من ليبيا إلى اليمن والصومال.. كيف تحوّلت التدخلات الإماراتية إلى رافعة لتفكيك الدول العربية وخدمة المشروع الإسرائيلي

 الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

لم يعد التفكك الذي تشهده عدة دول عربية نتيجة طبيعية لصراعات داخلية معزولة أو إخفاقات مرحلية في إدارة الانتقال السياسي، بل بات ظاهرة متكررة ذات ملامح واضحة، تشير إلى تدخلات خارجية ممنهجة تعمل على إعادة هندسة المنطقة وفق خرائط نفوذ جديدة.

 وفي قلب هذه التدخلات، يبرز الدور الإماراتي بوصفه عاملاً مشتركاً في تغذية الانقسامات، وتمكين قوى محلية انفصالية أو شبه عسكرية، وإضعاف الدول المركزية والجيوش الوطنية، بما يفضي إلى حالة من “عدم الاستقرار المُدار” الذي يخدم أجندات إقليمية ودولية أوسع.

ومن ليبيا إلى اليمن، ومن السودان إلى الصومال، تتكشف سياسة واحدة تقوم على تفريغ الدولة الوطنية من مضمونها، وإدامة الصراع بوصفه أداة للسيطرة الجيوسياسية.

هذه السياسة لا تنفصل عن منظومة إقليمية أوسع تتقاطع فيها المصالح الإماراتية مع الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على تفتيت الدول ذات الثقل الجغرافي والبشري، والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وتحويل الإقليم إلى فسيفساء من الكيانات الضعيفة المتناحرة، المنشغلة بصراعاتها الداخلية، والعاجزة عن لعب أي دور فاعل في مواجهة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية أو دعم القضية الفلسطينية.

 اليمن.. تفكيك النسيج الاجتماعي وإدامة الحرب

في اليمن، يتجلّى الدور الإماراتي بصورة أوضح، من خلال دعمها المتواصل لما يسمي بـ “لمجلس الانتقالي الجنوبي” وقياداته، وفي مقدمتهم عيدروس الزبيدي، إلى جانب شخصيات وقوى عسكرية أخرى.

فمنذ تأسيس ميلشيا المجلس عام 2017، تعاملت أبوظبي مع قيادته كسلطة موازية لأي حكومة يمنية، وحوّلته عبر التمويل والتسليح والتدريب، تحت مزاعم القضية الجنوبية.

لم تكن سيطرة “المجلس الانتقالي” المتكررة على عدن، ولا تمدده الأخير في حضرموت والمهرة، أحداثاً عفوية، بل جاءت نتيجة استراتيجية مدروسة لتقسيم اليمن، وتحويل الجنوب اليمني إلى كيان منفصل عن اليمن.

وقد أدى هذا النهج إلى تعميق الانقسامات داخل المعسكر المناهض لصنعاء، بل وإلى اشتباكات مباشرة بين ميلشيا مدعومة إماراتياً وأخرى موالية للسعودية، ما كشف تصدعات عميقة داخل تحالف العدوان نفسه.

ويخدم هذا الواقع “إسرائيل” بشكل مباشر، إذ إن يمنًا منقسماً يعني غياب موقف تفاوضي موحد، وتراجع القدرة على التأثير في الممرات البحرية الاستراتيجية مثل باب المندب وخليج عدن، وهي الممرات التي أثبت اليمن أهميتها خلال معركة “طوفان الأقصى” عبر دعمه المباشر للمقاومة الفلسطينية وفرضه معادلات جديدة في البحر الأحمر.

 الصومال وصومالاند.. تفكيك الدولة من الأطراف

في القرن الأفريقي، تلعب الإمارات دوراً محورياً في دعم السلطات الانفصالية في “أرض الصومال”، متجاوزة الحكومة الفيدرالية في مقديشو. فمن خلال استثمارات الموانئ، وعلى رأسها ميناء بربرة، وترتيبات أمنية وعسكرية، عززت أبوظبي نزعات الانفصال، وأضعفت سلطة الدولة الصومالية المركزية.

وقد كشف الاعتراف الإسرائيلي بإقليم صومالاند، في توقيت أعقب زيارات مكثفة لمسؤوليه إلى أبوظبي، حجم التنسيق الإماراتي الإسرائيلي في هذا الملف.

فالخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن مشروع أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في البحر الأحمر وباب المندب، وتحويل مناطق الأطراف إلى كيانات أمر واقع قابلة للتوظيف السياسي والعسكري.

السودان.. من الانتقال السياسي إلى الحرب المفتوحة

لا يمكن فهم انزلاق السودان إلى حرب كارثية من خلال العوامل الداخلية وحدها.. فقد لعب التدخل الخارجي، ولا سيما الإماراتي، دوراً حاسماً في تمكين قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وتحويلها إلى قوة موازية للدولة.

 وبدلاً من دعم تفكيك الميليشيات بعد سقوط عمر البشير، جرى تفضيل منطق التسلح على السياسة المدنية، ما قوض فرص بناء جيش وطني موحد.

وانفجرت نتائج هذا المسار في أبريل 2023، مع اندلاع حرب مدمرة بين الجيش والدعم السريع، أدخلت السودان في دوامة عنف مفتوحة، وخلّفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.

 ويخدم هذا التفكك مصالح قوى خارجية تسعى إلى تحويل السودان، ذي الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر وحوض النيل، إلى ساحة نفوذ مفتوحة، بدلاً من دولة موحدة ذات سيادة.

 ليبيا.. إدامة الانقسام بدل بناء الدولة

منذ سقوط نظام معمر القذافي، تكافح ليبيا لإعادة بناء دولة موحدة من أنقاض الحرب والانهيار المؤسسي والتدخل الأجنبي.. غير أن أحد أبرز العوامل التي عمّقت الانقسام يتمثل في الدعم الإماراتي السياسي والمالي والعسكري للجنرال خليفة حفتر، فبدلاً من الإسهام في الاستقرار، رسّخ هذا التدخل حالة الاستقطاب بين الشرق والغرب، وأطال أمد الصراع، وعرقل مسارات التسوية التي ترعاها الأمم المتحدة.

وقد تُرجم الدعم الإماراتي إلى تدخل عسكري مباشر شمل شحنات أسلحة في انتهاك لحظر الأمم المتحدة، وغارات بطائرات مسيّرة، وتوفير غطاء دبلوماسي لمحاولات حفتر المتكررة للاستيلاء على السلطة بالقوة، وعلى رأسها هجومه على طرابلس خلال عامي 2019–2020. ولم تقتصر تداعيات هذا المسار على الداخل الليبي، بل تجاوزته إلى إضعاف شمال أفريقيا وحوض المتوسط، عبر خلق فراغات أمنية، وتعطيل مسارات الطاقة، وتعزيز الهجرة غير النظامية. وهي نتائج تتقاطع مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي ترى في تفتيت الدول العربية الكبرى مكسباً استراتيجياً طويل الأمد.

 تقاطع المصالح مع المشروع الإسرائيلي

يتقاطع هذا الدور الإماراتي مع السياسة الإسرائيلية القائمة على مبدأ “فرّق تسد”، والساعية إلى إضعاف الدول العربية الكبيرة وتحويلها إلى كيانات متناحرة. فمنذ توقيع اتفاق التطبيع عام 2020، تعزز التنسيق بين أبوظبي وتل أبيب سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وشمل تبادل معلومات استخباراتية، وتنسيقاً في ملفات اليمن والسودان والقرن الأفريقي.

وفي الوقت الذي تواصل فيه “إسرائيل” عدوانها التدميرية على غزة، وتوسعها الاستيطاني في الضفة الغربية، واعتداءاتها على لبنان وسوريا، تبدو الإمارات شريكاً إقليمياً يوفّر غطاءً سياسياً واقتصادياً لهذا المشروع، ويعمل بالتوازي على تحييد الدول العربية عبر إغراقها في أزماتها الداخلية.

ختاما: إن ما يجري في ليبيا واليمن والسودان والصومال ليس أزمات منفصلة، بل حلقات في مسار واحد يقوم على تفكيك الدولة الوطنية، وإدامة الصراع، وإعادة إنتاج الهيمنة.

وفي مواجهة هذا المسار، تبدو الوحدة الوطنية للدول المستهدفة، وإنهاء التدخلات الخارجية، شرطاً أساسياً لأي استقرار حقيقي.. فالتفكك لم يعد خطراً نظرياً، بل أداة تُستخدم بوعي لإعادة تشكيل المنطقة، وما لم يُواجَه هذا المشروع برؤية عربية مستقلة، فإن تداعياته ستظل تتوسع مع بداية العام 2026، على حساب شعوب المنطقة وسيادتها.

قد يعجبك ايضا