من شعار “تغيير النظام” إلى لغة التفاهم والامتيازات الاقتصادية.. كيف فرضت إيران واقعًا جديدًا على واشنطن؟

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

بعد أشهر من المواجهة العسكرية والسياسية والتصعيد غير المسبوق بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل في المنطقة مع الإعلان عن تفاهمات بين طهران وواشنطن تمهد لاتفاق شامل لإنهاء الحرب واحتواء تداعياتها.

وبينما حاول الرئيس الأمريكي ترامب تقديم الاتفاق باعتباره انتصارًا أمريكيًا كبيرًا، كشفت تصريحاته الأخيرة عن تحولات جوهرية في الموقف الأمريكي، عكست تراجعًا واضحًا عن العديد من الأهداف التي رُفعت في بداية الحرب، وفي مقدمتها تغيير النظام السياسي الإيراني وإخضاع طهران لشروط واشنطن.

وفي الوقت الذي حظي فيه الاتفاق بترحيب دولي وإقليمي واسع باعتباره خطوة نحو الاستقرار وخفض التوترات، أثار موجة غضب داخل الأوساط الصهيونية التي اعتبرت أن بنوده تصب في مصلحة إيران وتفرض قيودًا جديدة على “تل أبيب”.

وهو ما جعل الاتفاق يبدو في نظر كثير من المراقبين انتصارًا سياسيًا ودبلوماسيًا لطهران أكثر من كونه إنجازًا للبيت الأبيض.

من “تغيير النظام” إلى التفاوض

عندما اندلع العدوان على إيران، رُفعت شعارات كبيرة تحدثت عن إحداث تحول جذري في موازين القوى الإقليمية، وإضعاف إيران استراتيجيًا، بل وإسقاط نظامها السياسي.

وخلال الأسابيع الأولى من المواجهة، روجت الدوائر الأمريكية والغربية لفكرة أن الضغوط العسكرية والاقتصادية المكثفة ستؤدي إلى انهيار النظام الإيراني أو إجباره على الاستسلام.

غير أن تصريحات ترامب الأخيرة رسمت صورة مختلفة تمامًا. فالرئيس الأمريكي الذي كانت إدارته تتحدث عن تغيير النظام عاد ليؤكد أنه “لم يدّعِ قط رغبته في تغيير الحكم في إيران”، في تحول واضح يعكس تراجعًا عن أحد أبرز أهداف الحرب، كما اكتفى بالإشارة إلى أن “تغييرًا ما قد حدث”، في محاولة لتخفيف وقع الفشل في تحقيق الهدف الذي تم الترويج له طوال فترة الصراع.

ويرى مراقبون أن هذا التحول في الخطاب الأمريكي لا يمكن فصله عن النتائج الميدانية والسياسية للعدوان، والتي أظهرت قدرة إيران على الصمود والحفاظ على توازن الردع رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الكبيرة.

مضيق هرمز.. اعتراف أمريكي بأهمية الدور الإيراني

من أبرز ما كشفته تصريحات ترامب اعترافه الضمني بالدور الحاسم لإيران في معادلات الطاقة والتجارة العالمية، عندما قال إن عدم التوصل إلى اتفاق كان سيمنع إعادة فتح مضيق هرمز.

ويحمل هذا التصريح دلالات مهمة، إذ يؤكد أن استمرار الحرب كان سيؤدي إلى أزمة عالمية في الطاقة ويهدد الملاحة الدولية. كما يعكس اعترافًا أمريكيًا بأن ضمان أمن المضيق واستمرار تدفق النفط لا يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى تفاهم مباشر مع طهران.

وبذلك تحولت قضية كانت واشنطن تعتبرها ورقة ضغط على إيران إلى عامل ضغط على الولايات المتحدة نفسها، دفعها للعودة إلى طاولة المفاوضات.

الحرب التي هددت الاقتصاد العالمي

خلال المراحل الأولى من الحرب، سعت الإدارة الأمريكية إلى إظهار قدرتها على تحمل تكاليف المواجهة، والتأكيد أن الضغوط العسكرية لن تلحق أضرارًا جسيمة بالاقتصاد الأمريكي.

لكن ترامب عاد ليعترف بأن أحد أسباب توقيع الاتفاق هو تجنب “كارثة اقتصادية”، في إقرار واضح بأن استمرار الحرب كان سيحمل تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي وعلى الأسواق الأمريكية تحديدًا.

كما أشار إلى المخاطر المرتبطة بإمدادات النفط وحركة التجارة الدولية، وهو ما يؤكد أن كلفة الحرب تجاوزت بكثير ما كانت تتوقعه واشنطن عند بدء المواجهة.

ملف الأموال الإيرانية.. تراجع غير مسبوق

ومن أكثر التصريحات إثارة للاهتمام، حديث ترامب عن الأصول الإيرانية المجمدة، حيث أكد أن هذه الأموال تعود لإيران وأن عدم إعادتها قد يضر بمكانة الدولار الأمريكي ويضعف ثقة المستثمرين بالنظام المالي الأمريكي.

ويُنظر إلى هذا الموقف باعتباره تراجعًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا، خاصة أن واشنطن استخدمت طوال عقود سياسة تجميد الأصول كأداة ضغط ضد خصومها.

ويرى خبراء أن مجرد طرح فكرة إعادة الأموال الإيرانية يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن استمرار هذه السياسة قد ينعكس سلبًا على النفوذ المالي للولايات المتحدة وعلى مكانة الدولار في الاقتصاد العالمي.

تحول في النبرة الأمريكية تجاه طهران

التغيير لم يقتصر على الملفات السياسية والاقتصادية، بل شمل أيضًا طبيعة الخطاب الأمريكي تجاه إيران.

فبعد سنوات من التهديد والتصعيد، تحدث ترامب عن “ذكاء القادة الجدد في إيران”، في لغة مختلفة تمامًا عن الخطاب العدائي الذي ساد خلال الحرب.

كما أقر بأن استمرار القصف كان سيؤدي إلى تعقيد الأوضاع في مضيق هرمز ويزيد من الأعباء الاقتصادية، وهو ما اعتبره كثيرون اعترافًا بحدود القوة العسكرية الأمريكية وعجزها عن فرض حلول أحادية الجانب.

اتفاق يحظى بترحيب عالمي واسع

التفاهمات التي تم التوصل إليها بين طهران وواشنطن قوبلت بترحيب دولي وإقليمي كبير.

فقد اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الاتفاق خطوة مهمة نحو السلام والاستقرار في المنطقة.

فيما رحبت به دول كبرى مثل الصين واليابان و**فرنسا وبريطانيا والهند باعتباره فرصة لإنهاء التوترات وإعادة الاستقرار للأسواق العالمية.

كما رحبت دول المنطقة، وفي مقدمتها قطر و**السعودية والعراق والكويت ولبنان، بالتفاهمات الجديدة، معتبرة أنها تمثل فرصة حقيقية لتجنب مزيد من التصعيد.

غضب صهيوني واسع من الاتفاق

في المقابل، واجه الاتفاق انتقادات حادة داخل الكيان الصهيوني، حيث اعتبر مسؤولون وسياسيون وإعلاميون أن التفاهمات الجديدة تمنح إيران مكاسب استراتيجية كبيرة.

فقد أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتراضه على بعض بنود الاتفاق، فيما هاجمه وزراء ومسؤولون صهاينة معتبرين أنه يقيّد خيارات تل أبيب العسكرية ويمنح طهران مساحة أوسع للحركة.

كما رأت وسائل إعلام إسرائيلية أن الاتفاق يمثل فشلًا استراتيجيًا للسياسات التي سعت طوال الأشهر الماضية إلى إخضاع إيران أو تقليص نفوذها الإقليمي، معتبرة أن واشنطن قدمت تنازلات مهمة دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها في بداية الحرب.

خلاصة المشهد

تكشف التطورات الأخيرة أن العدوان على إيران التي بدء بشعارات كبرى حول تغيير النظام الإيراني وإعادة رسم خريطة المنطقة انتهت إلى مسار تفاوضي فرضته الوقائع الميدانية والاقتصادية، فبدلًا من الحديث عن إسقاط النظام، أصبحت الأولوية الأمريكية فتح مضيق هرمز، وتجنب أزمة اقتصادية، وإعادة بناء التفاهمات مع طهران.

وفي الوقت الذي ينظر فيه كثير من دول العالم إلى الاتفاق باعتباره خطوة نحو الاستقرار والسلام، ترى الأوساط الصهيونية أنه يعكس تراجعًا أمريكيًا وقبولًا بشروط كانت ترفضها واشنطن في بداية المواجهة.

وبذلك يبدو أن الحرب التي أُريد لها أن تُظهر قوة الولايات المتحدة وحلفائها انتهت بإعادة تشكيل الحسابات السياسية والاستراتيجية، وفرض واقع جديد جعل الحوار والتفاوض الخيار الوحيد للخروج من أزمة كادت تهدد أمن المنطقة والاقتصاد العالمي بأسره.

قد يعجبك ايضا