفاً.
في الخامس من يونيو 2015م، نال الشهيد طه المداني ما كان يرجوه دائمًا، وارتقى شهيدًا في ميادين البطولة.
رحل “أبو حسن” جسدًا، لكنه ترك خلفه مؤسسات أمنية صلبة وجيشًا من الرجال الذين تربوا على يده.
لقد ترك المداني مدرسة أمنية قرآنية تقوم على ثلاثة ركائز:
ـ الوعي قبل السلاح: أن الأمن يبدأ من قناعة المجتمع لا من سوط الجلاد.
ـ الأخلاق قبل السلطة: أن رجل الأمن هو خادم للناس وليس مسلطًا عليهم.
ـ القدوة قبل الأوامر: أن القائد هو من يتقدم الصفوف في الخطر، ويكون آخر من يرتاح.
ختاماً: إن حياة اللواء طه المداني هي قصة اليمن في أوج صموده، إنه الرجل الذي هندس الأمن من قلب الحرب، وصنع الاستقرار من رحم الفوضى.
سيبقى اسمه محفورًا في وجدان كل يمني، كأيقونة للوفاء، ومهندسٍ للانتصار، وقائدٍ استثنائي وضع روحه في كفة، وسيادة الوطن في كفة أخرى، ليرجح ميزان العزة والكرامة للأبد.